العلمانية في الغرب تشنق نفسها بحبل حرياتها
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
خالد الحروب
في قضية استفزت شرائح واسعة من الرأي العام البريطاني قضت محكمة بعدم السماح لممرضة بارتداء صليب يتدلى من عنقها بمسوغ السلامة العامة وعدم ملاءمة ذلك لطبيعة عملها بخاصة أن السلسلة التي يتدلى منها الصليب طويلة. وفي الوقت نفسه تم السماح للممرضات المسلمات بعدم الالتزام بتعليمات أخرى تنص على ضرورة طي الأكمام إلى الكوع عند تطبيق بعض الإجراءات الطبية، وهي التعليمات التي تهدف أيضاً إلى ضمان السلامة العامة والتعقيم وسوى ذلك. "الإستثناء الإسلامي" في هذه الحالة يقوم في شكل واضح على خشية السلطات الصحية من إثارة غضب جزء من الجاليات المسلمة إذا أصرت السلطات على تطبيق التعليمات بكشف نصف الساعد. وهذه الحساسية البادية إزاء المسلمين ليست حصراً على القطاع الصحي، بل نرى مثيلاتها في الكثير من المجالات الأخرى. قبل فترة أثار بعض موظفي المتاجر الكبرى الذين يعملون على مخارج البيع وحيث يتم تمرير المشتريات على الشرائط المتحركة ووضعها في أكياس المشترين "قضية" أخرى، تمثلت في رفضهم حمل زجاجات الكحول ووضعها في أكياس المشترين، لأن ذلك يتناقض مع قناعاتهم الدينية. وهناك قائمة طويلة بقضايا وإشكالات تقوم على منطق "الاستثناء الإسلامي" الذي نرفضه في كتاباتنا الأكاديمية ونعتبره استشراقاً مقيتاً، لكن يتشبث به المسلمون ويبنون به وعليه مطالباتهم القوانين الغربية باستثنائهم من هذا القانون أو ذاك. وفوق هذا وقبله كله تابعنا جميعاً، وما زلنا، مسألة المطالبة بتطبيق الشريعة في أوساط الجاليات المسلمة في بريطانيا في بعض المسائل الاجتماعية كالطلاق والزواج المتعدد وغيره.
النموذج البريطاني مشهور بتبنيه التعددية الثقافية التي تتعايش مع تعبيرات الجاليات الإثنية والدينية عن الثقافات والأديان المخلتفة داخل المجتمع، بل وتدعم ذلك التعبير وتعززه وتحتفي به. وهو نموذج يختلف عن الفرنسي المعروف بإصراره على دمج تلك الجاليات في الثقافة السائدة ومطالبتها بالإقرار بالتوافقات الأساسية والعريضة لتلك الثقافة. النموذج البريطاني بتعدديته الثقافية وتنوع درجاته هو الأكثر شهرة وتطبيقاً في أوروبا والولايات المتحدة. وجذره الفكري الأساسي يعود إلى الأساس العلماني الذي قامت عليه المجتمعات الغربية والذي ينظر الى الدين والثقافة والتقاليد باعتبارها من الخصوصيات الفردية التي يجب أن يتمتع الفرد بحرية ممارساتها في الحيز الخاص. ولا تقدم لنا التجربة العلمانية في تعاملها مع الدين نموذجاً واحداً مكتمل المعالم وناجز الممارسة وقابلاً للنسخ بغض النظر عن ظروف تشكله. فثمة نماذج متعددة ومقاربات تختلف في درجة تسامحها أو توترها حيال الدين بخاصة عندما يقوى عوده في المجتمع ويتجاوز نطاق تأثيراته المجال الخاص ليبدأ بفرض هيمنته على الفضاء العام.
خصوم العلمانية من المتدينين يرونها تهديداً للدين وقيداً على انتشاره من الخاص إلى العام. وعملياً وتاريخياً قدمت العلمانية الحل الأكثر نجاعة لمسألة موقع الأديان والمعتقدات في المجتمع ووفرت لها حرية وفضاء تعايش جماعي لم تتمتع به الأديان في أي وقت من الأوقات. أي يجب أن يُرى دور العلمانية بكونها أتاحت حرية الأديان، وليس بكونها قيدت الأديان. العلمانية كسرت احتكار دين معين، وشجعت تعددية الأديان، لكن ذلك كله في نطاق الفضاء الخاص. فمن ناحية تاريخية وسواء في الشرق أو الغرب كان يحظى الدين المسيطر، أي دين الدولة أو الأمبرطورية أو الإمارة، بكامل الحرية فيما تتراجع كل الاديان والعقائد الأخرى ويُنظر اليها بكونها هرطقة وغير مُعترف بها. بل تشير التجربة التاريخية إلى أنه في معظم، إن لم يكن في كل حالات الدول والأمبراطوريات التي تبنت ديناً رسمياً كانت هناك سيطرة لمذهب معين في ذلك الدين على حساب بقية المذاهب. وفي أقصى حالات التسامح مع بقية الأديان والمذاهب فإننا لم نر أي حالة يقترب فيها وضع الدين الرسمي من بقية الأديان من ناحية حرية الممارسة وشرعيتها. بل إن فكرة التسامح نفسها في هذا السياق تنطلق من افتراض أولي بوجود ما هو أساسي وما هو هامشي، وأن الأساسي يتفضل بالتسامح على الهامشي، وهذا في حد ذاته يفرض تراتبية صارمة وأفضلية شبه عنصرية. وعلى خلاف فكرة التسامح هذه، فإن العلمانية تقدم فكرة التعايش بين الأديان والتي تفترض مواقع متساوية لها وتنزع أية تراتبيات أو أفضليات، ولا يكون هناك "دين رسمي" للدولة أو المجتمع حتى لو وجدت الرموز والطقوس التي تحوم حول النظام السياسي (وحتى لو كانت ملكة بريطانيا مثلاً هي من الناحية الرسمية واللفظية رئيسة الكنيسة الأنغليكانية).
لكن التناقض الذي تنطوي عليه العلمانية والديموقراطية الليبرالية معها يكمن في أن إعلاءها قيمة الحرية، فردياً وجماعياً، يشكل كعب أخيلها الأكثر خطراً عليها. ففضاء الحرية المُتسع الذي تتيحه (وليس المكتمل لكنه الأفضل مقارنة بغيره) تنمو فيه كل الظواهر والاتجاهات بما فيها تلك التي تعادي جوهر العلمانية والليبرالية وتُطالب بشطبهما. ويشتغل في قلبها كما نرى الآن في أكثر من حالة غربية ديالكتيك الشيء ونقيضه، حيث يتسابق سعار اليمين المسيحي مع سعار اليمين الإسلاموي في إعلان الحرب على الشكل العلماني الليبرالي الذي أتاح للطرفين حرية العمل والحشد. وربما يمكن القول إن فرادة المشروع العلماني الليبرالي من ناحية تاريخ الفكر العالمي تكمن بأنه المشروع شبه الوحيد، إن لم يكن الوحيد، الذي يوفر لأعدائه حرية إعلان وممارسة الحرب ضده وضمن سياقات قانونية يقرها هو ذاته ويدافع عنها. والشيء المثير والذي يدعو الى الرثاء دوماً هو المفارقة التي تجمع خشونة وقسوة الايديولوجيات الدينية وقدرتها الهائلة على الحشد والتعبئة، مع الحيرة والتردد والهشاشة لدى الجانب العلماني الليبرالي. فالعلمانية وابنتها الديموقراطية الليبرالية، وفي تعاملهما مع الدين وتعبيراته وتطرفاته، لا تملك الحمولة الأيديولوجية القادرة على إيقاف زحف الدين. هناك بطبيعة الحال حالات علمانية مؤدلجة وذات طبيعة استئصالية تبنتها دول بوليسية، لكن هذه الحالات تخرج عن سياق النقاش هنا الذي يركز على النموذج العلماني المُعبر عنه بالديموقراطية الليبرالية والتي يتمتع فيها خصومها بالحرية الكاملة.
على ذلك تتطور إشكالية بالغة التعقيد والصعوبة تتمثل في أن العلمانية بصيغتها الليبرالية تلك وبانتصارها الدائم للحرية تصبح وكأنها غير آبهة بأن يمتد حبل أعدائها ويطول إلى أن يلتف حول عنقها ويشنقها فعلا. ما نراه في أوروبا الغربية من سعار ديني متزايد ناتج من الخوف المتبادل بين الإسلام والمسيحية بدأ يأخذ طريقه ليحتل قلب الفضاء الذي كانت الممارسة العلمانية الليبرالية تحتله. تعبيرات ذلك السعار تتمثل في النجاحات المتزايدة التي تحققها أحزاب اليمين المتطرف، من فرنسا إلى هولندا وصولاً إلى بلغاريا وغيرها. وتتمثل أيضاً في النجاحات المتزايدة التي تحققها حركات الإسلام السياسي في السيطرة على الجاليات المسلمة وخطابها وتعبيراتها. اليمين المسيحي المتطرف يرى في العلمانية الليبرالية النظام المُتساهل والاسترخائي الذي سمح للمسلمين في أوروبا بحرية العمل والتنظيم وتعامل بلا مبالاة مع اتساع نطاق تأثير الجماعات المتطرفة. واليمين الإسلاموي المتطرف يرى في العلمانية الليبرالية (والغرب كله) عدواً أزلياً لا طريقة للتعامل معه سوى تكفيره والحرب ضده. كل الأطراف التي تحارب العلمانية الليبرالية لا تطرح بديلاً عنها سوى التطرف الديني أو الإثنوي أو الارتداد إلى كل انواع العصبيات التي لا تقدم أية صيغة حقيقية للتعايش بين المجموعات البشرية تقوم على المساواة. أقصى ما يمكن أن يتم تقديمه هنا أو هناك هو "التمنّن" على أصحاب الأديان الأخرى بمساحة ما، وهي مساحة حدودها غامضة، تضيق وتتسع بحسب القوة المسيطرة، وهي في العادة تواصل ضيقها ويقل اتساعها.
التعليقات
................
saleh -عجيب أن يصدر هذا الكلام عن رجل كنا نظن أنه مازال يحمل بقية من احترام لدينه ومعتقده الإسلامي. التسامح مع الآخر لا يعني النزول إلى الحضيض هل العلمانية التي تتبناها مستر خالد تعلمك أن اختلافك مع الآخر يعني نعته بعبارات سوقية ومبتذلة. لا أدري ماذا تقصد باليمين الإسلاموي و اليمين المسيحي. لماذا لا تسمي الاشياء باسمها وتتخدث مباشرة عن الفرق الضالة التي لا تعترف حتى بالمسلم. لماذا تتوارى خلف هذه التقسيمات التي عفا عليها الزمن؟؟؟؟؟؟؟من شروطكم عدم مهاجمة الأديان فلم مهاجمة التوحيد. إذا كنتم لا تعترفون بأن الإسلام الذي هو دين إبراهيم والأنبياء جميعاً هو الدين الحق فلم لا تعلنوا براءتكم من الإسلام نفسه وتعترفوا بأنكم تساوون بين التثليث و التوحيد؟؟؟؟
جاهل
سعد -يبدوا انك لم تفهم ما رمى اليه الكاتب المتألق خالد الحروب فما قصده الكاتب اكبر من انك تفهمه طالما انك واقع تحت تأثير المنظار الايدلوجي المتخلف .
تعليق
عصام -يا جبل ما يهزك الريح ,المسيحيه قويه وثابته بالرب يسوع المسيح ولن تتأثر بالعلمانيه ولا يالأحاد ولا غيرها من الهرطقات وذلك باسم الآب والأبن والروح القدس وهذا التثليث يمثل صفات الله سبحانه وتعالى
الواقع
اسعد -كالعاده الهجوم على الكاتب , وبالنسبه للتعليق 1 : هل يوجد شىء اسمه مسلم-فرقه ضاله ؟
العلمانية افضل حل.
محمد -أستاذ خالد الحروب تقبل تحياتي يزداد اعجابي بتفكيرك وماتكتبه يوما بعد يوما، مقال مميز واصاب كبد الحقيقة انما هذا هو قدر العلمانية والليبرالية الديمقراطية تسمح للجميع بعرض افكارهم بمن فييهم من يرفضونها وفي ذات الوقت يعملون وينشرون افكارهم من خلالها...وسيأتي يوم تحكم فيه العلمانية جميع بلدان العالم بمن فيها تلك الأكثر تطرفا وتخلفا على وجه البسيطة !
نعم هناك فرق ضالة
saleh -اليست الفرق التي تكفر المسلم لاختلاف في الري فرقة ضالة؟ المشكلة هي أن الليبرالية لم تحل مكشلة الدين بل زادتها تعقيداً. لايمكن أن نقارن بين دين أنزله الله وحياً من عنده وتخرصات كتبها البعض بعد أجيال وفيها من التناقض ما يعرفه كل من قرا تلك الكتب؟هذا لا يعني بحال غمط الناس حقوقهم ولا مجال لإنكار ما يمكن أن يساهموا يه في حياة مجتمعهم.
تمنيات ياريت لو تتحق
ليبرالي -العنوان اختصر كل المقالة. ولكن انا بدوري اضيف هذا السؤال و هو هل العلمانية تشنق نفسها ام الماسونية تستعمل الحبل الإسلامي لخنقها/ اذا الأوروبيين بقوا سادريبن في غيهم و طوباويتهم بمنح الحرية لأعداءهم و تشجيعهم على الإستقرار في بلدانهم فلن يمر وقت طويل و سيكون السيف الإسلامي مسلطا على رقبتهم ، المسلمون لم يصلوا بعد الى القوة التي يستطيعون فيها فرض شريعتهم على الغرب و هم من اكثر المجتمعات تخلفا و بالرغم من انهم لم يقدموا شيء يفيد البشرية مع هذا تجد البعض من المعصوبي العين و العقل يتباهى بدينه و يعتبرهم الأوروبيين الذين هم اساس كل التطور البشري فرقة ضالة والإسلام هو دين الحق؟السؤال الذي أطرحه على saleh l ماذا استفاد العالم من المسلمون غيرالأذية للبشرية؟ انا اقول ياريت لو طبق تقسيم العالم الى فسطاطين الذي نادى به ابن تيمية على الأرض بحيث يعيش المسلمين معزولين في فسطاط و بقيةالناس من الأديان الأخرى (الكفار!!)في فسطاط آخر و يا حبذا لو يفصل بينهم وادي عميق من النار بحيث لا احد يستطيعان يعبر الى الناحية الأخرى و وعندها سنرى كيف سيعيش المسلمون و اذا كان سيفيدهم دين الحق ام لا؟ أرجو من ايلاف النشر للرد على ترهات التي يكتبها بعض المعلقين مثل تعليق رقم واحد