جريدة الجرائد

إسرائيل إلى أين؟

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك



جميل الصيفي

منذ أن أقيمت إسرائيل في عام 1948 والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه منذ ذلك الحين وحتى الآن: ما مصير إسرائيل؟ سؤال تعددت الإجابات عليه، كل من منطلق تفكيره ورؤيته وحكمه المسبق.
كانت نقطة التحول بعد حرب الأيام الستة حيث أخذت إسرائيل منذ ذلك الحين تزيد من سقف طموحاتها وأحلامها، واحتلت مركزا محوريا في الشرق الأوسط، ومنّت النفس بطيب الأماني والأحلام الخيالية، خاصة عندما كانت تعتقد أن حدودها ذات يوم هي التي تحددها، وأنها قادرة على أن تشمل النيل والفرات وليس فقط من السويس جنوبا حتى ضواحي دمشق شمالا ومن نهر الأردن شرقا إلى البحر المتوسط غربا، ما أثار شهية المنظرين لدولة إسرائيل الكبرى على اعتبار أنها باتت تستطيع الوصول إلى أي مكان في العالم العربي، وهذا ولّد نوعا من جنون العظمة الذي هو في الواقع أشبه بالحركات الشوفينية والاستعمارية في العالم التي كانت تنطلق من منطلق جنون الشعور بالقوة والعظمة الذي أدى إلى غشاوة على أعين المروجين له، ودفع بهم إلى البناء على حسابات خاطئة بعيدة عن الواقع، فإسرائيل اليوم وبعد احتلالها لكافة فلسطين والجولان لا تشعر بالأمن والسلام قياساً إلى ما كان عليه الحال قبل حرب الأيام الستة كما يسمونها، ورغم التوسع الإسرائيلي فإن خاصرة إسرائيل الأمنية ما زالت ضعيفة وحربها مع حزب الله وحماس أبلغ شاهد على أن قبة إسرائيل ليست مزارا كما يدل الظاهر.
ورغم بروز الأحزاب القومية والدينية المتطرفة في إسرائيل مثل حزب "إسرائيل بيتنا" وحزب البيت اليهودي وغيرهما ممن يدعون إلى ترحيل الفلسطينيين أو ما يعرف بالترانسفير، إلا أن إسرائيل ما زالت عالقة في مستنقع احتلالها للأراضي الفلسطينية ولم تجد الحل للمشكلة التي تواجهها منذ عام 1967 بل قل منذ عام 1948، وهناك تحديان رئيسان خطيران على مستقبل إسرائيل، أولهما يتمثل في المكونات غير المتناغمة لما يسمى بالمجتمع الإسرائيلي فهناك انقسامات عميقة داخل تلك المجموعات ما بين الدينية والعلمانية وما بين اليهود الشرقيين أو السفارديم وبين الغربيين أو الأشكناز التي بلغت ذروتها مؤخرا برفض الآباء الأشكناز لتعلم أبنائهم مع الطلاب من أصول يهودية شرقية كما حصل في مستوطنة عمانوئيل في الضفة الغربية مؤخرا، حتى بعد صدور قرار المحكمة العليا الإسرائيلية برفض الفصل بين كلا الطرفين في المدارس، فضلا عن التناحر بين العلمانيين وبين المتزمتين دينيا في إسرائيل، ناهيك من التناحر حتى بين المتدينين الأصوليين المتزمتين الذي تجسده حركة "ناطوري كارتا" الدينية المتزمتة التي ترفض الاعتراف بشرعية قيام دولة إسرائيل على أسس دينية، وبلغ بها الأمر أن أرسلت ممثلا عنها إلى المؤسسات الوطنية الفلسطينية، ولكن تلك الخلافات الحادة والشرخ العميق في المجتمع الإسرائيلي تتراجع مؤقتا أمام ما يسمى بالخطر العربي على بقاء إسرائيل، وهو ما يروج له المسؤولون الإسرائيليون من أجل عدم تفجر الخلافات والتناقضات الحادة داخل ما يعرف بالمجتمع الإسرائيلي الهش، كما أن وجود الفلسطينيين خلف ما يسمى بالخط الأخضر وداخل المناطق المحتلة يشكل كابوسا مرعبا لمستقبل بقاء إسرائيل كدولة يهودية أو حتى كدولة، فإسرائيل ليست قادرة وبحكم الأوضاع الدولية الحالية على ترحيل الفلسطينيين خارج بلادهم وفشلت في الحل على أساس قيام وطن بديل للفلسطينيين، وازداد الفلسطينيون تشبثا بأراضيهم، وأصبحوا شوكة في حلق من ينادون بدولة لليهود فقط في فلسطين التاريخية، وأصبحت إسرائيل أمام خيارين أحلاهما مر، وهما إما الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية والعودة إلى حجمها الطبيعي، وهذا يذكرني بقصة فأر القرعة الذي دخل قَرْعة من ثقب صغير فيها، وحينما دخلها أخذ يأكل بنهم إلى أن كبر حجمه كثيرا، وحينما أراد الخروج من تلك الفتحة الصغيرة لم يتمكن من ذلك، فاضطر إلى الصيام لتصغير حجمه إلى أن عاد لحجمه الأول ومن ثم خرج من الفتحة، أما الخيار الثاني أمام إسرائيل فهو اعتماد نظام الفصل العنصري أو ما يعرف بالأبارتهايد على غرار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وفي كلتا الحالتين ستخسر إسرائيل إما الأراضي التي احتلتها وإما التعاطف الدولي الذي وفر لها البقاء حتى حينه عن طريق إمدادها بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية بل والدفاع عنها في المحافل الدولية من منطلق أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
أما الخطر الآخر على بقاء إسرائيل فيتمثل في كونها جسماً غريباً زُرع في العالم العربي، وإذا ما تم رفض هذا الكيان من قبل الجسم العربي فإن مآله إلى الاندثار تماما حينما يزرع عضو داخل جسم ويتم رفضه.
لقد غاب عن أذهان المتطرفين اليهود وأفكارهم المتشنجة التي تنضح بالعنصرية والفوقية بأن هناك من سبقهم في تبني مثل تلك الأفكار الهدامة المتطرفة من أمثال التتار والمغول والصليبيين والنازيين والفاشيين، فذهب هؤلاء ومعهم أفكارهم إلى دار البوار وأصبحوا عبرة لمن يريد أن يعتبر، ويبدو أن من يريد استخلاص العبر في إسرائيل أقلية لا وزن لها، بل إن الأدهى من ذلك أن غلاة المتطرفين في إسرائيل ممن تسلموا الحكم من أمثال شارون وأولمرت وقبلهما باراك لم يدركوا الحقيقة إلا في ربع الساعة الأخير أو ربما أنهم أدركوها قبل ذلك لكن لم تكن لهم الجرأة ليعلنوا عن ذلك خشية من رد فعل المتطرفين اليمينيين في إسرائيل، كما حصل مع إسحاق رابين الذي عندما كان على وشك إدراك الحقيقة عاجله يهودي متطرف وهو إيجال عامير برصاصات قضت عليه وعلى كل من يحاول النظر إلى الأمور من زاوية منطق التاريخ والواقع، وعليه فليس هناك في المستقبل المنظور حل للمأزق الذي خلقته إسرائيل لنفسها، وهي ما زالت عالقة بين الأوهام الدينية والقومية وبين الواقع الميداني حيث الوجود الفلسطيني في فلسطين يشكل صخرة تتحطم عليها كل أحلام الزعماء الصهيونيين المريضة، خاصة على ضوء الوضع الديمغرافي المتوقع في فلسطين خلال السنوات القادمة والذي يتوقع فيه المراقبون والمحللون أن يتساوى عدد السكان الفلسطينيين غربي نهر الأردن وشرق البحر المتوسط مع عدد السكان اليهود خلال فترة زمنية قصيرة، وربما خلال عقود قليلة، الأمر الذي يُجبر إسرائيل على اختيار المر أو الأمرّ، فإما فقدان الهوية اليهودية لإسرائيل وإما فقدان التعاطف الدولي وتصبح دولة أبارتهايد منبوذة على الساحة الدولية، وكلا الأمرين أحلاهما مرّ، وهذا هو المصير الذي ينتظر إسرائيل.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
السلام
منيرو972524754859 -

نعم لمنيرو

السلام
منيرو972524754859 -

نعم لمنيرو