جريدة الجرائد

الغاية تبرر الوسيلة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

مبارك الذروه


من منا لا يعرف صاحب الكلمة الشهيرة "الغاية تبرر الوسيلة"؟
تلك الكلمة التي خرجت من الواقع ثم نظرت! نظرتها وجذرت قواعدها ممارسات الطغيان السياسي والاستبداد الدموي في حقب كثيرة من حقب التاريخ الإنساني، ففي حالات الاستبداد يغيب العدل ويسود الظلم. لقد سادت نظريات الاستعمار والسيطرة على مقدرات الدول المغلوبة في العالم الثالث. خلق الاستعمار في عقول العالم الثالث أنهم شعوب متخلفة لا قيمة لها، شعوب مستهلكة لا تعرف العمل والإنتاج، شعوب بدوية لا تستحق العيش إلا في المحاجر والبراري كما صنعت في الرجل الأسود وقصة "الجذور"! نهبت الذهب وما تكنزه الجبال الإفريقية، بل سرقوا شباب أفريقيا ورحلوهم لحفر الأرض وزراعتها وشق الترع وسقايتها في ديار الغرب والعالم الجديد، بل القوا بهم في مهاوي الحرب وفم الهلاك. فنشأت من جراء ذلك أجيال تحمل الكره للرجل الأبيض، وتبادل العالم عقوداً من العداء لم ينته إلى الآن!
وفي القرن السادس عشر وما بعده وقف بعض العقلاء في الغرب ليصححوا شيئاً من أخطاء التاريخ. قالوا "من يبن على الشعب يبن على الرمال" إشارة إلى أن الرأي العام هو رأي العوام. ففي عصور الانحطاط لا كلمة للشعب. فالشعب كالانعام بل هم أضل! وجاء ميكافيلي صاحب "الأمير" فهاجم تلك المقولة بشدة لأنه رغم ما قال من دناءة وسخافة وجرائم فكرية إرهابية فانه عاد يؤكد أن التواصل الحكومي الشعبي هو سبيل الاستقرار والأمن!
هل كان ميكافيلي سيئاً لدرجة أن اسمه ارتبط بالكذب والغش والقتل والطغيان، أم أن هناك ظرفاً زمنياً وقومياً يحيط ببلاده جعله يفكر هذا التفكير الشيطاني؟
كتاب "الأمير" هو قبلة الطغاة الظالمين والذي تتلمذ عليه بسمارك وهتلر وموسيليني ونابليون وغيرهم كثير!
المصادر التاريخية تؤكد أن ايطاليا كانت مفككة في منتصف القرن السادس عشر، بل كانت منقسمة إلى أربع أو خمس مقاطعات كل واحدة منهن تقاتل الأخرى، فضلاً عن الأطماع الخارجية التي تحاول السيطرة عليها، فقد انتشرت الفوضى السياسية والرشاوى والفساد الأخلاقي والمالي والقتل والتشريد... حتى أن ميكافيلي نفسه سجن وعذب، بل العجيب أنه كتب "الأمير" وهو واقع تحت الإقامة الجبرية! كان وطنيا حسب التراجم، وكان يطمح في أن تكون ايطاليا جمهورية واحدة متماسكة بدلاً من مقاطعاتها المتباينة المتقاتلة. فألف كتاب "الأمير" ليدلل على أن القوة وحدها هي التي ستجمع ايطاليا تحت علم واحد. وهنا يفصل ميكافيلي الأخلاق عن السياسة، وينادي بالدهاء والمكر واستخدام المال، ويوجه كتابه إلى الأمير الذي يطمح في أن يسود ويحكم ويخلص ايطاليا من الانحطاط والانتقام الأجنبي. لذلك كثيرا ما نغفل عن جوانب مضيئة في كتاب "الأمير" بدلاً من الجوانب المعتمة فيه. فها هو ذا ينادي بأن يتحاشى الأمير كراهية شعبه واحتقارهم له... ويؤكد أن الطريقتين الرئيسيتان لكراهية الشعب هما نهب أموال الشعب والتدخل في ممتلكات رعاياه ونسائهم. يرى ميكافيلي أن على الأمير أن يشجع رعاياه على القيام بواجباتهم المهنية والزراعية والتجارية في اطمئنان.
لست هنا ابرر الفكر السلطوي لميكافيلي بل أشير إلى أهمية النظر للسوابق الفكرية لأي نهج سياسي، وإلى إرهاصات التغيرات الاجتماعية والسياسية لأي فكر يسود بعد ذلك في أي حقبة تاريخية كانت. فقد كان يوماً ما احد الوزراء وأصحاب القرار السياسي في ايطاليا قبل أن يستبعد. ولربما أثرت النزاعات الداخلية للنظام الطلياني وضعف الأداء الحكومي وتذمر الشعب وانقساماته هي من شكل فكره الشيطاني الذي تجاذبته نوايا الإصلاح السياسي في داخله. ومن يرى وطنه يذبح أمامه سيستعين بكل شيء لاسترداده. وهذا ما صنعه ميكافيلي!


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف