حرب الشرق الأوسط القادمة... لقمة إيران المرّة وسورية المبهمة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
إسرائيل تبحث عن توازن رعب جديد... وحزب الله جاهز لـ"إذلالها" مجدداً
الكويت
يعود الرفض الاميركي للحرب الشاملة مع ايران لأسباب تتعلق بنتائجها الممكنة على المنطقة والعجز عن حسابها بدقة كما يعود لمدى قدرة أميركا وحلفائها على تحمل نتائجها ولعدم وجود حلفاء مشاركين في مثل هذه الحرب. أما الحرب القادمة على لبنان فستكون حرباً على لبنان وسورية معا ولا يجوز أن يستفرد فيها بأحد انها حرب شاملة وهذا ميزان ردع وتوازن رعب جديد في حين أن الحرب على غزة في اطار الحدود المصرية الاسرائيلية لا تتطور الى حرب شاملة لأنه لا يوجد أي واقع لأمن قومي عربي مشترك يعتبر العدوان على غزة عدوانا عليه.
الاحتمالات السابقة كانت قراءة لواقع المنطقة من منظور المفكر الفلسطيني د. عزمي بشاره أعدها في تقرير نشر على موقع "الجزيرة نت" تناول فيه الأحداث بدءا من تعيين روبرت غيتس الذي بدا من تعيينه وزيرا للدفاع في الولايات المتحدة في نهاية مرحلة بوش واستمراره في منصبه في فترة اوباما أن المؤسسة العسكرية الأميركية ازدادت قربا من عملية صنع القرار في قضايا الحرب والسلم، وبالتالي في السياسة الخارجية وذلك تحت وطأة النتائج الوخيمة للحربين في العراق وأفغانستان. فعلى مستوى "القرص الصلب" للمؤسسة والذي لا يتغير مباشرة بالانتخابات لوحظت عمليا بوادر مرحلة اوباما في نهاية مرحلة بوش. ووجد التفكير الجديد تعبيراته في لجنة بيكر هاملتون (قدم التقرير للرئيس بوش يوم 6 ديسمبر 2006) وأهمها الدعوة للحوار مع الدول المحيطة بالعراق ومنها سورية وايران، وذلك للاسهام في استقرار العراق ولتجاوز المأزق الأميركي في هذا البلد الذي قوَّضت بنيانه السياسات العدوانية المغامرة والدفع نحو تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، أي اعادة الحياة لما تسمى بـ"عملية السلام".
ما يهمنا من هذه البوادر هو تعيين روبرت غيتس في منصب وزير الدفاع بدلا عن رامسفيلد وتجرّؤ المؤسسة العسكرية على الأخير وضد مغامرات المحافظين الجدد. جاء غيتس ممثلا عن المؤسسة العسكرية. وازداد قوة ونفوذا في فترة اوباما وهو يجمع بوضوح بين مركّبيْ رفض تسلح ايران نوويا، ومحاولة تجنب الحرب الشاملة على ايران. هذا هو الموقف المؤسسي الحالي في الغرب بغض النظر عن ظواهر هستيرية شبه طوني بلير لم يعد يقبل بها سوى بعض الرسميين العرب.
ويعود رفض تسلح ايران بالسلاح النووي لأسباب متعلقة بتاريخ العلاقة الأميركية الايرانية بعد الثورة الاسلامية، ومنها أسباب عقلانية وغير عقلانية حتى من وجهة نظرٍ أميركية. وهي الأسباب نفسها التي تدعو نظاما مهدَّدا باستمرار من قبل أميركا، التي لم تعترف به حتى اليوم للتفكير بامتلاكه لغرض الردع.
هناك علاقات عداء متبادل تشمل رغبة معلنة وعملا على اسقاط النظام منذ الثورة من جهة ورفض ايراني لقبول الهيمنة الأميركية وتبعاتها في المنطقة. ولكن السبب المباشر الذي يطرح هو الموقف الاسرائيلي من ايران حتى في مرحلة الاصلاحيين في مقابل الموقف الايراني من اسرائيل. وهو أيضا الكامن خلف عدم تغيير طبيعة العلاقات الأميركية - الايرانية حتى بعد أن تغير الكثير في البلدين فالموقف الاسرائيلي هو "الدينامو" الذي لا يعرف الكلل، ويتحرك دوليا لفرض العقوبات، ولابقاء الموضوع ملحا على جدول الأعمال، ولمنع تراجعه على سلم أولويات الدول الغربية.
اسرائيل هي الدولة الأكثر حركة ونشاطا في هذا الموضوع. وهي أيضا الأكثر حزما ووضوحا في طلب استخدام جميع الوسائل لمنع ايران من الوصول الى القدرة على انتاج سلاح نووي. وهي الطرف الذي يضغط لكي لا يسقط الخيار العسكري ولو نظريا من لعبة الجذب والرخي مع طهران. و"اللوبي" الاسرائيلي في الكونغرس وفي الادارة هو من يقود الحملة على ايران. وتعيين دينيس روس مستشارا ومبعوثا خاصا لهذه الشؤون في البيت الأبيض هو تتويج لعمل هذا "اللوبي" ولا يجد القادة الغربيون عموما ما يبررون به معارضتهم للقدرة النووية الايرانية سوى أمن اسرائيل و"القلق من خطر يهدد وجودها".
وفي خضم المناقشات مع أوروبا بشأن العقوبات أحيت اسرائيل الذكرى الـ61 لتحرير أوشفتس، أكثر مما أحيت الذكرى الستين. وعجت أوروبا بممثليها الرسميين كخطباء في كل عاصمة، في استدعاء لعلاقة بين المحرقة النازية وموقف ايران من وجود اسرائيل لا حدود طبعا لما قد يقدم عليه الاستثمار السياسي. ولا مجال لحصر الجبهات التي تعمل فيها اسرائيل والولايات المتحدة للضغط على ايران ومنع تسلحها، ولغرض فرض العقوبات: الساحة الأوروبية، وروسيا، والصين، والهند، والمنطقة العربية، وحتى أفريقيا.
لا يوجد مجال من الصناعة والبنوك وحتى وسائل الاعلام الا ويُحَوَّل الى حلبة صدام لاضعاف ايران ومحاصرتها. حتى الجبهة اللبنانية - السورية أصبحت من وجهة النظر الاسرائيلية خاضعة لحسابات الجبهة الرئيسة ضد طهران. فالتهديد الوجودي برأي الاسرائيليين يأتي حاليا من هناك والخطر الاستراتيجي هو سلاح الصواريخ، وما يشغل بال الاسرائيليين بمنتهى الجدية هو: أولا، مداه وثانيا، دقته وثالثا وزن رؤوسه المتفجرة وقوة انفجارها وطاقتها التدميرية ورابعا نوع الرؤوس التي يمكنه حملها.
شكلت الأنظمة القومية العربية في الستينيات تهديدا حقيقيا لاسرائيل وتناقضت وجوديا معها ووجهت ضدها الطاقات على الجبهات كافة. أما حاليا فالخطر المرئي هو النظام المعادي الذي يحمل أيديولوجية مقفلة ضد اسرائيل. ولا تظهر فيه فتحة واحدة للتسوية معها ويمتلك سلاح الصواريخ. ويبقى العرب طبعا هم النقيض الوجودي على المدى البعيد ولكنهم حاليا غير منظمين ولا يعبَر عنهم في أمة ذات سيادة ولا حتى في دول منفردة تعبر عنها. لقد وصل الأمر بنتانياهو لاطلاق تسمية "العماليق الجدد" على ايران (هآرتس 18 فبراير 2010) و"العماليق" هم الشعب الذي أوعز "يهوذا" في التوراة "لقضاة شعب اسرائيل" بابادته بشكل شامل في أول ابادة جماعية "جينوسايد" في التاريخ يصدر كـ"أمرالهي" وينص حرفيا على ابادة النساء والأطفال وحتى البهائم. طبعا هذا غير ممكن في عصرنا. ولكن الممكن كما يبدو هو أن يقوم رئيس وزراء علماني في دولة "ديموقراطية" باقتباس تسمية من هذا الارث ضد أعدائه السياسيين دون أن تثور ثائرة العالم المتحضر الذي يحلو له أن يكره نجاد، بأدبائه وفنانيه ورواد مؤتمراته للحوار على أنواعها، ودون أن تكتب نيويورك تايمز حتى افتتاحية حول هذا الاستخدام الخطير والدموي للمخيلة الدينية الدموية.
أما رفض الحرب الشاملة مع ايران من قبل الولايات المتحدة فيعود لأسباب متعلقة بنتائج هذه الحرب الممكنة على منطقة الخليج بما فيها العراق والمناطق الأخرى، والعجز كما يبدو عن حسابها بدقة. كما يعود لمدى قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحمل نتائجها ولعدم وجود حلفاء مشاركين في مثل هذه الحرب، وذلك رغم كثرة العاملين على الحض عليها والتدبير لها. كما يعود التردد لورطة السياسة الأميركية العسكرية في العراق وأفغانستان، بفضل مقاومة هذه الشعوب، ولقدرة الجيش الأميركي على مطّ نفسه على جبهات أخرى.
هنا لابد من القول انه كان بامكان الدول العربية الاعتداد بمنع مثل هذه الحرب، فمن دون موافقتها لا يمكن أن تجري. ولكن موافقتها وحدها لا تكفي لشن الحرب. وهي اختارت "ألا تكفي" بدلاً من "أن تمنع".
وطبعا هنالك أسباب سياسية مباشرة متعلقة بانتخاب اوباما كي يضع حدا لحروب بدأها سابقه فهو لم ينتخب لكي يبدأ حروبا جديدة. ولا يظهر الرئيس الأميركي علامات نجاح في انجاز المهمة الأولى فما بالك بالمبادرة لحروب جديدة لا تُعرَفُ عقباها كي تُحمَد أو تذم. وهنالك بذور لفكر سياسي أميركي لم تجد لها أرضا خصبة لتنمو في ظل سيطرة الرؤية الاسرائيلية على الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. ولا يستبعد هذا الفكر توصل ايران لقدرات نووية. ولا يرى في ذلك نهاية الدنيا فايران تفوق باكستان تنظيما ومأسسة كدولة وبموجب هذا الرأي لابد من التوصل الى تفاهمات شاملة معها. فقد طورت وتطور براغماتية وطنية بناءً على مصالح دولة متزايدة وهي ترمي الى ترجمة قوتها الاقتصادية والسياسية والديمغرافية والاستراتيجية الصاعدة الى مكانة دولية واقليمية وهي قوة لا فضل فيها لأحد اذ بنيت في ظل الحصار. ومن خرق الحصار لم يخرقه بلا مقابل بل بالدفع عدا ونقدا (روسيا) أو بأسعار نفط مخفضة (الصين).
ولذلك فما المانع من وجهة النظر هذه من احتواء ايران في اطار الاعتراف بمكانتها وذلك مقابل قبول ايران بشروط تتجاوب من خلالها ليس فقط مع أميركا، بل مع جزء كبير من الرأي العام الايراني الذي يطالبها بايلاء اهتمامها لمواطنيها ولمصالح الدولة الوطنية أولا (ايران أولا اذا صح التعبير).
لقد قطعت ايران شوطا في هذا الاتجاه. ويتجلى ذلك بشكل خاص في علاقتها مع الدول العربية المحيطة ومحاولتها المستمرة تحويل الانتماء الطائفي الى ولاء سياسي لها أي الولاء لـ"ايران أولا" ولكن مازالت الأيديولوجية الاسلامية المذهبية التي يقوم عليها النظام تحد من انطلاق نزعة الدولة البراغماتية بحرية، فهي تؤكد ليس فقط على ما يفرق ايران عما حولها بل أيضا على ما يجمعها بما حولها، وهو الاسلام طبعا، والعداء لاسرائيل.
في ظل موقفٍ يتراوح بين رفض القدرة النووية الايرانية من جهة وتجنب الحرب الشاملة على هذه الدولة من جهة أخرى، يبقى هامش مناورة لايران وهامش ضغط ومواجهة للولايات المتحدة واسرائيل. ويتراوح مجال عمل الولايات المتحدة واسرائيل من الحث على فرض عقوبات اقتصادية، مالية وتجارية ومتعلقة بالنقل والمواصلات، وحتى الغارات المحسوبة ضد مواقع محددة كما فعلت اسرائيل ضد العراق، "ووقائيا" ضد سورية (موقع دير الزور) وبينهما العمل الاستخباري بما فيه دعم مناوشات مسلحة في مناطق حدودية ايرانية.
وقد أضافت الولايات المتحدة الى أجندتها مؤخرا دعم المعارضة الايرانية الجديدة. ففي الماضي تركز الدعم على المعارضة التقليدية من أنصار النظام القديم ولا يمكن للولايات المتحدة تجاهل الأفق الذي فتحته المعارضة الجديدة الملتفة حول رفض نهج نجاد ونتائج انتخابات العام الماضي. وهي معارضة أعمق وأشمل وأوْزن من المعارضة التقليدية. ومن هنا فستحظى بدعم غير تقليدي أيضا، مباشر وغير مباشر. ويتراوح الهامش الايراني بين تجنب العقوبات لأطول فترة ممكنة وطرح المبادرات في فترات تقدّم التخصيب تحديدا، والحفاظ على العلاقات مع دول تهمها مصالحها الاقتصادية أكثر مما يهمها رضا الولايات المتحدة مثل الصين وروسيا. فحتى دولة مثل الهند دخلت التحالف الأميركي الاسرائيلي (بفضل العرب وباكستان الى حد بعيد) ويهمها اعتبارات هذا التحالف الاستراتيجي أكثر مما تهم الصين، تجد أسبابا استراتيجية لعدم التفريط بالعلاقة مع ايران مثل: الالتقاء في الموقف من باكستان في أفغانسان وغيرهما.. فضلا عن أن الهند تكرر ما يقترب من 40 في المئة من البنزين المستورد الى ايران. وقطع توريد النفط المكرر لايران هو أبعد خطوة تفكر فيها الولايات المتحدة على مستوى "العقوبات الفعالة" وهي تهدد أن تستخدمها في النهاية وعندها ستضطر للضغط ليس فقط على الصين بل على الهند أيضا.. ولكن قدرتها على الضغط على دولة مثل الهند تتآكل تدريجيا مع تراجعها أمام "طالبان".كما تراجعت قدرة الضغط على الصين مع الأزمة المالية العالمية. حين نحسب حدود المواجهة في الحقل المفتوح الممكن بين تجنب الحرب الشاملة من جهة، ورفض القدرات النووية الايرانية من جهة أخرى، يُستَحسَن حذف تلك الأدوات التي يمكن أن تتحول الى حرب شاملة مع أنها لا تحمل هذه الصفة. فشن الغارات ممكن نظريا كحد المواجهة الأقصى مع العلم أن أحد الطرفين قد يحوله الى مواجهة شاملة، لأنه يعني الحرب بالنسبة له. ومن يريد أن يتجنب الحرب الشاملة، يمكن تهديده بالحرب الشاملة أيضا. وهو نموذج تهدد به سورية وحزب الله حاليا لتجنب عدوان اسرائيلي. فالغارات على مواقع معينة في ايران قد تتحول الى حرب شاملة. هذا يتوقف على نوع الرد الايراني. وهنالك أيضا سؤال هل تعتبر ايران منع الامدادات الواردة اليها مثل النفط المكرر سببا لمناوشات ناجمة عن قطع طريقها في مضيق هرمز وهل تقبل الولايات المتحدة بالتحدي دون أن ترد عليه؟.. ألا تتدهور في مثل هذه الحالة بعض أنواع العقوبات الى حرب؟
بقى أن تلجأ الولايات المتحدة تدريجيا الى تصعيد العقوبات بما يمكنها ضمان تجاوب الدول ذات الشأن والبناء على تطور المعارضة الايرانية على المدى البعيد. وهي قضية ايران الأساسية مستقبلا. وسيكون عليها التعامل بجدية أكبر مع جدلية المواطنة والأيديولوجية الرسمية للدولة وهي مرحلة مر فيها الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا، كما مرت بها الصين. وليس هنا المكان لتفصيل هذه المعارك ولكن معسكر الحقوق المدنية المحق في مطالبه لا يلبث أن يرى السياسة الخارجية والأيديولوجية كمسؤول عن مآسيه دون وجود علاقة بين الأمرين سوى استخدام النظام للأيديولوجية والتضامن مع المظلومين كتبرير لانتهاك حقوق المواطن وتقييد الحريات والفساد المالي للطبقات الحاكمة. ولم يكن من ذنب للمظلومين أو التضامن معهم في أي مكان في العالم بسوء ادارة الكولخوزات ولا بسياسة القمع الداخلية ولا بفشل الخطط الخمسية.
واضافة لميل الناس لاتهام الأيديولوجية التي كانت قد فرغت من مضمونها تماما في زمن السقوط ولسهولة التحريض بمثل هذه الشعارات ضد الأيديولوجية، فان المعسكر الآخر يتهم الأيديولوجية في حملاته الاعلامية، وفي تسويقه لذاته. وكذلك يفعل بعض المعينيين ذاتيا كناطقين باسم المظلومين، في مديحهم للسياسات الداخلية في الدول الشمولية. ايران تواجه حاليا جدلية من هذا النوع، لابد من ادراكها لكي تصمد أمام الضغوط.
غزة- فلسطين
هل يمكن أن تتطور الحرب انطلاقا من جبهات أخرى مثل لبنان أومن غزة؟
لقد ثبت أن الحرب على غزة في اطار الحدود المصرية - الاسرائيلية لا تتطور الى حرب شاملة. لأنه لا يوجد بتاتا أي واقع لأمن قومي عربي مشترك يعتبر العدوان على غزة تهديدا له. لا يوجد خارج نطاق الايدولوجية العروبية أمن قومي عربي. انه ليس كائنا، بل هو ما يجب أن يكون. وربما هو ما كان في يوم من الأيام. حاليا تعوِّلُ اسرائيل على الجدار الفولاذي لاحكام الحصار فعلا ومنع الأنفاق، ولاحداث تآكل في النظام القائم في غزة أو دفعه لقبول شروط مصر لغرض تأمين متطلبات الحياة. أو تحويله الى سبب لتفجير تبادر اليه غزة لكي لا يتحول الحصار الكامل بالجدار الجديد الى روتين لا يمكنها تحمله فحصار شعب بالكامل وتجويعه، كما تهدف "المنشآت الهندسية" هو خطوة أشبه بالحرب.
واذا لم تجدِ هذه الخطة فقد تلجأ اسرائيل الى العدوان على غزة من جديد. وتسعى اسرائيل لتجديد العملية السياسية المسماة السلام. لأنها مهمة جدا لاقتصادها الوطني فقد أثبت محافظ بنك اسرائيل الجديد أن 3 في المئة من مجمل الدخل القومي الاسرائيلي منوط بمجرد استمرارها فهي ترفع نسبة الاستثمارات الداخلية والخارجية في اسرائيل. و"عملية السلام" هي أيضا أفضل بيئة لحشد المواقف الدولية ضد ايران والمقاومة وضد "محور التطرف" عموما.
وفي هذه الأثناء تواصل اسرائيل التضييق على المقاومة الفلسطينية بالاغتيالات في الضفة وغزة. ومنذ نهاية الحرب على غزة قتلت اسرائيل أكثر من 170 فلسطينيا منهم عدد من المناضلين في القطاع فضلا عن الاغتيالات المستمرة في الضفة. أما اغتيال محمود المبحوح في دبي فيحمل ثلاث رسائل مفكر فيها اسرائيليا بشكل واع أي أنها لا تعكس تحليل الكاتب هنا بقدر ما تعكس ما يفكر فيه الاسرائيليون فعلا:
- أن اسرائيل مؤسسة لا تنسى المطلوبين لها ولو بعد عقود.
- أن المعركة ضد تهريب السلاح الى غزة هي حرب "وفي الحرب كما في الحرب".
- أن اسرائيل غير ملتزمة باحترام سيادة دبي في اطار الضغط على هذه الامارة التي تشكل مخرجا تجاريا وماليا أساسيا لايران يجعل أي حصار لها أمرا مستحيلا.
في الماضي خرقت اسرائيل حتى سيادة دولة تعتبر العلاقة معها استراتيجية مثل الأردن. وأجبرها الملك الراحل حسين على دفع ثمن لذلك. ولكنها لا تلتزم باحترام سيادة دول أخرى. وباعتقادي أنها قصدت في رسالة الى دبي أن يجري الاغتيال بهذه الطريقة التظاهرية في دبي لم يكن ذلك فشلا تنظيميا أو"لوجستيا" الأمر المذهل هو الصمت العربي الرسمي ازاء تجاوز فظ وعدائي لسيادة دولة عربية، وذلك في مقابل الجدية التي تبديها شرطة دبي. أما الكلام الأوروبي فهو كلام سياسي في ظل الحرج من وجود الصور وتعرّف شرطة دبي على الجوازات أما الأجهزة الأمنية الأوروبية فمتفاهمة مع اسرائيل في "الحرب على الارهاب".
في ظل حالة اللاحرب الحالية ستستمر سياسة الاغتيالات بتواز مع الحصار لاستنزاف المقاومة الفلسطينية. ولكن لا دليل على نجاح نموذج رام الله والأخبار الصادرة من هناك بائسة بتعبير متواضع. والحالة في الضفة الغربية لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه من استمرار الاحتلال وحل القضايا بسياسات اقتصادية كما خطط نتانياهو.
لبنان وسورية
جرت العادة منذ فترة على اعتبار استعادة هيبة الردع عند الجيش الاسرائيلي سببا ممكنا لحرب مقبلة ضد لبنان. وهذا وارد طبعا ولكنه ليس تبريرا كافيا لشن الحرب لا أمام العالم ولا أمام المجتمع الاسرائيلي. يجب ايجاد سبب لشن الحرب لكي تبرر استخدامها لاستعادة الردع. ولكن السؤال الأهم هو: اذا كان حزب الله كما ثبت في حرب يوليو خصما استراتيجيا وليس تكتيكيا (وان لم يكن خطرا وجوديا كما ترى اسرائيل بحق أو بغير حق السلاح النووي الايراني) فهل تصبر اسرائيل على أن يراكم هذا الخصم قوة أعتى؟ تأتي الاجابة جزئيا من سلوك حزب الله بعد الحرب ومن تحليل أطراف اسرائيلية في الأمن والسياسة في اسرائيل: اذا كان حزب الله قد انتقل في برنامجه السياسي الأخير، وفي سلوكه وخطابه السياسي منذ حرب يوليو من برنامج تحرير فلسطين الى ايديولوجية تحرير فلسطين، والتي لا تعني الا عدم الاعتراف باسرائيل ورفض السلام معها... واذا انتقل من الهجمات على الحدود وعبرها الى استراتيجية الدفاع عن لبنان فقط اذا هوجم فلماذا تهاجمه اسرائيل؟ منذ حرب يوليو انصاع الحزب عمليا للقرار 1701 في جزئه المتعلق بوقف النار. بهذا المعنى فان حرب يوليو نجحت في وقف عمليات المقاومة، وان بثمن كبير جدا أذل اسرائيل، مع أنها فشلت في القضاء على المقاومة ككيان سياسي مسلح.
في المقابل يقول حزب الله ان العمليات في الأعوام الأخيرة قبل العدوان كانت متوقفة أصلا ما عدا الاختطاف لغرض تبادل الأسرى. وقد وقعت اشتباكات حدودية عدة هذا عدا التلويح بالمقاومة في مناطق شبعا ولكن هذا نقاش آخر يعلن حزب الله عبر السجال مع الأفرقاء اللبنانيين أنه سيتجنب منح اسرائيل حججا لكي تبدأ هي بالحرب (مع أنها ليست بحاجة الى حجج كما يقول) فما الداعي الاسرائيلي لشن الحرب عليه اذن؟ الجبهة اللبنانية في طريقها لأن تصبح أكثر شبها بالسورية. ولا يتناقض ذلك مع الاستفادة السورية من تجربة المقاومة اللبنانية الفذة في القتال، فالاقتراب نحو نقطة التشابه هو من الجهتين السورية واللبنانية. والوضع السائد هناك هو توازن ردع وليس حربا لقد ضاق هامش المقاومة في لبنان كما على الحدود السورية - الاسرائيلية والحالة هي اما حرب أو لا حرب ولا مقاومة في الوسط. ولم يحسم النقاش في اسرائيل بعد بين قبول ميزان الردع الجديد وعدم شن الحرب وبين عدم السماح بتطوره وتفاقمه وذلك بشن الحرب على لبنان.
من زاوية النظر الاسرائيلية ستنتصر اسرائيل في مثل هذه الحرب مع سورية، أو لبنان. ولكن من هذه الزاوية نفسها يبدو أن قدرة الطرف الآخر على رفع ثمن هذا الانتصار تزداد باستمرار وهنا يسأل التوجه الأول: ليس السؤال هل يمكن لاسرائيل تحمل هذا الثمن بل السؤال هو لماذا تتحمله ولماذا الحرب أصلا؟ سبق أن أعلنت سورية عن خيار السلام كخيار استراتيجي. (ولكنها مؤخرا تؤكد أنه لا شركاء له في الجهة الأخرى) وفي لبنان تشكَّلَ عمليا اجماع وطني يشمل حزب الله وهو اجماع على تجنب الحرب مع اسرائيل، وعلى قبول تحوُّلِ قوى المقاومة من مقاومة فاعلة بعمليات، ولو متفرقة، الى قوة دفاع عن لبنان. يتطلب الأمر من وجهة النظر الاسرائيلية هذه أن تغيّر في المقابل اسرائيل سياستها تجاه لبنان، وعليها اعادة النظر في استباحة سيادته بالغارات والاجتياحات، وغيرها. و"حزب الله" لا يعترف باسرائيل، ويعتبرها عدوا. والفرق بينه وبين سوريه أنه لن يبدأ معها لا تسوية ولا عملية سلام... ولكنه لا يقوم بأعمال هدفها تحرير فلسطين، ولا عمليات مقاومة حتى في مناطق شبعا منذ حرب يوليو
لاشك أن التصعيد الكلامي الأخير مهم. ولكنه مهم في سياق الانتقال الى المرحلة الجديدة. حزب الله لا يقوم بعمليات مقاومة ولكنه يغطي بالتهديد والتصعيد الكلامي (الجدي، فكونه خطابيا لا يعني أنه غير جدي) عملية الانتقال من مقاومة وجود اسرائيل أو حتى من المقاومة الفاعلة لاسترداد أراض لبنانية الى الاكتفاء باستراتيجية الدفاع عن لبنان. وهو ثمن قبول سلاح المقاومة لبنانيا. من هنا ينطلق التهديد بالرد على أي عمليات اسرائيلية بلهجة حادة ومبرّرة. فهي تردع العدوان. وهي ترضي أجزاءً أوسع من الرأي العام اللبناني بتحويل نبرتها الحادة جدا نحو الدفاع ولتجنب الحرب. وهو الرأي العام الذي أصبح يشغل الحزب أكثر من أي وقت مضى. لا ننسى أن الحزب يهدد بالرد على أي عدوان اسرائيلي، ولا يتحدث عن ادارة حرب مستمرة مع اسرائيل تتخللها عمليات مقاومة وهدنة وغيرهما. لقد تقدم الحزب خطوتين نحو قوى سياسية لبنانية أكثر مما انسحب أمام اسرائيل. وما أتاح ذلك هو أنه في الظرف الدولي الجديد من سقوط المحافظين الجدد والحوار الأميركي مع سورية تقدمت نحوه بخطوات قوى سياسية لبنانية وكانت هذه القوى نفسها قد خاصمته حتى أثناء الحرب، وكانت دعت قبل الحرب الى تجريده من سلاحه.
لقد كان باراك يدعو للعودة الى عملية التسوية مع سورية حين صرَّح بأن جمودها قد يؤدي الى حرب. كان يهدد اليمين الاسرائيلي بنتائج الجمود أي بالتدهور الى حرب. وكان ليبرمان يرد عليه، وليس على سورية، ولكن لتسمع سورية. لقد أكد غياب آفاق التسوية والمفاوضات الا بالشروط الاسرائيلية. ويتابع قائلا: على من لا يعجبه الأمر ألا يهدد اسرائيل بالحرب، ففي مثل هذه الحرب "تخسر عائلة الأسد الحكم" هو يدعي اذن أن حالة اللاتسوية واللاحرب ممكنة. لا يوجد حل للصراع يقول اليمين الاسرائيلي المتطرف ومع ذلك يحذر: ليتجرأ من يتجرأ على شن الحرب هذا مختصر موقف ليبرمان وهذا موقف فج يزعج جميع الدول العربية، المؤيدة والمعارضة للتسوية، ويزعج أوروبا بشكل خاص. ولذلك من السهل كره ليبرمان. فهو لا يحترم حتى العرب مؤيدي التسوية. هذا النقاش الدائر في اسرائيل حول ضرورة العودة للتفاوض وبدائلها بين وزير أمن ضعيف بلا حزب ووزير خارجية تتهدده ملفات فساد قد تدخله السجن ظهر كأنه تهديد بالحرب.
وكان الرد السوري عليه مفاجئا لمن لم يفهم التغيّر في الخطاب السوري بعد. لقد كان الحزم السوري في الرد على ليبرمان مفيدا، عربيا ودوليا، وحتى على المستوى الداخلي الاسرائيلي. ومن التجربة كان الحزم وحده مجديا لسورية منذ محاولات كولن باول فرض شروط عليها بعد الحرب على العراق 2003، مرورا بالانسحاب من لبنان تحت وطأة اغتيال الحريري وحتى اليوم أما التراجع والاستجداء فأدى ويؤدي الى التعرض لضغوط أكبر ولاشك أن التصعيد في التهديد من عواقب أي هجوم اسرائيلي يتغلب على التخويف المستمر بقوة اسرائيل، ويتجاوز قدرتها على الابتزاز. ويشكل أساسا لرفض الضغوط الاسرائيلية على العرب للتسليم بأي تسوية سياسية غير عادلة. ولكنه لا يشبه اطلاقا الخطاب العربي السابق ضد اسرائيل، الذي كان مدفوعا برفض وجودها بما فيه الاعداد لمحاربتها لقد تغير الوضع الى درجة أن منع الحرب يحتاج الى لهجة صارمة وسلوك حازم... واعداد أفضل فالتصعيد الكلامي بمجمله من قبل حزب الله وسوريه يأتي تحت عنوان تجنب الحرب وليس شن الحرب. ولكنه لا يتجنب الحرب بالاسترضاء، أو بقبول التسوية بل بالتهديد من عواقب أي عدوان اسرائيلي مقبل. ان أفضل طريقة لمنع الحرب هي الاستعداد للحرب.
هذه سياسة تعزز الصمود ضد فرض شروط سياسية في التسوية ولكنها ليست سياسة مواجهة مع اسرائيل انها تمنع تسوية غير عادلة ولكنها لا تفرض حلا عادلا. يظهر ذلك في مثال التهديد بازالة اسرائيل عن الوجود اذا شنت حربا والذي ينطلق بين الفينة والأخرى. اذا كان من يهدد مقتنعا بازالة اسرائيل من الوجود، بل يشكل "زوال الكيان" محور ايديولوجيته السياسية واذا كان قادرا على ازالتها فلماذا لا يزيلها؟ لماذا ينتظر أن تشن حربا عليه؟ على المستمع اذن أن يشكك اما في قدرته أو في ارادته. وطبعا لا تشكيك في الرغبة الايدولوجية عند حزب الله في زوال اسرائيل أما الارادة السياسية فلابد أن تتأثر بالقدرة الفعلية، وبالظرف وبالنتائج. ليس باستطاعة حزب الله ازالة اسرائيل حاليا، ولفترة طويلة قادمة على الأقل. وتوجه الحزب نحو السياسة الداخلية اللبنانية لا يحافظ على السلاح فحسب، بل يضع القيود عليه ويغيِّره. وهو يغير أيضا توقعات جمهوره منه. على كل حال من زاوية نظر أخرى فتحرير فلسطين ليس مهمة المقاومة لا حزب الله ولا "حماس". فتحرير فلسطين هو مهمة الأمة كلها.
يهدد حزب الله لأن لديه القدرة الفعلية على ايذاء اسرائيل بشكل جدي. وهو يقول ذلك ليس في سياق تهديد بالحرب عليها، بل في سياق تهديد مسؤوليها بشن حرب على لبنان كله. هذه سياسة دفاعية من قبل الحزب لاشك في ذلك. فاسرائيل ان شنت الحرب هذه المرة فلن تخرج اليها للتسلية ولا لاستعادة الهيبة بل لتجاوز فشل حرب يوليو في القضاء على الحزب. أي أن الهدف سيكون شاملا وهو القضاء على الحزب قضاء مبرما وهذا يتطلب حربا على لبنان كله وبالتالي أي رد من قبل الحزب سيكون شاملا. هذه حرب. وهل يمكن لسورية أيضا قبول فكرة القضاء على المقاومة اللبنانية خلافا لمجرد الاغارة عليها أو عقابها؟ لا يمكنها ذلك حتى من ناحية مصلحة النظام الحاكم وقدرته على الصمود وحده بعدها أمام الشروط الأميركية الاسرائيلية.
من هنا فالحرب القادمة على لبنان هي حرب على لبنان وسورية. ولا يجوز أن يُستفرَد فيها بأحد. انها حرب شاملة وهذا ميزان ردع وتوازن رعب جديد، سيتضح خلال فترة قصيرة بالتجربة ما الممنوع وما المسموح به في ظله: من امكانية الانتقام لعماد مغنية (في ظل توازن الرعب الجديد) واحتمال فرض الأعمال الانتقامية هل هو امكانية يتيحها التوازن الجديد؟ وحتى آخر تفصيل. وطبعا ستستمر أيضا محاولات اغتيال ضد قادة المقاومة. وستستمر اسرائيل في فعل كل ما يتاح في هذا التوازن الجديد.
التعليقات
nero
nero -مع النظام العالمى غالبا لا احد يعرف من مع من و من ضد من الا بالقانون مثال بنازير بوتو يرى بعض انها مخلصه يرى النظام العالمى كما شاهدت ها فى التليفزيون و انا فى الاقصر بالصدفه سيده تهز مولود و كان هذا نظام رساله من النظام العالمى انها تهز فى باكستان من هنا قتلت او النظام بالبرمجه تخلص منها او من كما تردد اليسا دلعها على النظام الحاكم هناك يرى النظام العالمى انها تضغط على باكستان من هنا لا احد بسهوله يستطيع تخوين احد قد يكون اسير فى بلاده و كبير فى نظر كثير و من حوله لا يستطيع يفرض عليهم حياه بقوانين مثل الجماعات المسلحه
nero
nero -مع النظام العالمى غالبا لا احد يعرف من مع من و من ضد من الا بالقانون مثال بنازير بوتو يرى بعض انها مخلصه يرى النظام العالمى كما شاهدت ها فى التليفزيون و انا فى الاقصر بالصدفه سيده تهز مولود و كان هذا نظام رساله من النظام العالمى انها تهز فى باكستان من هنا قتلت او النظام بالبرمجه تخلص منها او من كما تردد اليسا دلعها على النظام الحاكم هناك يرى النظام العالمى انها تضغط على باكستان من هنا لا احد بسهوله يستطيع تخوين احد قد يكون اسير فى بلاده و كبير فى نظر كثير و من حوله لا يستطيع يفرض عليهم حياه بقوانين مثل الجماعات المسلحه
nero
nero -مع النظام العالمى غالبا لا احد يعرف من مع من و من ضد من الا بالقانون مثال بنازير بوتو يرى بعض انها مخلصه يرى النظام العالمى كما شاهدت ها فى التليفزيون و انا فى الاقصر بالصدفه سيده تهز مولود و كان هذا نظام رساله من النظام العالمى انها تهز فى باكستان من هنا قتلت او النظام بالبرمجه تخلص منها او من كما تردد اليسا دلعها على النظام الحاكم هناك يرى النظام العالمى انها تضغط على باكستان من هنا لا احد بسهوله يستطيع تخوين احد قد يكون اسير فى بلاده و كبير فى نظر كثير و من حوله لا يستطيع يفرض عليهم حياه بقوانين مثل الجماعات المسلحه
nero
nero -مع النظام العالمى غالبا لا احد يعرف من مع من و من ضد من الا بالقانون مثال بنازير بوتو يرى بعض انها مخلصه يرى النظام العالمى كما شاهدت ها فى التليفزيون و انا فى الاقصر بالصدفه سيده تهز مولود و كان هذا نظام رساله من النظام العالمى انها تهز فى باكستان من هنا قتلت او النظام بالبرمجه تخلص منها او من كما تردد اليسا دلعها على النظام الحاكم هناك يرى النظام العالمى انها تضغط على باكستان من هنا لا احد بسهوله يستطيع تخوين احد قد يكون اسير فى بلاده و كبير فى نظر كثير و من حوله لا يستطيع يفرض عليهم حياه بقوانين مثل الجماعات المسلحه