جريدة الجرائد

"أبو مازن" يعرف نتنياهو جيداً

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

خيرالله خيرالله

كان الرئيس الفلسطيني السيد محمود عبّاس محقاً عندما رفض رفضاً قاطعاً العرض الاسرائيلي القاضي بإقامة دولة فلسطينية ذات حدود موقتة. في اساس المشكلة حدود الدولة الفلسطينية. هل هناك حدود واضحة لهذه الدولة تستند الى مرجعية محددة هي قرارات الشرعية الدولية ام لا؟ بخلاف ذلك، لا استعداد فلسطينياً للتفاوض مع اسرائيل في غياب المرجعية الواضحة. لا استعداد فلسطينياً للدخول في لعبة رئيس الوزراء الاسرائيلي بيبي نتنياهو القائمة على التفاوض من اجل التفاوض. يعرف "ابو مازن" بيبي جيدا. بالنسبة الى الجانب الفلسطيني، يتبين كلّ يوم ان نتنياهو امين للمبادئ التي تقوم على الفكرة القائلة ان الوقت يعمل لمصلحة الاحتلال وان قبول اسرائيل بأي حل وسط سيعود عليها بالكوارث. باختصار شديد، انه سياسي يؤمن بالحروب والعدوانية ويرفض ان يأخذ في الاعتبار ان منطق التاريخ يحتم على اسرائيل الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني "غير القابلة للتصرف" حسب تعبير احد القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
المشكلة ليست في بيبي وحده. المشكلة ان الاسرائيليين جربوه في الماضي واذا بهم يعيدونه الى رئاسة الحكومة في العام 2009، علما بأن الطفل الصغير يعرف ان نتانياهو لا يستطيع الاقدام على اي خطوة في اتجاه السلام، بل يعتبر السلام عدوا لأسرائيل. في استطاعة كل من يحتاج الى دليل على ذلك، العودة الى ما كان يقوله رئيس الوزراء الاسرائيلي في اثناء انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في اواخر تشرين الاول- اكتوبر ومطلع تشرين الثاني- من العام 1991. وقتذاك، كان بيبي ناطقا باسم الوفد الاسرائيلي المشارك في المؤتمر برئاسة رئيس الوزراء اسحق شامير، زعيم تكتل ليكود واحد عتاة اليمين الاسرائيلي المتطرف الذي يؤمن بالعنف ويبرر ممارسة الارهاب في حق الشعب الفلسطيني. كان شامير يفتخر بانتمائه الى عصابة ارهابية نفذّت تفجيرات واغتيالات في مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين.
لم يكن لدى نتنياهو ما يقوله في مدريد باستثناء الكلام العام الذي يمثل في الواقع ترجمة لسياسة معينة رسمها شامير الذي جرته ادارة بوش الاب الى مؤتمر مدريد جرّا. عمليا، اخذ بوش الاب ووزير خارجيته جيمس بيكر رئيس الوزراء الاسرائيلي الى مؤتمر مدريد من اذنه بعدما مارسا عليه ضغوطا شديدة. ردّ شامير على الضغوط الاميركية بقوله انه "سيفاوض من اجل التفاوض طوال عشر سنوات". كان يريد كسب الوقت في انتظار التخلص من الادارة الاميركية القائمة وصولاً الى مرحلة لن يكون فيها من يطرح عليه من واشنطن اي سؤال في شأن الاحتلال. كان يؤمن بأن الوقت يعمل لمصلحة اسرائيل وانه سيسمح له بخلق وقائع جديدة على الارض ستفرض نفسها على الفلسطينيين والعرب.
تبدو سياسة نتنياهو في السنة 2010 امتدادا لسياسة شامير في العام 1991. لم يتغير شيء في الرجل. يمكن القول انه ازداد تطرفا في ضوء التحولات التي يشهدها المجتمع الاسرائيلي من جهة والتمسك بنظرية ارييل شارون المرتكزة على "عدم وجود شريك فلسطيني" من جهة اخرى. يبدو نتنياهو اسوأ من شامير وشارون معا لأسباب مرتبطة بتشكيلة الحكومة الاسرائيلية الحالية وشخصية بيبي نفسه. قبل ايام، كتب مسؤول اميركي سابق مقالاً عن عملية السلام. مما قاله هذا المسؤول انه كان مع الرئيس بيل كلينتون بعد لقاء بينه وبين نتانياهو الذي تولى رئاسة الحكومة بين 1996 و1998. بعد اللقاء، بدا الحنق على الرئيس الاميركي الى درجة انه قال بالحرف الواحد "باسم اي قوة عظمى (...) يتحدث اليّ هذا الرجل". والنقاط الثلاث التي بين قوسين هي لشتيمة لاسرائيل وجهها كلينتون لدى وصفه للدولة التي كان يتحدث نتنياهو باسمها امام رئيس القوة العظمى الوحيدة في العالم!
يحلق نتنياهو بجناحي حزب "اسرائيل بيتنا" الذي يتزعمه وزير الخارجية افيغدور ليبرمان وحزب "شاس" الديني الذي يعتبر نفسه معنيا بالاستيطان بشكل مباشر، خصوصا في القدس. ليس في وارد "اسرائيل بيتنا" التخلي عن الاراضي المحتلة، على رأسها الضفة الغربية، وليس في وارد "شاس" التخلي عن الاستيطان... وليس في وارد نتنياهو نفسه التخلي عن حليفيه لمصلحة تشكيل حكومة مختلفة تضم احزاب ليكود وكاديما (الحزب الذي لديه اكبر عدد من المقاعد في الكنيست) والعمل. والاحزاب الثلاثة تستطيع الاعتماد على اكثرية مريحة في الكنيست تصل الى ثمانية وستين نائبا من اصل مئة وعشرين، لكن مثل هذه الاكثرية ستحرم بيبي من حرية ممارسة سياسته المتطرفة القائمة على كسب الوقت من اجل تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وتهجير اكبر عدد من الفلسطينيين من ارضهم التاريخية، ارض الاباء والاجداد واجداد الاجداد.
من هذا المنطلق، تبدو الادارة الاميركية الحالية وكأنها تضيع وقتها. لا امل في اقدام نتنياهو على خطوة تصب في مصلحة السلام ومصلحة تسوية معقولة ومقبولة توفر الحد الادنى من مطالب الشعب الفلسطيني من دون رئيس اميركي على استعداد لأن يفرض حلاً وان يسمي الاشياء بأسمائها. هل في وارد باراك اوباما الاقدام على مثل هذه الخطوة، ام عليه في مرحلة معينة الاعتراف بأن حل الدولتين تجاوزه الزمن. عاجلاً ام آجلاً، سيكون على الادارة الاميركية الاقدام على خيارات معينة وواضحة. هل هي قادرة على التزام وعودها للجانب الفلسطيني في مقدمها ان الدولة الفلسطينية المستقلة "مصلحة استراتيجية" للولايات المتحدة، ام تخضع لنتنياهو وحكومته؟ ما هو مطروح يتجاوز فلسطين نظرا الى ان الخضوع للحكومة الاسرائيلية الحالية يعني السير خلفها في مغامرات معروف كيف تبدأ وليس معروفا كيف يمكن انت تنتهي والى اين يمكن ان تؤدي بالشرق الاوسط. هل يترك مصير المنطقة لحكومة لا تؤمن سوى بالتطرف وبالحلف غير المعلن بين اليمين الاسرائيلي وكل من يرفض فكرة التسوية في المنطقة من عرب وغير عرب؟

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف