جريدة الجرائد

أصدقاء القصيبي: رحل جزء من حياتنا

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

وقع الوفاة أكبر على المقربين منه

هادي فقيهي


كما جاء خبر رحيل الدكتور غازي القصيبي صادما للشارع العربي والسعودي، فقد كان وقع المصيبة أكبر على المقربين منه الذين رافقوه طوال رحلة عمره التي امتدت لسبعين عاما. وفي حديثهم لـ"الشرق الأوسط"، عبر هؤلاء عن عميق حزنهم لفقد جزء من حياتهم تربطهم به ذكريات رافقته من بدايات الصعود إلى نهاية العمر. كما كشفوا عن مواقف وآراء للقصيبي لم تكن معروفة لدى الكثيرين.
محمد رضا نصر الله، وهو من المقربين من الدكتور غازي القصيبي، تحدث إلى "الشرق الأوسط" قائلا "الكلمات تعجز عن التعبير، لقد فقدت اليوم جزءا غاليا من حياتي". واستعرض نصر الله في حديثه سجل الذكريات مع الراحل، حيث ذكر أن العلاقة بينه وبين القصيبي بدأت في رحاب كلية الآداب في جامعة الملك سعود حين كان القصيبي هو الأستاذ ونصر الله هو الطالب، وكان آخر لقاء جمعهما في مملكة البحرين قبل شهر من وفاته. ويشير نصر الله إلى أنه تعرف إلى القصيبي في بداية مشواره نحو الشهرة والمسؤولية. ويقول نصر الله "كان ظاهرة جمعت في داخلها مكونات وحدة الوطن، فهو مولود في الأحساء لأم حجازية وأب من أصول نجدية"، مشيرا إلى أن القصيبي جاء في مرحلة الصفحة التالية من تاريخ المملكة العربية السعودية وهي مرحلة بناء المؤسسات، حيث جاء بروح متفتحة على العالم وتجربة تخطت الحدود من خلال دراسته في البحرين والقاهرة ولوس أنجليس بالولايات المتحدة ولندن، كما أنه كان يحمل في الوقت ذاته حنينا جارفا لهذه الأرض دفعه إلى التفاني في العمل من أجلها وتوظيف كل إمكاناته في خدمة المجتمع. ويذكر نصر الله أن بداية شهرة القصيبي ومعرفته كانت من خلال ديوانه الثالث الذي صدر في مطلع سبعينات القرن الماضي ليصطدم بالتيار المحافظ الذي ثار ضد الكتاب، مشيرا إلى أن المعارك التي يتطرق إليها هذا الكتاب هي معارك القوميين العرب وليس معاركه. وإلا فمعارك غازي القصيبي كلها كانت مرفرفة الراية كما يقول نصر الله. ويضيف قائلا "أتذكر أنني سألته وهو يتسلم وزارة الصناعة والكهرباء كأول وزارة في مشواره: كيف تجمع بين شاعريتك وهذه الوزارة الصلبة؟"، ولم يدم السؤال طويلا حتى جاء الجواب عبر إنشاء شركة "سابك" التي كانت أحد مشاريع القصيبي التي وطنت صناعة البتروكيماويات وجعلت المملكة رائدة فيها.

ويتحدث نصر الله عن حقبة تسلم القصيبي لمؤسسة السكك الحديدية، حيث حرص خلالها على حفظ ملكيات الأراضي الخاصة بالمؤسسة وتوفير سكن لكل عامل في المؤسسة.. ويشير نصر الله إلى أن القصيبي كان من أشرس محاربي الفساد، ومن أوائل من تصدوا له، حيث كشف عددا من الرشاوى في حقبة وزارة الصناعة والكهرباء. ويذكر نصر الله أن القصيبي كان مهموما إبان تسلمه لوزارة الصناعة والكهرباء بتوصيل الكهرباء إلى بيت كل مواطن وبالأخص الساكنون في المناطق النائية. ويقول نصر الله "كنا نسمع في القنوات المصرية بمصطلح كهربة الريف، وشاهدناه على يد القصيبي واقعا".

وفي فترة وزارة الصحة التي يذكر نصر الله أنها أتت إلى القصيبي بطلب من الملك فهد الذي كان وليا للعهد آنذاك، اختط القصيبي - والحديث لنصر الله - مسالك وزارية جديدة في التغلب على البيروقراطية، وأدخل مفهوم المراقبة عبر الزيارات المفاجئة إلى هذه المسالك. وينقل نصر الله على لسان القصيبي قوله "لو أعطيت خمس سنوات في إدارة المرفق الصحي فسوف أضعه على بداية المسار الصحيح".

ويشير نصر الله إلى أن القصيبي لم يكن راغبا في الاستمرار في وزارة المياه التي عاد إليها بعد سفارة لندن، حيث كان يرى أن هناك من هو أكفأ لها، وتولى وزارة العمل بدلا منها بطلب شخصي، مؤكدا أن القصيبي كان مستاء من رجال الأعمال الذين لم يتعاونوا مع خطط الوزارة للقضاء على البطالة، ومهموما بقضية وجود شباب سعوديين عاطلين.

وعلى الصعيد الشعري والأدبي، يقول نصر الله عن غازي القصيبي إنه كان قامة شعرية كبيرة بشهادة شعراء كبار. حيث يذكر نصر الله أن الشاعرة العراقية لمياء عباس قرأت قصيدة للقصيبي في وصف بغداد فقالت "كان أكثر شاعرية مني وهو يتحدث عن بغداد ومعاناتها". وعلى صعيد الرواية كانت هناك رواية "العصفورية" التي تملك الكثير من تقنيات السرد وعبرت عن مرحلة من مراحل التشكل الثقافي في الوطن العربي، معتقدا أن "العصفورية" ما زالت مستعصية على النقاد الذين لم يتمكنوا من قراءتها بصورة صحيحة. وأما شقة الحرية فهي في نظر نصر الله كانت رواية جريئة فتحت الباب لبقية الروائيين السعوديين لإبراز تجاربهم. ويشيد نصر الله بالتجربة النقدية لغازي القصيبي خاصة من خلال كتاب "عن قبيلتي أحدثكم"، الذي استعرض فيه مسيرة الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى الوقت الراهن. ويقول نصر الله إن القصيبي كان دائما ضد التعقيد في تجربته الأدبية، وكان يرى أن فهم النظرية النسبية لأينشتاين هو أيسر من فهم بعض الأعمال الأدبية العربية. وحول منع كتبه في السعودية يقول نصر الله إن غازي القصيبي لم يكن مستاء من منع كتبه، بل كان سعيدا بذلك، حيث كان يرى أن المنع يوفر إقبالا أكبر من قبل القراء والجمهور.

وأما الصديقة المقربة لعائلة غازي القصيبي الدكتورة ثريا العريض فتقول في حديث لـ"الشرق الأوسط" إن غازي القصيبي كان يمثل الشخصية المتكاملة الثقافة كالبلورة، وذلك من خلال معلوماته وثقافته الأدبية والعلمية والتاريخية ومواهبه الشعرية والسردية. وهي قدرات لم تتوافر إلا للقليل من النخبة. وتقول العريض "كان يختلف عن الآخرين، ويمثل قدوة ومثالا لكل من يدعي أنه أديب أو موهوب"، مشيرة إلى أول لقاء بغازي القصيبي حين قدمها كأول شاعرة سعودية تلقي أمسية خارج المملكة، وذلك من خلال صالون أدبي كان يقيمه في السفارة السعودية في لندن، وهو الأمر الذي استطاع من خلاله استنهاض الأدباء العرب في بريطانيا وإيجاد حركة ثقافية هناك. وتتحدث عن شاعرية غازي القصيبي قائلة "كان غازي منذ طفولته شاعرا بالسليقة، شاعرا ليس فقط لأنه امتلك قدرة سبك الكلمات في عقود القصائد أو الكلمات الرسمية أو الروايات بصيغة متميزة التفرد كما يسبك الصائغ الفنان حلية ثمينة نادرة المكونات، فما أكثر القادرين على النظم، وما أقل الشعراء الحقيقيين بينهم، هو كان شاعرا بالفطرة لأنه عاش يحس نبض الحياة وضغوطها ومستجداتها بروح شاعر، ويراها بعيني شاعر، ويحلم بها بسعة أفق خيال شاعر فذ. وكانت تلك الشاعرية الفذة فيه هي التي تؤطر كل مواقعه ومواقفه الأخرى".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف