جريدة الجرائد

ليبراليون أم مستنيرون؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد حسين اليوسفي

منذ عقدين تقريباً، شاع بيننا مصطلح الليبرالية، حيث بات الكثيرون يَتسَمُّون بهذا المسمى ويتخذونه لقباً، القلة القليلة بوعي وعلم مسبق، والكثرة الكثيرة بشكل تلقائي وبدون سابق معرفة.

أما القلة، فتعرف هذا المصطلح ودلالاته ومضامينه الفلسفية والسياسية والاقتصادية، وربما عرفت شيئاً من تاريخه ورواده ومؤسسيه، وإلى أين استقر به المقام حالياً في مجرى تطوره الطويل بين النظرية والتطبيق. أما الغالبية التي باتوا يتسمون باسمه فقطعاً هم يحسبون أن الليبرالية صنو للاستنارة، ويعتبرون أنفسهم مستنيرين، وبالتالي فهم ليبراليون.

وقد يكون هؤلاء في واقع الأمر بعيدون عن الليبرالية وطروحاتها بعد السماء عن الأرض، وأرادوا استبدال مسمى "التقدمية" بآخر ؟ حسب الموضة ؟ لأن التقدمية كانت تشير إلى المنتمين للتيارات القومية والاشتراكية والشيوعية، التي أفل نجمها وهم يريدون نعتاً يساير الزمن.

بل أنك واجد إسلاميين وقد أطلق عليهم هذا النعت، أو هم ربما أطلقوه على أنفسهم عمداً، دلالة لاستنارة آرائهم واعتدالها في مقابل أولئك الأصوليين الذين يحرمون كل شيء، والذين يأخذون بحرفية النصوص دون الاعتداد بأحوال الزمان وتغيرها!

وكانت الليبرالية إلى فترات قريبة، في أواسط القرن الماضي إلى قرب نهاياته، أقصد في أيام المد القومي وشيوع الفكر الاشتراكي تسمية منفرة يأنفها الكثيرون لأنها مرتبطة بالنظام الغربي الذي عانى منه العرب الأمرين في فترة الاستعمار، وما تلاه من تمزيق للأمة العربية، ومن بذر الدولة الصهيونية في وسطها، ثم في مساعدة تلك الدولة الغاصبة في السراء والضراء أمام شعب أعزل لم تكن له جريرة في المأساة التي لا زال يعيشها.

ولعل ما أفقد الليبرالية ؟ على الأقل ؟ في بعدها الاقتصادي في الوطن العربي هو أن "الدولة" العربية الوطنية فيما بعد الاستقلال، كان لها حضور بارز (ولا زال إلى حد كبير) في العملية الاقتصادية، سواء جنحت تلك الدولة إلى الأنموذج الاشتراكي ثم بدلته إلى سياسة الانفتاح، أو انطلقت كدولة "رأسمالية" في المقام الأول، تحترم الملكية الفردية وترعى القطاع الخاص.

وهذا الإرث التاريخي ؟ إن جاز التعبير ؟ نجده يبرز منذ أن كثر الحديث عن الخصخصة في هذا البلد أو ذاك، ليكون أحد العوامل التي تكبح جماح هذه العملية وتسيرها في قنوات بحيث تراعي الاعتبارات الاجتماعية كمصير العمالة وحقوقها.

ومن غرائب الصدف أن الليبرالية في عقر دارها ؟ أقصد في الدول الغربية والولايات المتحدة ؟ في تلك الفترة، وهي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، هي ذاتها "تخلت" عن مبدأ هام من مبادئها، تحت وطأة الكساد العالمي في الثلاثينات، ونمو الحركة العمالية والنجاحات التي أخذ المعسكر المنافس يحققه، وأقصد بهذا المبدأ، دور الدولة وعدم تدخلها في العملية الاقتصادية.

فهذا المبدأ العزيز على قلوب "أقحاح" الليبراليين أخذت الدول الغربية تتخلى عنه لتخلق ما سمي "بدولة الرفاه" التي تعني تحمل الدولة لمسؤوليات اجتماعية معينة مثل توفير الخدمات الأساسية بشكل مجاني أو شبه مجاني لمواطنيها. ولا زال الصراع حول تلك الخدمات مستمراً، وكان آخرها إقرار الضمان الصحي لكل الأميركيين.

ويحس المرء مما يسطره الكتاب الليبراليون العرب خلطهم بين التحرر الفكري الذي كان جزءا منه نتاجاً لتطور الفكر الليبرالي، وبين الحرية الاقتصادية التي أنتجت النظام الرأسمالي والتي كان عمادها المشروع الفردي. بمعنى آخر، تلازم التطور الفكري والتحرر الاجتماعي مع التطور الاقتصادي عبر المشرع الحر الناتج عن المبادرات الفردية. ومضمون الكلام واضح عند إسقاطه على الواقع العربي.

والحق، أن هذا التلازم لم يكن تاريخياً قائماً بالضرورة، بل ربما معاكساً. ففجر الرأسمالية الذي بزغ في القرن الخامس عشر بدأ بالكشوفات الجغرافية، وهذه كانت "مشاريع دولة" رعتها كبريات الدول الأوروبية، وكانت إيذاناً بتأسيس "شركات قطاع عام" ذات أهداف استعمارية كشركة "الهند الشرقية".

وكان ذلك عصر "المركنتالية" أو الرأسمالية التجارية. ثم كان الاستعمار (نشاط دولة) وهو ما فتح المجال واسعاً أمام رجال الأعمال للحصول على مواد أولية رخيصة وأسواق مضمونة لتصريف بضائعهم. وترافقت مع تلك العملية، البعيدة كل البعد عن الإنسانية والحرية، عمليات الاتجار بالعبيد ونقلهم إلى القارة الأميركية..ألخ.

وكانت الحربان العالميتان في القرن الماضي بسبب رغبة "ألمانيا" في أن يكون لها حصة شأنها شأن الدول "الليبرالية" التي كانت تتقاسم العالم وإحداها كانت لا تغيب عنها الشمس!

أما على صعيد الفكر فإن تطور الحرية في أوروبا جاء نتيجة صراع اجتماعي واقتصادي طويل، ساهم فيه مفكرون كثيرون من اتجاهات مختلفة وعلى رأسهم "اليوتوبيون" الحالمون بمجتمع خال من الشرور ترفرف عليه العدالة.

أما الليبراليون وعلى رأسهم جون لوك (أبو الديمقراطية الحديثة) فكان مدافعاً عن الطبقة الصاعدة ومنظراً لها، حيث اعتبر أن المُلكية الفردية حقاً من الحقوق الطبيعية، في حين كان تركيز آدم سميث وديفيد ريكاردو على النواحي الاقتصادية وبالأخص ترك الأفراد ليعملوا بحرية، ليكون نتاج عملهم خيراً عاماً، وكف يد الدولة عن كل شأن اقتصادي.

ومن الطريف، أن دعاة الحرية في العالم الغربي، بمجملهم، إما كانوا مشجعين للاستعمار، أو ساكتين عنه، والقلة منهم من انتقدها انطلاقاً من مبادئ الحرية، التي هي مبادئ كلية تشمل جميع البشر. أظن أن من الأفضل لليبراليين العرب، الذين يقصدون بالانضواء تحت هذه التسمية أنهم من المستنيرين أن يسموا الأشياء بأسمائها ويقولوا بصوت عال: نحن من المستنيرين، ولسنا من الليبراليين!


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف