في انتظار كلمة العدالة!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
احمد عبد المعطي حجازي
اليوم أكمل حديثي عن كتاب ألف ليلة وليلة الذي يطالب بعض المحامين بمصادرتهrlm;,rlm; لاحتوائه علي عبارات جنسية تدعو في نظر هؤلاء المحامين للفجورrlm;.rlm; وسأبدأ حديثي اليوم بتوضيح ماقلته في الاسبوع الماضي عن الكلمات والمشاهد والأفعال التي لا يصح أن تفهم بمعني واحدrlm;,rlm; وإنما تتعدد معانيها بتعدد المقاصد وتعدد السياقاتrlm;.rlm;
ولقد أفاض البلاغيون العرب والنقاد الغربيون في الكلام عن المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلامrlm;,rlm; ثم يحسب موضع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض كما يقول الجرجاني موضحا الفرق الجوهري بين مانفهمه من الكلمة حين تكون نكرة ومانفهمه منها حين تصير معرفةrlm;,rlm; أو بين الجملة حين يكون الفاعل فيها في مكانه المعتاد ثم حين يتأخر عن مكانه ويسبقه المفعولrlm;.rlm; ونحن نعرف الكلمة السائرة لكل مقام مقالrlm;.rlm; لكن هناك من لايريدون أن يجتهدوا في الفهم بأنفسهمrlm;,rlm; أو يفهموا عن غيرهمrlm;,rlm; أو يمتثلوا لغير مااستقر في رؤوسهمrlm;.rlm; وليذهب البلاغيون القدماء والنقاد المحدثون إلي الجحيمrlm;!rlm;
نقول لهم إن الناس مختلفونrlm;,rlm; وحاجاتهم متعددة مختلفةrlm;.rlm; يحتاجون للاجتماع والتواصل والتفاهمrlm;.rlm; ويحتاجون للانفرادrlm;.rlm; يتحفظون أحياناrlm;,rlm; ويجدونrlm;,rlm; ويتكلفون الجد والصرامةrlm;.rlm; ويتحررون أحيانا أخريrlm;,rlm; ويمزحونrlm;,rlm; ويهزلونrlm;,rlm; ويعبثونrlm;,rlm; وينتجون في الحالين تلك الثقافة التي تتعدد أشكالهاrlm;,rlm; وتختلف صورهاrlm;,rlm; لأن مايحتاجون إليه في ساعة العمل لا يحتاجون إليه وقت الراحةrlm;,rlm; ومايلتزمون به في أيام الصيام يتحررون منه يوم العيدrlm;,rlm; وهكذا تختلف الحاجاتrlm;,rlm; وتختلف المقاصد والمعانيrlm;.rlm;
نحن نحتاج في بعض الأحيان لتوضيح أمر لا نستطيع توضيحه إلا بالاشارة إلي أشياءrlm;,rlm; واستخدام أسماء لا نميل للإشارة إليها أو استخدامها في الظروف العاديةrlm;,rlm; لأن القصد والسياق يختلفانrlm;.rlm; والمعني إذن يختلفrlm;.rlm;
كلمة النكاح علي سبيل المثال تعني الزواج في سياق معين كما في الآية الكريمة وانكحوا ماطاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباعrlm;,rlm; لكنها في سياق آخر تعني الفعل الجنسي بصرف النظر عن الزواج وعدمهrlm;.rlm; وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من المفردات التي تدل علي الفعل الجنسي أو تسمي الأعضاء الجنسيةrlm;,rlm; ومنها الجماعrlm;,rlm; والوطءrlm;,rlm; والحرثrlm;,rlm; والفرجrlm;,rlm; والذكرrlm;,rlm; والباهrlm;..rlm; إلي آخرهrlm;.rlm;
وأنا أنظر في تراثنا القديم فأري أننا كنا فيه أقل تحرجا مما نحن عليه الآنrlm;,rlm; وكنا في الوقت ذاته أكثر عفة وأكثر حياءrlm;.rlm;
كنا ـوأنا أتحدث الآن عما عشته في طفولتي ـ أقرب إلي الطبيعةrlm;,rlm; وأقدر علي فهمهاrlm;.rlm; وكنا بالتالي أوسع صدراrlm;,rlm; وأكثر تسامحا وقدرة علي التمييز بين الفحش حين يكون مقصوداrlm;,rlm; فهو تهتك وانحلال نرفضه ونقاومهrlm;,rlm; وحين لا يقصد ولا يستغل وإنما هو نوع من التحرر والعبث البريء الذي يروح به الناس عن أنفسهمrlm;,rlm; وهذا ماكنا نتسامح فيه حتي يأتي الوقت الذي نشعر فيه بضرورة العودة إلي الجد والاعتدالrlm;.rlm;
والآن ساء ظننا في كل شيءrlm;,rlm; وكثر اتهامنا لكل فعلrlm;,rlm; وأصبحنا ميالين للتعميم وإصدار الأحكام بلا بينةrlm;.rlm; ولأننا في هذا المناخ الوبيل يراقب بعضنا بعضاrlm;,rlm; ويترصد كل منا للآخرين ومعه اتهاماته الجاهزةrlm;,rlm; فليس أمامنا إلا أن ننافق ونرائي ونلبس مايحجب السطح ويخفي مافي الأعماقrlm;.rlm;
بل إننا كنا حتي في عصور المماليك أوسع صدرا وأكثرتسامحا منا في هذه الأيامrlm;.rlm; وكان فقهاؤنا في تلك العصور أعلم وأقرب إلي روح الاسلام وروح مصر من فقهاء العصر الذي نعيش فيهrlm;.rlm;
قارنوا بين جلال الدين السيوطي مثلا وبين هذا البلياتشو المتكسب بمطاردة الكتاب والشعراء والفنانين وتلفيق الاتهامات لهم وتحريض الغوغاء عليهمrlm;.rlm;
جلال الدين السيوطيrlm;,rlm; الفقيه اللغوي الأديب صاحب المزهر و طبقات المفسرينrlm;,rlm; و طبقات الحفاظ وسواها من الموسوعات الجامعة والمؤلفات الرصينة ـ هذا العالم العلامة لا يجد حرجا في أن يؤلف تسع رسائل في الجنس منها الايضاح في أسرار النكاحrlm;,rlm; و الأيك في معرفةrlm;...,rlm; و شقائق الأترنج في رقائق الغنجrlm;.rlm; وهو في هذه الرسائل يحدثنا عن فوائد النكاحrlm;,rlm; ويفاضل بين البيض والسود والسمر من النساءrlm;,rlm; ويروي لنا ماقاله الشعراء والفقهاء في الجنسrlm;,rlm; ولا يتردد حتي في رواية ماتناقله المؤرخون عما كان بين معاوية بن أبي سفيان وزوجته فاختة بنت قرظةrlm;,rlm; وعما كان عبد الله بن عباس حبر الأمة وابن عم الرسول يرتجز به وهو محرمrlm;.rlm;
يقول السيوطي في شقائق الاترنج في الصفحة الثانية والثلاثين من الطبعة الثانية الصادرة عامrlm;1994rlm; عن دار المعرفة بدمشقrlm;,rlm; تحقيق عادل العاملrlm;:rlm; وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم فيrlm;(rlm; المستدركrlm;),rlm; وصححه عن أبي العاليةrlm;,rlm; قالrlm;:rlm; كنت أمشي مع ابن عباسrlm;,rlm; وهو يرتجز بالإبل ويقولrlm;:rlm;
وهن يمشين بنا هميسا
إن صدق الطير نـrlm;....rlm; ك لميسا
فقلت لهrlm;:rlm; أترفث وأنت محرم ؟ فقالrlm;:rlm; إنما الرفث ماووجهت به النساء
ونحن نفهم من هذا الخبر معنيينrlm;:rlm; الأول أن الكلام في الجنس لم يكن محرما لا عند الأدباء ولا عند الفقهاءrlm;,rlm; ولا حتي عند معاوية وابن عباسrlm;.rlm; والآخر أن الكلام الذي يعتبر؟ رفثا أي فحشا في موقف أو سياق لا يعتبر فحشا في موقف أو سياق آخرrlm;.rlm; وهذا ماحاولت توضيحه في هذا المقالrlm;,rlm; وكنت أظن أنه واضح كل الوضوحrlm;,rlm; وخاصة بالنسبة لرجال يشتغلون بالقانون ويعلمون أن القانون ليس نصا يفهم بحرفه وإنما هو روحrlm;,rlm; وأن الفعل يكون واحداrlm;,rlm; لكن الحكم عليه يختلف باختلاف الدوافع والظروفrlm;,rlm; فالقتل حين يكون دفاعا عن النفس غير القتل حين يكون نية مبيتة وحين يقوم به القاتل مع سبق الاصرار والترصدrlm;.rlm; وفي محاكمة الأعمال الأدبية التي اتهمت بتهم مماثلةrlm;,rlm; ومنها رواية أوليس للكاتب الايرلندي جيمس جويسrlm;,rlm; و عشيق الليدي تشاثرلي للكاتب البريطاني دrlm;.rlm; هـrlm;.rlm; لورنس احتكم القضاة الانجليز والأمريكيون لهذين الشرطينrlm;:rlm; القصدrlm;,rlm; والسياقrlm;.rlm; هل أراد الكاتب بالعبارات الجنسية التي استخدمها أن يشيع الفحش وأن يتكسب من ورائه ؟ وماهو رد فعلنا التلقائي ونحن نقرأ هذه العبارات ؟ هل نجدها طبيعية يفرضها السياقrlm;,rlm; أم نجدها مفتعلة ؟ وهل تساعدنا علي فهم الموقف والتعرف علي الشخصياتrlm;,rlm; أم تثير فقط شعورنا بالتقزز والاشمئزاز ؟ ولقد أدت إجابات النقاد والمحكمين علي هذه الاسئلة للحكم بتبرئة العملين من التهمة الموجهة لهما والسماح بطبعهما وعرضهما علي القراءrlm;.rlm;
ونحن في انتظار كلمة العدالة في ألف ليلة وليلةrlm;.rlm;
التعليقات
شيئ لايصدق
خوليو -لايشك أي مسلم بان جملة وانكحوا ما طاب لكم هو كلام إلهي،مدهش أن يرددوا هذه الجملة ويتلونها تلحينا وتجويدا ويشرحون فوائدها ومقاصدهاويتفاعلون معها قلباً وقالباً ويقتلون من يشك بأنها من مصدر إلهي، ولكنهم يصمتون عندما تسألهم وهل جرب الله الجنس حتى يحلل ممارسته مع الحلال ومع ملك اليمين؟ التجربة البشرية تقول أن أحسن المقالات هي التي يُنتجها أشخاص مارسوا الفعل وعاشوه وخبروه بأنفسهم، في ذلك الكتاب نقرأ تعابير تؤشر للفعل الجنسي بمجازات وصور تصور النساء مثل الأرض المحروثة وتقول الآية نساؤكم حرث لكم... أي فافلحوا فيها يامؤمنين كما شئتم ومتى شئتم وأين شئتم (حسب التفاسير المعتمدة)، صورة خيالية عن الجنس، لايلفظها إلا كل مجرب خبير، وها هو ابن عم الرسول يقول شعراً ويلفظ تعابير، يخجل الناشر من نشرها، فيضع نقطاً بدلاً منها، من أين تعلم ابن العباس وتجرأ على قول مثل هذه الألفاظ؟ وهل كانت متداولة في ذلك العهد؟ بدون شك، ومن يقرأ التراث لتلك المرحلة يجد أشياءً يشيب لها الطفل ويكاد لايصدق ما يقرأ من أصحاب السير الحسنة ومن المعصومين، استناداً على كل هذا الموروث الجنسي من التراث المقدس، كيف يتجرأ البعض ليطالب بمنع كتاب ألف ليلة وليلة لايحاءاتها الجنسية؟ ومخزونهم من الجنس ورد في صفحات أقدس الكتب، عجباً لأمة وانكحوا أن يطالبوا بمنع كتاب ألف ليلة وليلة.