جريدة الجرائد

الانتخابات التونسية على إيقاع ساخن بين الإسلاميين والعلمانيين

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

توفيق المديني

في الوقت الذي تطالب فيه النخب والقوى السياسية العلمانية التونسية حركة النهضة تقديم تطمينات حقيقية بشأن بناء الدولة الديمقراطية في تونس، وتجسيد القطيعة مع الخطاب المزدوج الذي حكم مسيرتها طيلة العقود الثلاثة الماضية، انفجر الصراع بين الإسلاميين المتشددين والليبراليين التونسيين في بداية الصيف الماضي، على خلفية عرض فيلم سينمائي في قاعة سينما فندق أفريكا :NI DIEU .NI MAITRE،"لاربّي،لاسيدّي "للمخرجة نادية الفاني،الممول من وزارة الثقافة التونسية بنحو 600000دينارا،ومن جهات فرنسية.فقد جاهرت هذه المخرجةالتونسية بالإلحاد، وكاد الفيلم الذي عرضته أن يتسبب في حالة من الاقتتال الأهلي .ورغم محاولات هذه المخرجة امتصاص الغضب الشعبي الذي لم يتوقف عند حدود الإسلاميين المتشددين بل تعداها إلى نسبة مهمة من المتابعين للقضية، فقد أجمع الإسلاميون السلفيون في تحليلهم وأحكامهم على الفايسبوك"بخروج هذه الملحدة من الملة وجواز قتلها جراء المجاهرة بالإلحاد وإهانة الذات الإلهية والتجاهر بما ينافي الحياء".
غير أن الصراع تفجرّ مجدّداً، عندما رفضت إدارة كلية الآداب بمدينة سوسة تسجيل طالبة منقبة ،وبعد بث فيلم "برسبوليس" مساء الجمعة الماضي وهو فيلم تمت دبلجته إلى اللهجة العامية التونسية،وهو من تأليف وإخراج الإيرانية مارجان ساترابي.ويروي الفيلم قصة شابة إيرانية متحررة عاصرت الثورة الإسلامية الإيرانية التي أطاح فيها الإمام الخميني بنظام الشاه سنة 1979. إذ هاجم يوم السبت الماضي حوالي 300 من الإسلاميين المتشددين مقر محطة "نسمة تي في" الفضائية التونسية في شارع محمد الخامس وسط العاصمة تونس، وحاولوا إحراقها.
الوقائع والصراعات تقول أن هناك فرزاً واضحاً في تونس، بين التيارالعلماني الذي يجمع في سيرورته الليبراليين والديمقراطيين والاشتراكيين المتشبعين بروح الثقافة الغربية، وبين التيارات الإسلامية المعتدلة والمتشددة.وهذا الفرز هو نتيجة لعملية التجاذبات السياسية والأيديولوجية القائمة داخل الهيئة العليا للدفاع عن أهداف الثورة، ماجعل الصراع بين العلمانيين والإسلاميين يأخذ أبعاداً أيديولوجية عنيفة تتعلق بالتصور حول البديل المجتمعي لتونس ما بعد الثورة.
غير أن الذي زاد من حدة هذه التجاذبات انبثاق الظاهرة السلفية في تونس في مرحلة ما بعد الثورة، والتي تحاول أن تثبت وجودها من خلال انتهاجها أسلوب التطرف والمزايدات في الميدان الديني نفسه على حركة النهضة، التي يقودها الشيخ راشد الغنوشي، والتي تحاول أن تقدم نفسها، من خلال خطابها المعلن على أنها حركة إسلامية معتدلة تؤمن ببناء الدولة المدنية. إنها الحركة الإسلامية التي تحظى بحضور شعبي وتمثيل سياسي حقيقي في المدن والأرياف، على نقيض الجماعات الإسلامية المتشددة(حزب التحرير، وخلايا تنظيم القاعدة) التي تستغل الفراغ السلطوي القائم في تونس في هذه المرحلة الانتقالية للقيام ببعض أعمال العنف، تخدم موضوعيا عودة النظام البوليسي السابق.
وكان زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس الشيخ راشد الغنوشي تعهد يوم الإثنين 23 تشرين الاول الجاري، خلال لقائه بمسؤولين وديبلوماسيين غربيين في تونس، بدعم قيم الحداثة وتعزيز حرية المرأة وإقامة علاقات جيدة مع الغرب. فقد قال الغنوشي، إن "قيم الحداثة وتحرر المرأة بدأتها تونس خلال حكم الرئيس الحبيب بورقيبة، ولا رجعة فيها. سندعم هذه القيم". واعتبر الغنوشي، أن النموذج التركي هو أقرب نموذج لحركة النهضة، مشيرا إلى أن هناك نقاط تشابه كثيرة بين "النهضة" وحزب العدالة والتنمية في تركيا، مثل الحفاظ على مكتسبات الحداثة وتحرر المرأة الذي لا تراجع عنه. وقال "لا غرابة في هذا التشابه مع تركيا، فكتبي هي من ابرز مراجع حزب العدالة والتنمية".
ويعيش التونسيون بين الفخر بأنهم فجروا أول ثورة شعبية في مرحلة ما بعد نهاية الاستعمار الكولونيالي على العالم العربي، وبأنهم المبادرون في تفجير طاقات ربيع الثورات العربية، وبين القلق من التطورات الأخيرة بسبب الوثبة القوية للتيارات السلفية التكفيرية،عشية التصويت للمؤسسات الديموقراطية الجديدة التي تعتبر بمنزلة الاختبار الحقيقي لربيع الثورات العربية.
فبعد ثورة 14كانون الثاني 2011 التي أطاحت بنظام الديكتاتورية البوليسية نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي سيتوجّه الناخبون التونسيون في 23 تشرين أول الجاري، لانتخاب أعضاء أول مجلس وطني تأسيسي تونسي يتألف من 218 مقعدا، منها 19 مقعدًا ستخصص للمغتربين. وسيتولى هذا المجلس الوطني التأسيسي صياغة دستور جديد للبلاد، وتركيز مؤسسات الحكم الإنتقالي، وتحديد الملامح العامة للسياسة التونسية خلال المرحلة المقبلة. وتشير الإحصائيات إلى أن المرشحين الذين ينتمون إلى الأحزاب السياسية والمستقلين توزعوا على حوالى 1424 قائمة في الدوائر الـ27 داخل البلاد. وتأتي القوائم الإنتخابية الحزبية في صدارة الترتيب بـ787 قائمة تليها القوائم المستقلة بـ587، فيما بلغ عدد القوائم الائتلافية 54 قائمة، علماً أن عدد الأحزاب في تونس يبلغ حاليا 111 حزباً.
وجاءت ولادة فكرة إنشاء الجمعية التأسيسية، من أن الشعب التونسي يريد شرعية جديدة، لا أن يقوم بإصلاحات للنظام السابق، لا سيما أنه بعد فرار بن علي، طرحت الحكومة المؤقتة إجراء انتخابات رئاسية خلال مدة شهرين كما ينص على ذلك الدستور القديم . ولما كان الشعب يريد شرعية جديدة، أصبحت المهمة الملقاة على عاتق الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني تتمثل في الإعداد لانتخاب مثل هذه الجمعية التأسيسية. فلأول مرة في تاريخها سوف تعرف تونس انتخابات حرة ونزيهة، من دون تلاعب بالأصوات. وقد اختار ت "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة"القانون النسبي في الاقتراع، لتجنب فوز حركة النهضة الإسلامية بالأغلبية في المجلس، فضلاً ع، أن القانون النسبي هو أكثر النظم توازنا ويمنح كل الأحزاب الحظوظ القصوى بالتمثيل والوصول إلى الجمعية التأسيسية.
في هذا الاستحقاق الانتخابي ألأول ما بعد سقوط الديكتاتورية، تتجه الأنظار كلها إلى حركة النهضة الإسلامية بزعامة الشيخ راشد الغنوشي، التي على الرغم من أنها لم تلعب أي دورفي إسقاط نظام بن علي، إلا أنها أصبحت تحتل المرتبة الأولى في المشهد السياسي التونسي منذ نجاح الثورة. وبالنسبة للطبقة السياسية ومعظم المراقبين العرب والأجانب، فإن حركة النهضة هي المرشح الأقوى في الفوز بهذه الانتخابات بنسبة تتراوح ما بين 20 إلى 25 في المئة .و يأتي في المرتبة الثانية الحزب التقدمي الديمقراطي(اشتراكي ديمقراطي ) بزعامة المحامي نجيب الشابي الذي يطمح إلى رئاسة تونس في المرحلة المقبلة،والذي يحظى بدعم أوروبي -أميركي، وإن كانت حظوظه غير قوية بسبب مواقفة المتقلبة، وعدم ثباته على موقف معين، ثم يأتي في المرتبة الثالثة حزب التكتل من أجل العمل والديمقراطية، عضو الاشتراكية الدولية بزعامة الدكتور مصطفى بن جعفر، وهو مدعوم من فرنسا.و يأتي بعد هذه الأحزاب الثلاثة، القطب الديمقراطي التي تشكل حركة التجديد(الحزب الشيوعي سابقا) بزعامة الدكتور أحمد إبراهيم،نواته الصلبة . وتأتي فيما بعد الأحزاب التي تفرخت عن حزب التجمع الدستوري الحاكم سابقا،حيث تفرع عنه 25 حزباً. لكن من بين هؤلاء جميعاً، يمكن لحزب المبادرة الذي أسسه السيد كمال مرجان الوزير السابق للدفاع والخارجية، والمدعوم بقوة من الولايات المتحدة الأميركية لكي يكون رئيس تونس في المستقبل، أن يشكل خرقاً معيناً نظراً للقاعدة الدساتورية القديمة، ولزبائنة النظام السابق الذين يمكن أن يصوتوا لمصلحته.
رغم أن التونسيين يجاهرون ببناء نظام ديمقراطي جديد، يقوم على صياغة دستور ديمقراطي جديد يضمن احترام حقوق الإنسان، وصون الحريات العامة والخاصة، ويوجب المجتمع المساواة في الأحوال والشرائط، لا سيما المساواة بين الرجل والمرأة، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة، وبالفصل الجوهري بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، والفصل الحقيقي أيضا بين العقد السياسي الثابت وبين الحياة السياسية المتغيرة بتغيير الغالبيات الطارئة، ونبذ استخدام العنف مهما كان مصدره للوصول إلى السلطة،فإن المراقب الموضوعي للنقاشات والصراعات بين الحركات والتيارات السياسية داخل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، يصل إلى نتيجة مفادها أن محطة الانتخابات المقبلة للمجلس الوطني التأسيسي يوم 23 أكتوبر 2011، ستدخل الثورة التونسية في مرحلة جديدة قوامها الشرعية السياسية التي افتقدتها خلال المرحلة الانتقالية ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري السابق.
بيد أن انتقال الثورة التونسية من مرحلة الشرعية الثورية إلى مرحلة الشرعية السياسية والمؤسساتية، لا يعني أن هذه الثورة أصبحت تمتلك مشروعا لبناء مجتمع ديمقراطي جديد.فلا حركة النهضة الإسلامية التي عانت من القمع البوليسي الشديد طيلة المرحلة السابقة تمتلك مثل هذا المشروع الديمقراطي، ولا القوى العلمانية على اختلاف مكوناتها قادرة على تمرير هذا المشروع الديموقراطي، لأنها لاتزال قوى نخبوية ومعزولة عن حركة الشعب، بسبب عملية التهميش التي عانت منها سابقا.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف