جريدة الجرائد

كرنفال الوعي الزائف الكروي

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

علي محمد فخرو


انتهت كرنفالات مباريات كأس العالم لكرة القدم، وصفق من صفق، وبكى من بكى. لكن هذه اللعبة الجماهيرية، الأخذة للعقول والمفجٍّرة لأشدٍّ العواطف بدائية وجنوناً، تطرح أسئلة بالغة الأهمية والعمق.
أولاً : هل هذا الحماس المتدفٌّق الكاسح، الذي يدفع بالملايين لترك ارتباطاتهم ومسؤولياتهم وحتى أماكن أعمالهم والتسًّمر أمام شاشات التلفزيونات عدة مرّات يومياً ولساعات طويلة، هو نتيجة لصفات ذاتية باهرة في اللعبة نفسها، أم أن كل ذلك يعود للقدرات الإعلامية في قلب الجماهير إلى خراف منقادة وراء بعضها البعض دون أن تعرف السًّبب أو الهدف؟ وهذا بدوره يطرح سؤالاً آخر: إذا كانت الحملات الإعلامية لديها تلك القدرة المبهرة في حقل الرياضة بصورة عامة، وحقل كرة القدم بصورة خاصة، فلماذا تفشل بصور متفاوتة في حقل السياسة والاجتماع والثقافة، حتى في أحلك حالات تلك الحقول؟
ثانياً: مثل تلك الأسئلة يهمنا أمر طرحها على الأخص في المجتمعات العربية. إذ لماذا تستطيع وسائل الإعلام البصرية خلق ما يعرف بالوعي الزًّائف في كتل الغوغاء الكروية، ومباريات كرة القدم هي من أهمًّ الوسائل الوطنية والإقليمية والعولمية لخلق ذلك الوعي الزائف وإبعاد الناس عن التفكير في هوائهم ومظالمهم وأحلامهم، بينما تفشل إلى حدود كبيرة في خلق وعي سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يرتبط بالواقع وبتغيير ذلك الواقع؟
والسؤال نفسه ينطبق على مؤسسات المجتمع المدني السياسية، إذًّ لماذا تفشل في ضمٍّ المئات من المواطنين في صفوفها بينما يستطيع أيُّ ناد لكرة القدم أن يجيّش لنفسه الألوف، إن لم يكن الملايين، من الأنصار والمساندين والمدافعين بحماس منقطع النظير؟
لقد ناقشت الأدبيات الماركسية منذ سنين طويلة أساليب وألاعيب القوى المهيمنة في المجتمعات في خلق وعي عبثي وربط الجماهير بقضايا فرعية تصبح مقدًّسة وتتقدُّم على كل ما عداها من قضايا الحياة. لكن هذه الظاهرة قد أصبحت في أيامنا هذه ظاهرة عولمية بامتياز .فخلق مثل هذا الحلم الوهمي الكروي في بلد كانكلترا مثلاً يمكن أن ينتشر كالنار في الهشيم ـ عبر العالم كله، من خلال الشبكة العولمية الإعلامية الشهيرة الـ 'بي بي سي' مثلاً أو الشبكات المماثلة في بلدان أوروبا الأخرى وفي الولايات المتحدة الامريكيــة. ولعلًّ أخطر ما في هذا الوعي الزائف هو ربطه بشرف وكرامة ومكانة الأمة.
من هنا ما شاهدناه المرة تلو المرة من رؤساء دول وهم يقفزون كالبهلوانات ويصرخون كالأطفال عند انتصار فريقهم الكروي، بينما يبكون كالنساء عندما ينهزم فريقهم. إن هؤلاء يعرفون جيداً كم ترفع الكرة من مقام الحكومات وكم تسقطها في الحضيض.
ثالثاَ: في الوقت الذي تدق فيه طبول الكرنفالات الكروية الصاخبة تمرَّر القرارات الصعبة وتٌّتخذ المواقف الخطرة، وذلك كله بعيداً عن أعين الناس وعن وعيهم التاريخي الحقيقي. ففي منطقتنا العربية، وخلال أكثر من شهر من انشغال الناس بما يجري في مدن أفريقيا الجنوبية، صٌّبًّ الماء على الخلاف التركي ـ الصهيوني، ونجح السَّاحر الصهيوني في إدخال الرئيس الامريكي في غيبوبة لعبة التنويم المغناطيسي، وأبعدت الجماهير في بلد عربي كبير عن متابعة ترتيب المسرح لخلافة حكم المسؤول العليل، وبدأت طبول الحرب تدق في الأجواء المحيطة بإيران وبالسفن الحربية العملاقة تنتقل إلى مياه الخليج والطائرات الحربية تنتقل من الأرض الامريكية إلى مطارات آسيا الوسطى، والضغوط السياسية والمالية الهائلة تمارس على دول الأمة العربية لتسير في الكرنفال الامريكي ـ الصهيوني المجنون تجاه مزيد من الصدامات الدموية في أراضي العرب والمسلمين.
كل ذلك حدث والوعي الجماهيري العربي مغيَّب، مشدود إلى حركة الأرجل في ملاعب أفريقيا الجنوبية، ومحكوم بالوعي الزائف الذي خلقته الوسائل الإعلامية العالمية والعربية من أن العرب هم في قلب الكرنفال الكروي بينما الواقع كان يقول عكس ذلك، إذ لم تزد الكرة العربية عن أن تكون فقاعة صغيرة في مهرجان صاخب يصنعه الآخرون.
رابعاً: ما يحزن أكثر هو أن مسؤولي الحكم في بلاد العرب لا يتعلمون من فضائل لعبة الكرة، من مثل المنافسة الشريفة وارتباط الانتصار بالجهد المبذول ووجود الحكم العادل في حكمه وعقابه، فينقلون تلك الفضائل إلى عوالم بلدانهم السياسية. فيما رسوا هم قواعد تلك اللعبة في تسيير أمور العباد. لكنهم يتعلمون من تلك اللعبة مبادئها، من مثل الخشونة المفرطة وكل أنواع الغش والخداع للحكم وللجمهور ومحاولة الحصول على انتصارات لا تٌّستحق.
إنسان هذا العصر يعيش بالفعل محنة وعي زائف كبرى. فوعيه زيًّف بالنسبة للاستهلاك المادي والمعنوي، وزيَّف بالنسبة لحقوقه الإنسانية والسياسية والاقتصادية، وزيًّف بالنسبة لنشاطه المدني. واليوم يضاف وعي زائف آخر في عالم كرة القدم. النتائج كارثية، وهي مضاعفة بالنسبة للإنسان العربي.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
اسمح لي سيدي!
علي.ع.س.العلي -

اسمح لي سيدي ان اعبر عما يجول بخلجات صدري لقد ضقت ذرعامما يحاك بنا داخليا وخارجيا.نعم لا يستطيع الاعلام ان يخرج من تحت عباءة الطاعة والولاء للنظام وشق عصاة الطاعةوالاباحة بما هو مستور عن عيون المواطنيين وذلك مادام العاملين فيه موظفين من قبل ا لنظام يتقاضون رواتبهم منه وقطع الاقناع ولاقطع الارزاق ناهيك الاحكام والتهم الاخرى التى سوف توجه عادة لكل شخص يخرج عن سكة السير المرسومة له,واما الوعى الزائف وإبعاد الناس عن التفكير في حقوقهم ومظالمهم واحلامهم فهو المطلو ب حاليا وعالميا وهو ايجاد اناس كالدببة همها علفها وخاصة نحن,في الخليج الذى ابتلي بثلاثة حروب طاحنة دفع الخليجيون فاتورتها لمن اشعلها, والحرب الرابعة تدق طبولها حسب قولك واهل الخليج في مشاهدة المونديال غارقون والفاتورة جاهزة ,قل لي بربك انظمةيتخذ امر السيادة فيها قرار السلم والحرب فيه شخص الحاكم,بينما مجالس الشورى والبرلمانات والهيئات المدنية مجرد مؤسسات شكلية مثلها مثل بقية الادارات الاخرى لا تسمن ولا تغني ,نعم الحرب سوف تقع وسوف نطبل اننا مع قوات المعتدي انتصرنا انتصارا زائفا كالعادة لا حقيقة له على ارض الواقع وسوف نعيش وهم النصر بتوقف عجلة التنمية عندنا لاننا نؤد ي فاتورة الحرب الجديدة,نعم نحن نعيش ازمة الوعي الزائف انها محنة كبرى يا سيدي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.