جريدة الجرائد

من يحمل سكين ذبح لبنان؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


احمد المرشد

"أمن سوريا من أمن لبنان وأمن لبنان من أمن سوريا.. نحن ننظر الى مستقبل افضل للعلاقة بيننا ولن يعيدنا احد للوراء، فسوريا تمثل لنا بوابة الاسواق العربية وتمثل سوقا عربيا مهما جدا.. والعلاقة بين البلدين علاقة استراتيجية واقتصادية واجتماعية وامنية وسياسية ودفاعية.. ويجب على المرء ان يكون واقعيا في هذه العلاقة لبنائها على اساس متين".. لم تكن هذه الكلمات المنتقاة من حوار لسعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني مجرد عبارات سياسية اطلقها مسؤول لبناني عادي، ولكنها خرجت من فم الحريري الذي اعلنها صراحة انه وكل تيار المستقبل وجماعة 14 آذار تسرعوا فى اتهام سوريا باغتيال رفيق الحريري وانهم الآن بصدد معالجة الاخطاء.
تصريح الحريري بعد خمس سنوات من وضع دمشق على رأس لائحة المتورطين فى اغتيال الحريري الاب كان اقوى من القنابل التى اغتالت الحريري غدرا. فما ان نشرت تصريحات رئيس الوزراء اللبناني حتى فتحت عليه النار، ليس لانه اعترف بالتسرع فى توجيه الاتهامات لدمشق باغتيال والده، او انه راجع نفسه لينأى بدمشق عن دائرة الاتهام خاصة مع قرب صدور القرار الظني للمحكمة الدولية، ولكن النار انهمرت على الحريري الابن لان الذين واجهوا له اللوم والعتب قالوا، انه تأخر في هذا الاعتراف لمدة خمس سنوات ليجهر بتبرئة السوريين من دم والده.
الحريري لم يخطئ عندما قال :" انه يجب على المرء ان يكون واقعيا وان عليه ان يقيم السنوات الماضية حتى لا تتكرر الاخطاء".. ولكنه اصاب الحقيقة كمسؤول حزبي وكزعيم تيار وطني وكرئيس للحكومة اللبنانية، باشارته الى ان العلاقة بين سوريا ولبنان تستوجب اجراء مراجعة. وهنا كان لافتا للانتباه ان اجراء المراجعة افضى الى الاعتراف بارتكاب اخطاء، لانه وعلى حد قول الحريري، فإن اتهام سوريا كان اتهاما سياسيا، وهنا توقف الحريري عن الكلام ولم يشر الى ما اذا كان هذا الاتهام السياسي كان معدا سلفا ام كان وليد واللحظة. بيد ان مدلول كلماته لو دققنا بين سطورها، أنه شاء اخراج دمشق من دائرة الظنون، وقد يكون هذا نتيجة سياسية متفق عليها بين بيروت ودمشق والرياض، تقديرا لدور الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل السعودية الذي لعب دورا كبيرا فى رأب الصدع بين لبنان وسوريا اولاً والحريري وبشار الاسد ثانيا وهو الاهم.
هذا الاعتراف المهم والذي جاء بعد مراجعة سياسية، ينم عن رجاحة عقل وتفكير سياسي معمق وعقلاني، لانه يؤسس لمرحلة جديدة في التعامل بين لبنان وسوريا. ولكن هذا لا ينفي حقيقة مرة اخرى، وهي ان كلام الحريري لن يلغي المحكمة الدولية كما يدعو بعض اللبنانيين تحت مقولة " وكفى المؤمنون شر القتال". فالمحكمة انشئت بقرار اممي وقرارها الظني يقترب من الاعلان وكشف الحقيقة، خاصة وان التحقيق الدولي يستند الى افادات ما يزيد عن 200 شاهد وليس اثنين او ثلاثة حتى لو كان هؤلاء شهود زور.
واذا رصدنا المواقف اللبنانية المتتالية، نلحظ ان مواقف الحريري اتسمت بالقوة، اخذة فى الاعتبار الزيارة الاخيرة لبيروت من قبل الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل السعودية ومعه الرئيس السوري بشار الاسد. فهذه الزيارة المهمة اسست لعلاقة جديدة بين بيروت ودمشق وازالت الجليد بين البلدين بصورة شبه نهائية. والحريري هنا لم يخش لوم الاخرين الذين ركبهم الغرور وطالبوه بان يلغي كافة مواقفه تجاههم، والا يأتي بعد خمس سنوات اخرى ويقول :" اننا - اي تيار المستقبل - اخطأنا في حق حزب الله ".
ونلحظ ايضا ان المعارضة اللبنانية وتحديدا حزب الله - المتهم الرئيسي الان فى اغتيال الحريري - لم تقف عند اعتراف الحريري بابعاد سوريا من دائرة الاتهامات، ولكنها تطالبه بمراجعة شاملة لكافة مواقفه السابقة، مستغلين موقف الحريري من شهود الزور، وان هؤلاء ربما وجهوا التحقيقات بصورة سلبية نحو اتهام حزب الله وخدعوا المحققين بافادات مزورة ومضللة.
مشكلة تصريحات الحريري او اعترافاته الاخيرة لو شئنا الدقة، انها اعقبت الازمة السياسية التي ما كادت تهدأ بين الحريري وبين الشيخ حسن نصر الله امين عام حزب الله، على خلفية الاشتباكات التى شهدتها بيروت اوائل رمضان الماضي بين عناصر من حزب الله وآخرين من جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية ( الاحباش) فى منطقة برج ابو حيدر ومحيطها. الازمة اسفرت عن سقوط ضحايا واضرار مادية كبيرة، مما دفع الحريري للقيام بصفته رئيسا للحكومة بتفقد مكان الواقعة وشجب الاشتباكات، وهو أمر طبيعي كان ليصدر من اي مسؤول مكان الحريري. ولكن هذا الموقف اغضب نصر الله بشدة، والذي شن بدوره هجوما حادا على الحريري واتهمه :" بانه وضع سكينا في يده ووضع عليها ملحا وحركها في داخل الجرح، وهذا ليس بتصرف لا رجال دولة ولا رجال سياسة ولا حتى رؤساء احزاب".
نصر الله بكلامه هذا جرد الحريري من كافة مسؤوليات مواقعه السياسية والحزبية والحكومية. فما كان من رئيس الحكومة الا ان صوب سهامه هو الاخر باتجاه زعيم حزب الله ولكن بدون توجيه اساءات شخصية او لفظية. فالحريري التزم بقواعد اللعبة السياسية العقلانية بعيدا عن التشنج الذي يتسم به مواقف المعارضة في معظم الاحيان. فرد الحريري لم يتجاوز بضع كلمات خاطب بها نصر الله دون ان يسميه او يشير اليه من قريب او بعيد . واقتضب الرد في الكلمات التالية :" لا احد يحدد لي الى اين اذهب، ولست ان من يحمل السكين، فانا لا اعرف ان احمل سكينا، بل احمل قلما واعطي كتابا واعلم اناسا، انا ابن رفيق الحريري رجل الدولة الاول". هذا كان رد الحريري الذي اثلج به صدره امام كلمات نصر الله، ولكن يبدو ان هذه الكلمات لم تشف غليله السياسي كزعيم تيار وطني ورئيس حكومة مسؤول امام شعبه، فما كان منه الا ان اعقب مقولة العلم والكتاب والسكين، بتحذير مبطن ينم عن قوة، فكان رده السياسي وقوله :" ان بيروت مدينة لكل اللبنانيين، لكنها ليست عرضة للسلاح ولأن تنتهك بيوت الناس فيها".
واذا كنا قد توسعنا في سرد هجوم نصر الله ورد الحريري عليه، فهو للدلالة على ما تخبئه الانفس وتجيش به الصدور، وكل هذا يتطلب كما يقول اللبنانيون ( ماكينات لاطفاء الحرائق السياسية) بين القوى اللبنانية المختلفة، خاصة وان لبنان يشهد حاليا سجالا حادا حول سلاح حزب الله، وهو موضوع شائك يستدعي تحركا سياسيا وشعبيا وحزبيا واقليميا للانتهاء منه بلا منغصات سياسية قد يتعرض لها الشعب اللبناني. ويكتب للحريري هنا انه عندما زار منطقة منطقة برج ابو حيدر التي شهدت الاحداث المؤسفة بين انصار حزب الله وجماعة الاحباش، قد توجه اليها بصفته الرسمية وفي اطار مسؤولياته الوظيفية، وهو لم يشر الى اي خلفية مذهبية للاحداث، ولكنه تحدث فقط عن السلاح الشرعي، ولم يشر ما اذا كان سلاحا شيعيا اوغير شيعي، بلا ساوى بين كل السلاح الذي روع المواطنين في قلب بيروت.
المؤكد، ان اعتراف الحريري بتبرئة سوريا من دماء والده، لم يكن ليخرج الى العلن لولا كنتيجة ايجابية ضمن ايجابيات كثيرة للزيارة المزدوجة للملك عبد الله بن عبد العزيز وبشار الاسد لبيروت . ومن ايجابيات هذه الزيارة ايضا ان الحريري عندما زار منطقة برج ابو حيدر، لم يكن يخشى اي رد فعل من جانب قوى لبنانية اخرى حتى لو كانت حزب الله، الذي يريد ان يحكم كل لبنان بسلاحه. فهو الجهة السياسية الوحيدة التى تحتفظ باسلحة ثقيلة ولا تريد للبنانيين استقرارا، ويصعب عليها ان ترى العلاقة سوية بين الحريري ودمشق. فحزب الله يريد ان يفجر الاوضاع في لبنان عشية صدور القرار الظني للمحكمة الدولية والذي يعتقد بشكل كبير انه سيطال مسؤولين في حزب الله.
من الواضح ان مشاكل الحريري لم وتنته خلال فترة بسيطة، بدليل تفاقم ازمة " بيروت منزوعة السلاح"، فرغم المطالبات بان تكون بيروت هكذا مدينة آمنة لجميع مواطنيها، فان هذا الامر يحتاج الى غطاء سياسي من كل الاطراف بمن فيهم حزب الله الذي يرفض هذا المطلب حتى الآن . فوجود السلاح في ايدي البعض يعني رغبة هؤلاء في تقسيم لبنان، وبما يعني انفلات الامور امنيا بصورة قد يصعب السيطرة عليها.
إلى الأعلى

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف