في الذكرى الاربعين لرحيله: عبد الناصر الافريقي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
صبحي حديدي
في كتابه 'فلسفة الثورة'، كان الراحل الكبير جمال عبد الناصر (1918ـ1970) قد اعتبر أن مصر هي المركز في ثلاث حلقات: العالم العربي، والعالم المسلم، والقارّة الأفريقية. (ولأنّ أفكار الكتاب ولدت أواخر الأربعينيات ومطالع الخمسينيات، فلم يكن في وسع عبد الناصر آنذاك أن يضيف الحلقة الرابعة التي ستتطور فيما بعد: صيغة عدم الانحياز). وهو قال ما معناه: لا نستطيع، بأية طريقة وحتى لو رغبنا، أن نقف جانباً وبعيداً عن الصراع الدامي والرهيب الذي يندلع الآن في قلب القارّة، بين خمسة ملايين أبيض ومائتي مليون أسود. ولا نستطيع القيام بذلك استناداً إلى مبدأ واحد ولسبب واضح: إننا، نحن أنفسنا، في قلب أفريقيا.
هذا الإعراب عن الانتماء إلى أفريقيا كان نقلة جديدة بعيداً عن قول الخديوي اسماعيل، في عام 1870، إن مصر 'لا تقع في افريقيا، بل في أوروبا'. واليوم، في الذكرى الأربعين لرحيل عبد الناصر، وفي غمرة ما تشهده القارّة السوداء من مخاضات وتحوّلات وحروب ومجاعات، لا يستطيع المرء إلا أن يسجّل لعبد الناصر أنه أدخل مصر، وربما الشطر العربي الشمالي من أفريقيا، إلى القارّة السوداء و'اكتشف' الطاقة السياسية الكامنة في هذا الإنتماء. وتلك مسألة ليست بالبساطة التي تبدو عليها، وقد دارت سجالات ونقاش عميق حول طبيعة الهوية الأفريقية لمصر بالذات، ولبلدان شمال أفريقيا إجمالاً.
وليس خافياً أنّ السجال أخذ أحياناً شكلاً متوتراً، حين شارك فيه منظّرون أفارقة من أمثال النيجيري أوبافيمي أوولو، الذي طوّر نقداً شديداً لمفاهيم عبد الناصر حول الشطر الأفريقي من الهوية المصرية، وكتب يقول: 'إن الجمهورية العربية المتحدة، المخلوق الأثير عند عبد الناصر، والتي تضع قدماً في أفريقيا وأخرى في الشرق الأوسط الآسيوي، هي النقيض الصريح لفكرة الوحدة الأفريقية'.
كذلك شدّد الزعيم الغاني الكبير كوامي نكروما على النقطة ذاتها من موقع مختلف، حين قال: 'لا يمكن لأية حادثة تاريخية أن تنجح في تحويل بوصة واحدة من تراب أفريقيا إلى امتداد لأية قارة أخرى'. وفي كتابه الممتاز 'نحو سلام أفريقي'، الذي يبحث آفاق تحالف أفريقي حضاري واستراتيجي على طراز السلام الروماني والسلام البريطاني، ناقش الباحث الكيني المعروف علي مزروعي إشكالات هذا الإنتماء، وكيف يبدو عميقاً وملموساً في غرب وجنوب الصحراء الكبرى أكثر منه في شمالها، حيث الميول العربية ترجّح الإنتماء إلى آسيا والمشرق العربي والاسلامي.
خلاصات النقاش كانت تنبثق من اعتراف ضمني بأن مصر هي الأقلّ 'أفريقيةً' بين بلدان شمال أفريقيا، لأنها:
1) تمثّل امتداد الحضارة الفرعونية، ذات الأبعاد المشرقية أكثر من الأفريقية؛
2) كانت رافعة أساسية في انتقال الفتح الاسلامي إلى الشمال الأفريقي، بدل التوغّل نحو عمق القارة؛
3) تحمل وراءها تاريخاً طويلاً من الخضوع للتأثير الغربي (ومن هنا أساس كلام الخديوي اسماعيل)، وتكاد تأتي بعد جنوب أفريقيا في توفّر عناصر 'الغَرْبَنة' في أوساط نُخَبها على الأقل؛
4) كانت تاريخياً منخرطة في مشكلات وسياسات العالم العربي، في جزيرة العرب واليمن والشام والمشرق إجمالاً، أكثر بكثير من انخراطها في مشكلات القارّة الأفريقية.
ولكنّ مصر في عهد عبد الناصر تحوّلت، في الآن ذاته، إلى أكثر دول شمال أفريقيا دفاعاً عن مفهوم الجامعة الأفريقية Pan-Africanism، ومن هنا جانب البراعة في تحليل عبد الناصر للمعطيات الجيو ـ سياسية والثقافية والتاريخية لموقع مصرـ على حدود التقاء آسيا بأفريقيا. وكان الراحل الكبير، وهو 'المصري' أولاً، قد ألزم بلاده بمبدأ ناظم صريح يقول: نحن في أفريقيا؛ تماماً كما التزم به زعيم بارز مثل نكروما، رغم ملابسات هذه المقارنة. ذلك لأنه لم يكن من الممكن لعبد الناصر أن يكون 'أفريقياً' مثل نكروما، رغم وجود الزعيمين في قارّة خضعت للإستعمار على هذا النحو المتشابه أو ذاك، ورغم حسّ التضامن العميق الذي يمكن أن ينشأ (ونشأ بعدئذ، بالفعل) بينهما كمناضلَيْن من أجل التحرر. الهوية المصرية قديمة في حين أن الهوية الغانية جديدة وليدة، وعبد الناصر كان مصرياً بمعنى تاريخي أعمق بكثير من كون نكروما غانياً؛ الأمر الذي لم يكن يلغي حقيقة أنّ الأخير أفريقي بمعنى تاريخي أشد عمقاً من انتماء عبد الناصر إلى هوية أفريقية عامة.
انحياز عبد الناصر إلى الهوية الأفريقية كان قد اتخذ سلسلة أشكال ملموسة، مثل إعطاء المُنَح الدراسية للطلاب الأفارقة، وجعل القاهرة ملاذاً دائماً لنشاطاتهم ضد الإستعمار، وتحويل إذاعة القاهرة إلى أداة لمكافحة القوى الرجعية في القارّة. كذلك انخرطت مصر، على نحو نشط وفاعل، في المداولات والمؤتمرات والمفاوضات حول مستقبل الدول الأفريقية، وفي تعميق الصلة مع المراكز والتجمعات المسلمة في مختلف أرجاء أفريقيا؛ إذا وضعنا جانباً الموقف السياسي الصريح المساند للكونغو في وجه قوى الإستعمار الجديد، والموقف الإنساني من أسرة باتريس لومومبا بعد اغتياله.
ومن المفارقات الكبرى أنه لا العرب ولا الأفارقة كانوا أوّل من أدرك طبيعة الترابط الجدلي والوثيق بين الشرق الأوسط وأفريقيا، بل كان المستوطنون البيض في أفريقيا، والقوى الإمبريالية الأوروبية إجمالاً، هم السبّاقون إلى ذلك الإدراك الحاسم. وهكذا، أعربت الحكومة الإستعمارية البريطانية في السودان عن قلق عميق عشية قيام الثورة المصرية في 23 تموز (يوليو) 1952؛ وسارع الحاكم البريطاني في أوغندا إلى الإتصال بزملائه في السودان وكينيا وتنجنيقا وزنجبار، للتنسيق حول مواجهة 'هذا الخطر الداهم'. وفي واقع الأمر، كانت سياسات عبد الناصر الراديكالية المبكرة، داخلياً وعربياً وأفريقياً، قد أكدت تلك المخاوف. وتعمّق تأثير مصر، الأقليمي والقارّي، حين جمع الزعيم الراحل بين التقرّب من الوطنيين الأفارقة والتقرّب من الإتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا، وبالتالي لم يكن العدوان الثلاثي عام 1956 سوى ذروة نوعية في ترجمة هذا القلق إلى عمل عسكري ردعي مباشر.
وفيما بعد قدّم عبد الناصر دعماً صريحاً ومباشراً للنضالات التحررية في الجزائر وكينيا، حيث حظيت 'جبهة التحرير الجزائرية' بشتى أشكال الدعم، العسكري والمالي والإعلامي والدبلوماسي؛ ولم يتوقف القسم السواحيلي في إذاعة القاهرة عن تشجيع انتفاضة الـ 'ماو ماو' الوطنية ضدّ الإستعمار البريطاني في كينيا، والتي كانت مقدّمة لاستقلال البلد. وهذه المواقف ساعدت كثيراً في تقريب الهوّة بين شمال القارة ووسطها وجنوبها، وكانت مصر بمثابة الوسيط، والشريك، في تحقيق ذلك التقارب. ومن جهة ثانية كان خط عبد الناصر القومي (الذي اكتسب الآن تسمية 'الناصرية'، على نحو عريض فضفاض) قد أخذ يجتذب العديد من الزعماء الأفارقة، استجابوا بدورهم للكاريزما الشخصية العالية التي تمتّع بها عبد الناصر لدى مختلف شعوب أفريقيا، بعد آسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي.
والتاريخ يسجّل أنّ القارّة، في مطلع الستينيات، انقسمت إلى كتلتين:
ـ كتلة الدار البيضاء الراديكالية (وتألفت من مصر والمغرب والجزائر وغانا وغينيا ومالي)، ودعت إلى وحدة سياسية أفريقية متينة، ودعمت قيام حكومة مركزية قوية في الكونغو بقيادة لومومبا، وعارضت انشقاق إقليم كاتانغا (بمساندة بلجيكا، التي استعمرت البلد)، وناهضت تحالف موبوتو ـ تشومبي المؤيد للغرب.
ـ كتلة مونروفيا المحافظة (وضمّت معظم الدول الناطقة بالفرنسية، بالإضافة إلى ليبيريا ونيجيريا)، ودعت إلى نقيض سياسات كتلة الدار البيضاء، كما طرحت صيغة اتحاد فضفاض، ونظام ولايات فدرالي في الكونغو.
عبد الناصر لم يكتفِ باختيار الكتلة الأولى، بل ذهب بعيداً في مساندة لومومبا، وتعمّد بلورة خلاف متعدد المستويات مع كتلة مونروفيا، بصورة علنية، في مؤتمر الدول الأفريقية المستقلة الذي انعقد في أديس أبابا عام 1960. بيد أنّ كتلة الدار البيضاء تفككت سريعاً، كما كان المنطق الجيو ـ سياسي قد اقتضى عملياً، فأصاب الفتور علاقات مصر مع المغرب إثر وفاة محمد الخامس واندلاع القتال الحدودي بين الجزائر والمغرب، حين اتخذ عبد الناصر صفّ الجزائر. كذلك نشب خلاف مفهومي، سرعان ما تطوّر إلى خلاف سياسي وعقائدي، بين عبد الناصر ونكروما حول مشروع حكومة موحّدة لجميع الأمم الأفريقية.
وكان من الطبيعي أن يكون دعم عبد الناصر لدول شمال أفريقيا (العربية) ملموساً أكثر، ومنطوياً على أشكال تختلف عن تلك الخاصة ببقية أجزاء القارة. ومثال الموقف المصري من حرب التحرير الجزائرية كلاسيكي في هذا المجال، ومثله دعم نضال تونس من أجل إحراز الاستقلال، وإنْ كانت الخلافات شبه الإيديولوجية (حول موقف بورقيبة من الحداثة الغربية، ونظرياته الإشتراكية، وتفسيره لاستقلال الجامعة العربية...)، سرعان ما جعلت الفتور يهيمن على العلاقات بين البلدين، ولعلّها لم تتحسّن إلا عند الغارة التونسية على القاعدة البحرية الفرنسية في بنزرت، سنة 1961. وبالطبع، التأثير الناصري على حركة الضباط الليبيين، وعلى معمر القذافي شخصياً، لا يحتاج إلى تشديد؛ رغم أنّ وفاة عبد الناصر بعد عام واحد من انقلاب 1969 الليبي لم تتح الفرصة لخلاف (كان، أغلب الظنّ، محتماً) بين آراء القذافي حول النظرية الثالثة والدولة شبه الثيوقراطية، وبين فلسفة عبد الناصر الإجمالية حول السياسة والمجتمع والعقيدة.
وهكذا فإن علاقة عبد الناصر بأفريقيا انطوت منذ البداية على مفارقة الموقع والإنتماء، وظلت تتأرجح بين القطب الآسيوي (ثم العربي والإسلامي) الذي انخرطت فيه مصر والناصرية، والقطب الأفريقي الذي اكتشفه ابن النيل، وابن الفلاحين، و'القائد الأسمر' كما كان يحلو للجموع أن تصفه. وحين توفي، في مثل هذه الأيام قبل 40 سنة، كانت فكرة الجامعة الأفريقية قد فقدت الكثير من بريقها الذي اكتسبته أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات. ولو قُيّض للمنظّر النجيري أوبافيمي أوولو أن يحضر جنازة عبد الناصر، وأن يراقب سياسات السادات طيلة عام واحد فقط، لكي لا نتحدّث عن عهده بأكمله، أو عهد خَلَفه حسني مبارك، لأدرك بقوّة أن مصر كانت في قلب أفريقيا... ليس اتفاقاً وعَرَضاً في الواقع، بل بفضل خيار ناصري تبلور بتؤدة وعمق وثبات، منذ منتصف الأربعينيات.
وبفضل الثمار العملية لهذا الخيار الستراتيجي، أُتيح للشخصية المصرية الحديثة أن تنخرط في تأسيس صياغات تحالفية توحيدية، بين تيارات فكرية وقوى سياسية واجتماعية وثقافية تذهب مذاهب شتى في تأويل شخصية مصر، استناداً إلى مرجعيات فرعونية نوبية، أو أفريقية سوداء، أو متوسطية مشرقية، أو قومية عروبية، أو إسلامية بصفة عامة. وعند جمال حمدان، المفكر المصري الكبير الراحل، بَدَت مصر وكأنها تعطي لكلّ أبنائها، ولكلّ جوارها الحضاري أيضاً: إنها 'فرعونية بالجدّ، لكنها عربية بالأب. غير أن كلا الأب والجدّ من أصل مشترك ومن جدّ أعلى واحد. فعلاقات القرابة والنسب متبادلة، وما كان الإسلام والتعريب إلا إعادة توكيد وتكثيف وتقريب. ولهذا فإنّ التعريب، وإن كان أهمّ وأخطر انقطاع في الإستمرارية المصرية، لا يمثّل ازدواجية بل ثنائية، فلا تعارض ولا استقطاب بين المصرية والعربية، وإنما هي اللحمة والسداة في نسيج قومي واحد'.