بمناسبة مذكرات بلير
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
معن البياري
عندما أرسلَ بول بريمر كتابَ مذكراتِه عن أيامِه حاكماً أميركياً في العراق إلى دار النشر، ردّته إليه، لأنّه لم يتضمن جديداً ولم يكشف عن معلوماتٍ غائبة، وطلبت أن يُعيدَ كتابته، فيضيء وقائعَ كان مشاركاً فيها أو شاهداً عليها.
ولما فعل بريمر ذلك، تَيَسّر نشر كتاب "عامي في العراق" الذي قرأنا فيه أنّ التخطيطَ لغزو العراق كان سيئاً، وأنّ بريمر وَجَدَ نفسَه في شتاء 2004 وحيداً في بغداد، ولا يملك معالم أيَّ إستراتيجية عسكريةٍ واضحةٍ ودقيقة، واقفاً على رأس "احتلالٍ بلا فعالية"، بحسب تعبيره. ولو أنّ توني بلير دفع كتابَ مذكراته "رحلة" للنشر، متضمناً فقط ثرثراتٍ لا حرارةَ أو جديدَ فيها، لربما عزفت دار النشر عن نشرِه وتوزيعه.
ولأنّ الكتابَ جاء مثيراً وصريحاً، وخالياً من أيِّ اعتذارٍ عن أيّ شيء (!)، ولأنّ بلير كتبَ فيه عن لحظاتٍ شديدة الحميمية مع زوجته، وعن شربه الكثير للويسكي في أثناء الحرب على العراق، وعن تعمّدِه الكذب والغش أحياناً... لكلّ ذلك وغيرِه، جاء الكتابُ مهماً على غير صعيد، ووثيقةً إنسانيّةً وسياسيّة كاشفة.
باتَ تقليداً إذن، أن يُدوّنَ أهلُ السياسة والخبرة والحكم في الغرب تجاربَهم، في مذكراتٍ ويومياتٍ شائقة، تُوازي بين الذاتيّ في بعض محطاتِ الحياة الفرديّة، مما له إفادتُه على مستوى التكوين والتأهيل النفسي، في الطفولةِ واليفاعةِ خصوصاً، وما يتعلق بالقضايا والوقائع العامة التي كان صاحبُ المذكرات من صنّاعها أو شاهداً عليها. ولهذا، كانت شديدةَ الأهمية، والمتعة ربما، مذكراتٌ عديدةٌ لساسة أميركيين وأوروبيين وآسيويين.
ويبدو النفع الماديّ لهم منها مجرّد تفصيلٍ أمامَ القيمة التوثيقية لشهاداتِهم، خصوصاً إذا اتصفت بالصراحة، (وبالأناقة في الكتابة). ومن ذلك مثلاً، مذكراتُ رئيس المخابرات الأميركية السابق جورج تينيت التي أضاءَ فيها فبركة الأدلة غير المقنعة لامتلاك عراق صدام حسين أسلحةً نووية، وتضمنت تفاصيل طريفة عن اجتماعٍ له مع ياسر عرفات.
بشأننا نحنُ العرب، بالكاد نقع على تجاربَ سياسيين منا مدونّة، ذاتِ قيمة معرفيّة وتاريخيّة، فيما تتضمن مذكراتُ قياداتٍ إسرائيليةٍ من طراز إسحق رابين وبن غوريون وموشيه شاريت وغيرهم إضاءاتٍ على وقائعَ غيرِ قليلةٍ في الصراع العربي الإسرائيلي، وفي المقابل، لم يُدوّن قائدٌ فلسطينيٌّ بارز شهادتَه، باستثناءاتٍ محدودة، بعضُها مرويةٌ في أحاديثَ صحفية وتلفزيونية، مع التنويه بمذكرات صلاح خلف (أبو إياد) في "فلسطيني بلا هوية"، وبمذكراتٍ شخصياتٍ وطنيةٍ وثقافية، مثل بهجت أبو غربية وأنيس صايغ وبسام أبو شريف.
وإذا كان المصريون واللبنانيون من أصحاب المواقع والخبرات السياسيّة السابقة الأكثر إقداما من نظرائهم العرب على تقديم شهاداتهم، فذلك لا يَخْرِمُ الحقيقةَ المؤكدة عن الشحّ المشار إليه، وعن رداءة مذكراتٍ متوفرة، كتبَ أصحابُها أوهامَهم بشأن أنفسهم عن حكمتهم وفرادة منجزاتهم.
لمّا أعلن عبد الحليم خدام، قبل أربع سنوات، خروجه على النظام في بلده، قال إنه سينقطع إلى كتابة مذكراته. وتالياً، صرّح علي سالم البيض أنّه يعكف على كتابة مذكراته. والبادي أن الرجلين انشغلا لاحقاً بالطبخِ ضد النظامين في بلديهما، سوريا واليمن، فلم يُصْدِرا كتابيهما.
وكان الظنُّ أنهما سيوفران للتاريخ شهاداتٍ صريحة، ومراجعاتٍ شجاعةٍ لمواقفَ وقراراتٍ اتخذاها، وتفاصيلَ غيرَ معلومة عن وقائع وأسرار تتصلان بمحطات مهمّة في بلديهما.
هما نموذجان عربيان صامتان (إلى الآن)، كما كثيرون غيرهم يُؤثرون إبقاءَ ما في النفوس خارجَ النصوص، أخذاً ـ ربما ـ بنصيحةِ (أو توصيةِ) مسؤولٍ عربيٍّ راحل، ذكّرنا بها توني بلير لمّا قرأنا في مذكراتِه أنّ الساسة يُجْبَرونَ أحياناً على إخفاءِ الحقائقِ ولويِ عنقها وأحياناَ تشويهها. نظنُّ أنّ كثيرين من أهل السياسة بين ظهرانينا، نحن العرب، يحترفون هذا الأمر، فلا يجدونَ حاجةً لديهم لينشروا مذكراتٍ مفيدةٍ وصادقة.
التعليقات
رد
د.سعد منصور القطبي -تعلمت حكمة رائعة من هذا الشخص العظيم السيد توني بلير هذه الحكمة قالها عندما خسر منصبه كرئيس وزراء بسبب مشاركته في تحرير العراق حيث قال أني أفظل أن أخسر وأنا على حق من أن أكون رابح وأنا على باطل لقد ساهمت في تحرير شعب العراق من ألطاغية صدام فبارك الله بهذا الرجل وبالسيد الرئيس بوش وجزاهما الله كل خير ولعنة الله على كل من يكره ويعادي أمريكا وبريطانيا وكل الدول الخيرة فوالله ما عرفت عراقي ذكي وشريف يكره أمريكا وبريطانيا لابل أني رأيت أن من يعاديهما هو أما من عملاء .....صدام أو جاهل حقود .
رد
د.سعد منصور القطبي -تعلمت حكمة رائعة من هذا الشخص العظيم السيد توني بلير هذه الحكمة قالها عندما خسر منصبه كرئيس وزراء بسبب مشاركته في تحرير العراق حيث قال أني أفظل أن أخسر وأنا على حق من أن أكون رابح وأنا على باطل لقد ساهمت في تحرير شعب العراق من ألطاغية صدام فبارك الله بهذا الرجل وبالسيد الرئيس بوش وجزاهما الله كل خير ولعنة الله على كل من يكره ويعادي أمريكا وبريطانيا وكل الدول الخيرة فوالله ما عرفت عراقي ذكي وشريف يكره أمريكا وبريطانيا لابل أني رأيت أن من يعاديهما هو أما من عملاء .....صدام أو جاهل حقود .