«أنا» الفنان العربي في أجهزة الإعلام: صادقة أم كاذبة؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
لندن - عبدالغني طليس
هل يمكن أن يكون هناك ما هو أكبر من "الأنا" عند الفنان؟ فإذا كانت "الأنا" عند أي إنسان تحتل حيِّزاً واسعاً جداً من تفكيره ومواقفه وتصرفاته، فكيف بها عند الفنان الذي يكاد يرى الكون كله من خلال نفسه؟.
سؤال كبير من أدقّ الأسئلة التي يمكن أن تُطرح ينساه الاعلاميون في البرامج الحوارية الفنية، واذا مروا عليه فإنهم يمرون مرور الكرام العاجل الذي لا يقول شيئاً حقيقياً... في وقت يتسلون في غالبيتهم بـ "الخبريات" والاشاعات و "النكايات" والمواضيع الخفيفة التي لا تُغني فقراً ولا تُسمِّن دجاجة ولا تعطي سائلاً أو مسكيناً... حبة مُسكِّن!
إنّ أخطر ما نستطيع تحريكه، إذا استطعنا، هو "الأنا" في أي فنان. "الأنا" على طلاقتها وحيويتها وصدقها...
أما "الأنا" الكاذبة فهي مثل كل شيء كاذب بلا معنى. والفنان العارف عندما يجد نفسه في حوار جدي عميق، ودقيق، ومفتوح على السجية، يغرق أو "يستسلم" بحب من دون أن يدري، ولكن بشرط أساس هو قدرة المحاور الذي يستضيفه على خلق مناخ من الأخذ والردّ، والاستدراج والمقاومة، الكرّ والفرّ خلال الحديث بدلاً من الاكتفاء بكلمة من هنا وتعبير من هناك وتعليق من هنالك.
إضافة إلى ميزة مطلوبة بإلحاح هي تحلي المحاور بثقافة الحوار الوجداني الإنساني المتتابع، أي المتواصل الذي ينطلق من نقطة محددة ثم يروح يحفر فيها ويحفر ويحفر بسلاسة ولياقة ولباقة ومن دون "حرتقات" وضياع في العموميات أو الخصوصيات "الحميمة"، بل بانتماء أكبر إلى المعرفة... الى البوح... الى جعل الفنان يرسم بيده لوحة صادقة لنفسه في عيون الناس... قد تكون إشكالية وقد لا تكون... لكن هذا النوع من القدرات الحوارية مطلوب وهناك من يعمّق... غيابه من خلال الإنتاج.
ليس مبالغة القول، إن الجمهور كاد "يفيض به" على ما يقول المصريون من برامج Talk Show التي تنتشر كالفطر وتبالغ وسائل الإعلام كافة في استعراضها والتركيز الإعلاني عليها، نظراً الى ما فيها من المبالغات التفخيميّة التي لا تستحق فخامة، أو المزايدات التضخيمية التي لا "تحرز" للتضخيم، فضلاً عن وقوعها في الروتين والتكرار حتى وهي في عزّ ظنها أنها متجددة ومطلوبة في "السوق".
لا يزال الفنانون مادة دسمة للمشاهدين. لا يزالون أيضاً مادة دسمة للإعلام. المشاهدون والإعلام معاً في الأغلب الأعم يتابعون أخبار الفنانين، كما يتابع محبُّو كرة القدم مباراة بين فريقين. لكن إذا بقيت المباراة خالية من التشويق ومن الحرفية - المهنية العالية تغدو ... حفلة روتينية أو تصبح حلبة ملاكمة.
وهذا هو الفارق بين مباراة وأخرى، أي بين برنامج تلفزيوني وآخر. فهناك برنامج يكتفي بالأسئلة التقليدية وبالأجوبة المعروفة والمشاحنات التافهة المحفوظة عن ظهر قلب. وهناك برنامج يسعى الى ما وراء الأشياء، الى الأفكار التي تحرِّك الإنسان في الفنان، الى النواحي المعتّمة التي تشكِّل الإضاءة عليها إنجازاً ما دامت النواحي المضاءة أصلاً باتت ... أرضاً محروقة. وبين هذين النوعين من البرامج، ينحاز المشاهد فوراً إلى النوع الثاني لأنه الأجمل والأكمل...
ليست برامج الحوار مع الفنانين أسهل من أي برامج كما تعتقد إدارات أغلب المحطات التلفزيونية التي تعتمد قاعدة "هات إيدك والحقني"... وكما يعتقد بعض المذيعين والمذيعات الذين يعتمدون مبدأ "كله عند العرب صابون"...
برامج الحوار مع الفنانين سيف إن لم تقطعه قطعك... ورماك حتى وأنت جالس في الإستوديو تستقبل وتحاور وتودِّع ثم تستقبل وتحاور وتودع وتنال في آخر الشهر ماهية مادية أكبر من وزنك بالشحم واللحم وثقل الدم!