جريدة الجرائد

حين انتصر أمريكي متطرف علينا جميعاً

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك


محمد المزعل

تنفس الجميع الصعداء إثر إعلان المتطرف الأمريكي تيري جونز إلغاء حرق المصاحف الشريفة. كثيرون أعلنوا النصر. من بينهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي ناشد ذلك القس المجنون أكثر من مرة العدول عن فكرته السخيفة. ولكن من هو فعلا المنتصر في نهاية الأمر؟ ومن منا نال واقعا ما أراد من كل ذلك الضجيج؟
كثيرون ادعوا "المساهمة" في ذلك الإنجاز. زعماء عرب وغربيون. دعاة مسلمون ورجال دين مسيحيون. كتاب عرب. محللون رياضيون ومخرجو الكاميرا الخفية. وعدد من سائقي التاكسي. حتى ديفيد بيترايوس، الجنرال القادم إلى أفغانستان من العراق، كانت له حصة في قائمة المناشدات الطويلة. قال إن حرق المصاحف سيعقد مهمته في أفغانستان. لم يقل إن المسألة برمتها خطأ. خشي أن ترتد "عقول وقلوب" الأفغان التي ظن أنه كسبها. ويعود هؤلاء إلى صفوف "المقاومة" الطالبانية، على حد وصف "الشباب" في مؤسسة سحاب للانتاج "الفني"، المتخصصة في بث شرائط أسامة بن لادن.
وهنا مربط الفرس في ظاهر الأمر. فابن لادن هو المحرك الرئيسي للحملة الداعية إلى حرق القرآن الكريم. القس جونز يعتبر أن الولايات المتحدة في حرب ضروس مع الإسلام. ويرى أن المسلمين بنجاحهم في إيصال رئيس مسلم إلى البيت الأبيض "وهذه كذبة حتى لو صدقها دعاة الفضائيات. فأوباما مسيحي قلبا وقالبا" في طريقهم إلى السيطرة على البيت الأبيض.
أما القشة التي قصمت ظهر القس جونز ومريديه "القلائل" فكان إعلان خطة بناء مسجد ومركز إسلامي قرب "غرواند زيرو"، موقع البرجين اللذين أطاح بهما في الحادي عشر من سبتمبر "شباب" الشيخ أسامة. فجونز يرى أن بناء ذلك المسجد إعلان بانتصار القاعدة وتتويج لهجماتها في ذلك اليوم المشؤوم من سبتمبر.
ذلك في الظاهر. ولنا الظاهر والله أعلم بما تخفي النفوس. لكن بعض النفوس لا تستطيع إخفاء سرائرها طويلا. فقد كشف لنا الكثير من أسرار ذلك الدجال. وتبين أن المسألة نكتة سخيفة اشتراها العالم كله. وساعد في انتشارها "الإعلام الجديد"، الذي صار يجعل من توافه الأمور أخبارا عاجلة.
الواقع يقول إنه قبل أن تنزل طائرات محمد عطا وزملائه في قلب برجي مركز التجارة العالمي، ببضع شهور، نزلت طائرة في مكان ما في الولايات المتحدة تحمل من بين مسافريها القس تيري جونز وزوجته سيلفيا قادمين فرارا من ألمانيا فارا بسبب فضائح مالية ومطالبات جنائية.
وكان الزوجان ذهبا إلى كولونيا في الثمانينات لافتتاح فرع لكنيسة "لم تزل وحيدة في الولايات المتحدة" ذات اسم غريب هو مركز اليمامة للتواصل العالمي. وهي حركة مستحدثة أسسها أمريكي آخر هو دونالد نورثروب وزوجته دولوريس في العام 1985. تعتمد هذه الكنيسة في تعاليمها على "الكنيسة الخمسينية". وهو مذهب مسيحي صغير جدا. لكنه الأسرع انتشارا اليوم في الولايات المتحدة. ويعتمد في أساسه على "التواصل المباشر" مع الله، في تباعد بعض الشيء عن بعض المذاهب الأخرى التي تعتمد وسيطا "أو رجل دين" بين الانسان وربه.
لكن تلك الكنيسة الصغيرة "عدد اتباعها اليوم لا يزيد على خمسين مغفلا" ارتبطت بالفكر اليميني منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وربما لذلك علاقة بأنها باتت تحت تأثير جونز القادم من أجواء توتر موسمي في العلاقات العرقية بين الألمان والمهاجرين المسلمين، لا سيما من الاتراك.
وقد توفي مؤسس الكنيسة نورثروب عام 1996. لكن جونز، خليفته المعلن، لم يعد إلى أمريكا قبل 2001. كان منشغلا على ما يبدو في تجارة أخرى. هي بيع الأثاث على الانترنت. وعلى الأرجح أنه لم يكن نزيها كما يجب. واستخدم أسماء مزورة. واستغل أتباع الكنيسة في العمل لديه من غير أجر. فحكم عليه مرة بالغرامة لكنه هرب قبل محاكمته على تهمة النصب والاحتيال.
وكانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر فرصة له لإظهار مواهبه العنصرية. لكنه كان واحدا من ألوف العنصريين الذين فجرت تلك الهجمات مواهبهم تلك. فلم يلتفت أحد إليه. لم يكن بوزن هنري برنارد ليفي. أو مارتن آميس. أو فوكس نيوز. وربما فضل هو الهدوء بعض الشيء عل الألمان ينسونه. ويغضون الطرف عن بضعة آلاف سرقها من الذين انضموا إلى كنيسته الصغيرة في كولونيا.
إلى أن كان الإعلان عن بناء المركز الإسلامي في "غرواند زيرو". وكانت "رسالة من الله"، حسب قوله، إلى تيري جونز بأن جهوده باتت مطلوبة. رأى النصاب فرصة له في إعلان مواهبه العنصرية هو الآخر. لم لا؟ حتى لو لم يكن يفقه شيئا عن القرآن الكريم. فقد سألته "نيويورك تايمز" عن معرفته بالقرآن. فأجاب أنه لا يعرف عنه شيئا أبدا "سوى ما ذكر في الانجيل". وكأنه نسي أن الإنجيل سابق للقرآن. عنصري ونصاب وغبي كذلك هذا الجونز.
ولكنه رغم كل ذلك انتصر. هو في الواقع من انتصر في نهاية الأمر. نصر سهل لم يكلفه أكثر من كلمات مكرورة وبضعة تي شيرتات كتبت عليها عبارات عنصرية تشتم الدين الإسلامي. واضح أن الرجل كان يسعى إلى الشهرة والمال. وكسبهما في بضعة أيام. اليوم هو نجم وسائل الإعلام. ومقابلاته مدفوعة الثمن مطلوبة بشدة من قبل محطات تلفزيون كثيرة. وربما كتب مذكراته بعد قليل "ستكون أكثر متعة على الأقل من مذكرات توني بلير. لكن ذلك حديث آخر".
ماذا كان سيحدث لو أن ذلك المجنون أحرق بضع نسخ من المصحف وتجاهلناه. لن تكون تلك المرة الأولى. أحرق المصحف من قبل متطرفين كثر. ولم ينقص من كرامة القرآن ذرة.
لكن فزعة عالمية "كثير منها مصطنعة" أهدت تيري جونز ما يريد: الشهرة والمال، على حساب الإسلام. هو من ضحك أخيرا.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف