جدلية الديمقراطية والتجدد الحضاري العربي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
عوني فرسخ
يتميز ldquo;المشروع النهضوي العربيrdquo;، الذي أصدره ldquo;مركز دراسات الوحدة العربيةrdquo;، عن سابقاته من مشاريع النهضة العربية، باعتباره الديمقراطية ركناً ركيناً من أركان النهضة، ورافعة من روافعها . معتبراً أنه ثبت تاريخياً أن النظام الديمقراطي طريق تقدم الأمم والشعوب، من حيث تحريره المواطنين من العبودية السياسية والخوف، ويطلق الطاقات الاجتماعية للإنتاج والابداع وتحقيق التراكم المادي والمعنوي، ويقرر المشروع أن الأمة العربية أحوج ما تكون للديمقراطية، وسيلة للتقدم، ونظاماً لتحقيق الآمال النهضوية المعلقة منذ قرنين، وفي الوقت ذاته ينبه لخطر السقوط في الوهم بأن الديمقراطية وحدها كفيلة بمواجهة كل العقبات التي تعترض تجسيد المشروع النهضوي في الواقع العربي .
ويقرر المشروع أن حاجة الوطن العربي للديمقراطية حيوية وضرورة لا غنى عنها، باعتبارها حقاً عاماً للأمة، وليست ترفاً يطلبه المواطنون العرب . إذ انها الوسيلة المثلى لتحرير المجتمع في كل قطر عربي من السلبية والتواكل، والزج بقواه الفاعلة في معركة البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي . ثم إنها القاعدة التي تبنى عليها العلاقة بين الدولة والمجتمع في المجتمعات الحديثة، بما يجعل المجتمع في صدارة من يحمي الدولة ويدافع عنها على خلفية شعوره بأنها دولته . فضلاً عن الحاجة للديمقراطية في بناء العلاقة بين الأقطار العربية سبيلاً لتكاملها وتعزيزاً لتضامنها الجماعي في وجه التحديات المشتركة .
ومهما قيل بأن الديمقراطية نظام سياسي حديث أرسته الثورات الاجتماعية الأوروبية، المشبعة بفكر الأنوار، ضد الأنظمة الاقطاعية والملكيات المطلقة المستبدة، ورسخته الحركات الاجتماعية اللاحقة في القرنين التاسع عشر والعشرين . إلا أن حضارتنا العربية الاسلامية، وتعاليم الدين الاسلامي الحنيف، غنية بالمبادئ التي ترتبط في محتواها بالمبادئ التي قام عليها النظام الديمقراطي: سلطة الأمة ومرجعياتها والرقابة على سلطة الحاكم، وهي التي عبر عنها مفهوم الشورى في دلالته القرآنية . إذ مقتضى الشورى أن أمر السياسة والحكم متروك للجماعة تتوافق عليه، والسلطة في الاسلام تقوم على اختيار الحاكم، وليس بالتعيين أو بالتوريث، وان الاختيار يقع بمقتضى عقد (البيعة) يشترط على الحاكم شروطاً عليه الالتزام بها وإلا انتقضت بيعته . كما أن الجماعة التي اختارته تملك حق الاحتساب (الرقابة) عليه، وتمتلك حق خلعه إن نقض ميثاق توليته، وأمام محاولات بعض الخلفاء الالتفاف على مبدأ الشورى قرر المجتهدون من الفقهاء الأقدمين، والمفكرين المعاصرين، أن الشورى ملزمة وليست معلَمة، ولقد وجد بين المفكرين المسلمين المحدثين، منذ القرن التاسع عشر، من اعتبر ldquo;أهل الحل والعقدrdquo; هم نواب الأمة في المجلس النيابي .
والديمقراطية نظام شامل للحكم لا تقبل تجزئة مبادئها، أو انتقاء بعضها دون الآخر، وهي إنما ldquo;تقوم على حرية الرأي والتعبير والنشر والتنظيم، يمارسها المواطنون من دون أي قيد على حرياتهم، إلا ما يفرضه احترام حريات الآخرين، ومن دون رقابة على أفكارهم، ومن دون انتقاص من حقهم في التنظيم الحزبي وتشكيل الجمعيات السياسية، واعتبار المواطن مسؤولاً عن ممارساته وما يصدر عنه من قول أو فعل في حدود ما ينظمه القانون وفقاً لأحكام الدستور .
كما تقوم الديمقراطية على التعددية السياسية والحق في المشاركة . بما يعني عدم احتكار العمل السياسي من قبل حزب حاكم، أو قائد لجبهة أحزاب حاكمة، ومنع مصادرة الحياة السياسية واسقاط نظام الحزبية، ولا تتحقق التعددية إن لم يكفل حق الأحزاب والمنظمات السياسية كافة في المشاركة والتنافس المشروع على التمثيل السياسي وكسب الرأي العام بالوسائل الديمقراطية .
ويشترط في النظام التمثيلي الديمقراطي أن يكون مشمولاً بالضمانات الدستورية والقانونية التي تكفل حرية الاقتراع لكل المواطنين البالغين السن التي تجيز لهم حق التصويت، واحاطة العملية الانتخابية بما يكفل الشفافية والنزاهة، ومنع أي شكل من أشكال مصادرة الإرادة الشعبية وتزوير الانتخابات، وأن تكفل الضمانات الدستورية والقانونية حق الرقابة على السلطة وممارساتها من خلال وسائل الرقابة كافة .
ويقضي النظام الديمقراطي بالفصل بين السلطات: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، واحترام استقلالية القضاء . كما يقضي بتداول السلطة وحق الأكثرية السياسية التي أفرزتها الانتخابات النزيهة في تشكيل السلطة التنفيذية وإدارتها .
ليست الديمقراطية نظاماً سياسياً فحسب، والنضال من أجل الديمقراطية لا يقف عند حدود الدولة، وإنما يمتد إلى ديمقراطية المجتمع، مستهدفاً تحقيق وظائف اجتماعية، من قبيل تأسيس علاقة المواطنة بصفتها علاقة تشد أفراد المجتمع الى ولاء عام للدولة يعلو على علاقاتهم الاهلية وولاءاتهم الفرعية، وتمكين المرأة بحيث تشارك بفعالية في الحياة السياسية، وإعادة تأهيل النظام الأسري والتربوي على القيم الديمقراطية، بتكريس المفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المناهج والكتب الدراسية الثانوية والجامعية .
وإن استقامة النظام الديمقراطي تقتضي أن تكون أدوات النضال لتحقيقه ديمقراطية، إذ لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين . ما يعني أن الأحزاب والنقابات والتنظيمات الشعبية العربية مطالبة بإرساء علاقات ديمقراطية في عملها العام وفي أطرها التنظيمية، وترسيخ القيم المؤسسية فيها، وفتح مواقعها القيادية لمبدأ التداول .
التعليقات
الواقع والحقيقة
يزن فارس -للاسف فإن ما تحدث عنه الكاتب الموقر هو حلم يطمح اليه كل مواطن عربي حر، الا أن الواقع الذي تواجهه الشعوب العربية يدعو الى التشاؤم من أن هذا الحلم صعب المنال على الاقل حتى تتغير العقلية العربية التبعية التي تصفق لمن يحكمها مهما كانت النتائج.
الواقع والحقيقة
يزن فارس -للاسف فإن ما تحدث عنه الكاتب الموقر هو حلم يطمح اليه كل مواطن عربي حر، الا أن الواقع الذي تواجهه الشعوب العربية يدعو الى التشاؤم من أن هذا الحلم صعب المنال على الاقل حتى تتغير العقلية العربية التبعية التي تصفق لمن يحكمها مهما كانت النتائج.