جريدة الجرائد

شركاء مضاربون... في القضية ؟!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

راجح الخوري

عندما دعا الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى انشاء رابطة للجوار الاقليمي خلال حديثه في قمة سرت، همس أحد وزراء خارجية دول الخليج في أذن زميله قائلا:
"ومن يحتاج الى رابطة وقواعد في تحركه داخل الساحة العربية؟"
كان السؤال محقا تماما وخصوصا في ظل ما آلت اليه الاوضاع في الدول العربية، وفي ضوء الواقع العربي المزري الذي جعل من المنطقة مجرد ساحة او بالاحرى ملعبا لقوى الجوار، التي لا يناسبها في النهاية الدخول في روابط تحدّ من حرية تحركها.
واذا كان الامين العام يهدف من خلال اقتراحه الى تنظيم التقاطع الاقليمي فوق الساحة العربية، فان القوى الفاعلة والمتحركة اقليميا ليست في وارد الانخراط في قواعد تضعها الجامعة العربية او حتى القمة العربية، لانها، أي هذه القوى تتصرف وفق القواعد التي تفرضها مصالحها سواء في المنطقة أو على نطاق أوسع.


❒ ❒ ❒

طبعا من الواضح والمعروف ان قوى الجوار التي تهب رياحها وعواصفها فوق الساحة العربية هي: اسرائيل وايران وتركيا. وقد يكون من الضروري ان يتأمل المرء مليا في العناصر والمنطلقات، التي تطلق حركيّة هذه الدول الثلاث فوق الساحة العربية، لكي يكتشف بالتالي ان غياب الموقف العربي المتضامن والموحد والواضح هو الذي يشرّع نوافذ العرب على الرياح الاقليمية والدولية طبعا.
اسرائيل قوة فاعلة في المنطقة لانها دولة احتلال وعدوان وتوسع. فبعد 62 عاما على انشاء كيانها الغاصب في فلسطين، لم يعرف العرب كيف يتوحدون لمواجهتها سلما او حربا، بل العكس هو الصحيح، أي ان الانقسامات العربية حول قضية فلسطين وطريقة معالجتها، كانت دائما تشل القدرة العربية وتحول دون قيام رابطة تفاهم قومي عربي، يساعد على مواجهة العدو الذي مضى بعيدا في تنفيذ مخططاته التوسعية مدعوما من القوى الكبرى، التي لم يعرف العرب كيف يقرعون أبوابها وعقولها.
كل هذا معروف طبعا، لكن ما لا يصدق، او بالاحرى ما يثير الاستغراب هو الدخول الايراني ثم التركي الى المنطقة العربية من طريق القفز فوق العرب والامساك بقضية فلسطين او قرع طبولها.
ولكي تأخذ الاثارة مداها، من الضروري أن يتنبه المرء الى ان ايران اقتحمت الساحة العربية تحت شعار مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، بينما اقتحمت تركيا الساحة المذكورة تحت شعار رعاية المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل. ثم عبر رفع الصوت في وجه اسرائيل التي كانت ولا تزال الى حد ما ترتبط مع أنقرة في ما يشبه التحالف الذي ترعاه أميركا.


❒ ❒ ❒

كانت فلسطين دائما قضية العرب الاولى. وعلى امتداد نصف قرن ونيف، كانت كل الانقلابات والخلافات والاتفاقات والتفاهمات النسبية بين الدول العربية تقوم على قاعدة هذه القضية. الآن دخل الايرانيون والاتراك شركاء مضاربين في قضية "الأمة". شريك يرفع راية المقاومة والصمود والتصدي ويملك مواطئ قدم ونفوذ في لبنان عبر دعم "حزب الله"، وفي غزة عبر دعم حركة "حماس". وشريك يسعى للعب دور في رعاية المفاوضات لحل أزمة المنطقة مدعوما الى حد ما من أميركا، ومرسخا صدقيته العربية من خلال توجيه انتقادات قاسية الى القادة الاسرائيليين. كما يفعل رجب طيب أردوغان منذ اصطدامه مع شمعون بيريس في دافوس وحتى الادلاء بتصريحه الملتهب عن القدس في قمة سرت.
دخل الايرانيون والاتراك أعماق الساحة العربية عبر القضية الفلسطينية التي تشكل جوهر وجدان "الأمة" ودخولهما كان بلا استئذان طبعا، لأن الفراغ ضد الطبيعة. نعم كان هناك فراغ فجاء من يسده. ولهذا تبدو دعوة عمرو موسى الى انشاء "رابطة جوار اقليمي" وكأنها مجرد محاولة استلحاق تأخرت كثيرا، الى درجة ان اللاعبين، سلما كالاتراك، ومقاومة كالايرانيين، لن يعجبهم بالطبع الحديث عن الروابط، إذا كانت تهدف الى وضع قواعد لتحركاتهم فوق الساحة العربية السائبة!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف