جريدة الجرائد

بن لادن مؤلفا لمناهجنا!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تركي الدخيل

أظن أن تناولي لمسألة التعليم بالأمس كان مثيراً لدى بعض القراء، لأنني لم أتناول المضمون التعليمي في المناهج التي اكتشفنا أخيراً أن بعض المتشددين يتدخلون في صياغتها، بل ناقشتُ الشكل التعليمي فقط!
التعليم وإن كانت مؤسساته حاضرة وراهنة غير أن استراتيجياتها تعبّر عن المستقبل. لن أتحدث عن النظريات الفعلية التي طرحها مسؤولون سعوديون قبل بعض الأكاديميين ، عندما تحدثوا عن "المنهج الخفي" أو ما يمكنني أن أسميه بـ"الضمير المتشدد المستتر"، الكامن بين الأسطر التي يتعلمها الطلاب في المناهج من دون تصحيح أو تعديل.
إن الوقت الذي أخذه التعليم ليتحول من زمن "الكتاتيب" إلى زمن "الحصص" أو زمن "الصفوف" ليس طويلاً، لهذا لا تزال منظومة التعليم مصبوغة بألوان الكتاتيب، والمدرسون لم يتجاوزوا ـ مع كامل التقدير ـ مهنة "المطوّع"، إلا من رحم ربي. حتى منع الضرب لم يصدر إلا أخيراً، والكثير من المعلمين لا يضعون أسواطهم عن أيديهم. إنها الطريقة القديمة للتعليم، أن يُضرب الطالب حتى ينضج جلده. وحينما أقوم بالمقارنات فإنني لا أنوي جلد الذات كما قد يتوهم البعض، بل ألفت إلى مساحات لم نتناولها بالنقد والدراسة. المسألة ليست في خواء تعليمي أساسه ضعف المناهج وبؤسها في كثير من ملامحها في المدارس فحسب، بل هي إشكالية تنتقل حتى إلى الكليات والجامعات، لتؤكد أن الإشكالية في المنظومة بكاملها، مع شديد الأسف.
إذا كنا ابتعثنا أكثر من 90 ألفا من أجل تأهيلهم تأهيلاً علمياً وأكاديمياً على المستوى المطلوب، فلماذا نتيح المجال لمتشددين أن يكتبوا مناهجنا؟ وإذا كانت وزارة التعليم احتجت بموافقة المنهج للكتاب والسنة، معتبرة أن الآراء الخاصة بالمؤلفين لا تعنيها، فهل ستقبل أن نضع اسم أسامة بن لادن على طرة أحد كتبها، ولو كان ما فيه موافقاً للكتاب والسنة؟
إن "تأليف المناهج" مسألة تربوية متوافقة مع المعلومة المعرفية، وليس التدوين للمنهج سهلاً ليتصدى له من ينثرون آراء متشددة هنا وهناك، من الذين اشتهروا بمعاداتهم لكثير من المخالفين لهم في التفكير والمذهب، فضلاً عن المخالفين لهم في الطائفة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وقصة المناهج الأخيرة تعيدني إلى التأكيد على أن زمن "الكتاتيب" وإن تجاوزناه بالشكل من حيث المباني والسبّورات والمكيّفات، غير أننا لم نتجاوزه من حيث المضمون المعرفي، ومن حيث التأسيس لجعل المدرسة ميداناً للتربية ومصنعاً للقيم لا أن تكون مكينة تكرر العقول المعلبة، وتعلم الطلاب القيم المستهلكة من دون تجديد أو ابتكار. التعليم هو بوابة الدخول إلى العصر. وأخشى أننا بينما نتفاءل بـ"بناء" الابتعاث، سنقنط من الهدّامين الذين يهدمون هنا، بينما برنامج الابتعاث يبني في الخارج.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف