الغرب... والحرب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
محمد مخلوف
تسود لدى الطبقة السياسية الأمريكية قناعة، يتم التعبير عنها بأشكال مختلفة، مفادها أن الأوروبيين في القرن الحادي والعشرين أصبحوا يعتبرون أن الحرب هي "قضية الآخرين" أو على الأقل أصبحت تنتمي إلى الماضي. وهؤلاء "الآخرون" هم بنظرهم الأمريكيون، قبل الجميع.
الدليل على هذا المنحى الأوروبي واضح وجلي، فبلدان القارّة تقلّص أكثر فأكثر منذ سنوات ميزانياتها الدفاعية وتتحمّل أقل فأقل مسؤولياتها في المجهود الحربي "المشترك" للحلف الأطلسي. وهناك 4 دول فقط من أصل الدول الـ 28 الأعضاء في هذا الحلف تحترم الالتزام بتكريس نسبة 2 بالمئة من إجمالي دخلها الوطني للميزانية الدفاعية.
إن الأمر لا يتعلّق في الحقيقة بمجرّد تقليص للميزانيات الدفاعية في القارّة الأوروبية. ولكنه يعبّر عما هو أعمق وأشمل في الوعي الأوروبي من ميل حقيقي، سياسي وثقافي واجتماعي، لجعل القارّة القديمة، القارّة "العجوز" كما أطلق عليها وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد، موطنا للسلام بعد أن كانت قد عرفت قرونا من الحروب من بينها حربان كونيتان انطلقتا منها خلال القرن الماضي "العشرين" وحده.
الاتحاد الأوروبي نفسه يرمي بمعنى رئيسي إلى جعل الحرب مستحيلة بين بلدان وشعوب القارّة وحلّ جميع المشاكل عبر التفاوض. وينبغي عدم نسيان أن معاهدة روما الموقّعة عام 1957 بين ستة بلدان أوروبية قامت على فكرة "رفض الحرب". والملفت للانتباه هو أن عدوّي الماضي اللذين تجابها في أكثر الحروب شراسة ودموية في القارّة الأوروبية، أي فرنسا وألمانيا، أصبحا هما المحرّك الرئيس لمسيرة التوحيد الأوروبي. في المحصّلة لم تكن إرادة دفن فؤوس الحرب بعيدة أبدا عن خلق مثل هذا الواقع الجديد.
الأمريكيون يرددون من جهتهم أن أوروبا حققت بالفعل إنجازا سلميا هائلا عل أنقاض الخراب الذي سببته الحرب العالمية الثانية. ولكنها "ذهبت أكثر مما ينبغي في الاتجاه الآخر"، كما قال قبل فترة قصيرة وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس أثناء ندوة في واشنطن حول "المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف الأطلسي". بعض الآراء في الندوة نفسها وصلت إلى حد القول إنه ربما على واشنطن أن تنسحب من هذا الحلف. ذلك على أساس أن أوروبا والولايات المتحدة أصبحتا تقفان على أرضيتين متباينتين تماما على صعيد المفاهيم الاستراتيجية.
"الذهاب أكثر في الاتجاه الآخر" ترجمه البعض أنه يعني إعلانا ضمنيا عن "نهاية الغرب"، بالمعنى الذي كان يشكل فيه كتلة متجانسة، أو معسكرا يوحّده المصير مثلما كان الأمر في زمن "الحرب الباردة". لكن آخرين ترجموه على أنه مجرّد "تقهقر للحلف الأطلسي" واعتبره البعض "تهرّبا من مواجهة التهديدات المشتركة".
بكل الحالات من الملفت للانتباه في الواقع العملي أن هولندا، المعروف عنها أنها البلد الأوروبي الأكثر أطلسية في أوروبا، أعلنت أنها قد تسحب جنودها الـ2000 الموجودين في أفغانستان. وكانت مسألة الانسحاب هذه وراء سقوط التحالف الحاكم فيها. وفرنسا لم تذهب مساهمتها الجديدة في أفغانستان، رغم الضغوط الأمريكية، إلى أكثر من قرار إرسال بضعة عشرات من التقنيين لتدريب رجال الشرطة الأفغان.
الأمريكيون وبعض الأوروبيين، "يحذّرون" من وضع السلاح جانبا. ويرون أن "المغالاة" برفع رايات السلام قد تكون أحد أعراض الضعف و"الانحطاط" باسم "وهم السلام" الدائم. كما أن الحروب ارتبطت تاريخيا بالعلاقات الدولية، بالإضافة إلى أنها ليست بعيدة عن الطبيعة الإنسانية، ثمّ إن الأمم مدعوة للدفاع عن القيم التي تؤمن بها.
في المحصّلة تقوم هذه الحجج كلّها على القول بأن أوروبا ليست تاريخا فقط ولكنها مصير أيضا. أوروبا التي استعمرت وحاربت ودمّرت تقول بعد سقوط جدار برلين: "وداعا للسلاح" وأمريكا بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 "تضغط على الزناد" في أكثر من ساحة. مفهومان لكل منهما منطقه وحججه، لكن في اتجاهين متباينين.
وبكل الحالات تستحق منّا مسألة العلاقة بين التاريخ والمصير الكثير من التأمّل . العالم يتغيّر . ونحن؟.