جريدة الجرائد

الحب حينما يصنع الحرية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سمر المقرن

لا توجد مثقفة أو مثقف، لا يعرف الفيلسوف الإنجليزي "جون ستيوارت ميل" أحد كبار المفكرين في أواخر القرن التاسع عشر الذي كان مشروعه الأول هو تحرير المرأة، والذي لا أبالغ إذا قلت إنه هو السبب الرئيس في حرية المرأة في أوروبا، وكل ما حصل من إنجازات في القرن العشرين للمرأة هو بسبب مؤلفاته التي انتشرت بكثافة، خصوصا بعد وفاته سنة 1873م.
لكن من هي "هارييت تايلور"؟ إنها زوجته التي تزوجها بعد وفاة زوجها الأول والتي كانت مصدر الإلهام في حياة فيلسوفنا العظيم. التقى الاثنان وهما في بداية العشرينيات مع أعمارهما، وكانت (هارييت) امرأة مستنيرة العقل، متفتحة المشاعر، ممتلئة بالطاقة، متشبعة ثقافة واطلاعا، بداية من كتب الفلسفة والمنطق إلى كتب السياسة والعلوم الاجتماعية، أضف إلى هذا انغماسها في العمل الميداني والنشاط الحركي من أجل حقوق المرأة، ولذلك جمعها بجون ستيوارت ميل هذه القضية المشتركة.
وضع المرأة في المجتمع الإنجليزي، وحقوقها المهدرة، والوضع السيئ لها، وبطبيعة الحال كان غضب (هارييت) أشد بكثير من غضب ميل، فراح الاثنان يعملان ويطالبان بحقوق المرأة الاجتماعية والسياسية حتى انتصرا انتصارا ساحقا وأممياً على صعيد جمع النتائج المستفادة من لقائهما.
من كتابات هارييت في ذلك مقال لها اسمه "تحرير المرأة" نادت فيه بالسماح بكل الفرص أمام المرأة للعمل على قدم المساواة مع الرجل، وأوضحت فيه فكرتها حول موضوع الأجور، فالمجتمع كان يخاف من مضاعفة عدد العمال لأنه سيهبط بالأجور إلى النصف، فأوضحت أن عمل المرأة يضاعف كذلك دخل الأسرة إذا عمل الزوجان معاً، كما أنه يرفع المرأة من درجة كونها مجرد خادمة في البيت فتصبح شريكة في الأسرة.
هذه المرأة العظيمة هي التي كانت تقف إلى جوار الرجل العظيم جون ستيوارت ميل، وكانت فعلاً مصدر إلهامه، فضلا عن حبه، حتى أن البعض كان يتهمه أن مؤلفاته التي صنعت التاريخ وغيرت حال المرأة في كل أوروبا والتي نادى فيها بنظرية "المرأة الند" في مقابل المرأة الخادمة، والمرأة العبدة التي لا يمكن أن تحقق السعادة لا لنفسها ولا للرجل، والذي تغيرت قوانين بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بسببه، لم يكن سوى صدى القول إن هارييت تايلور كان يريد إرضاءها والحصول على إعجابها ومحبتها، غير أن هذا الكلام غير صحيح إطلاقا، وتجن ما بعده تجن، فأهم كتب جون ستيوارت ميل هما "الحرية" و "استعباد النساء"، أما الأول فقد ألفه بعد وفاة زوجته هارييت في عام 1858م، وأما "استعباد النساء" فألفه بعد الأول بإحدى عشرة سنة، وذلك في سنة 1869م، فكيف يحاول إثارة إعجاب امرأة ميتة؟
مشروع جون ستيوارت ميل كان مشروعاً صادقاً مخلصاً لقضية آمن بها من كل قلبه، وإن كنت أعتقد أن لقاءه بهارييت تايلور وشرحها له معاناة النساء بكثير من التفاصيل التي ربما غابت، والمشاعر الصادقة لامرأة مثقفة مناضلة تعرف أكثر منه معاناة النساء، لقاؤه بها هو ما أكمل مشروعه النهضوي الكبير.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف