جريدة الجرائد

الحكومات أم العقليات؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

علي الطراح

استحوذ المشهد المصري على اهتمام العالم وأوقع الدول الكبرى في حيرة حيث كان الارتباك واضحاً. وعلى المستوى المصري كانت الحيرة ظاهرة والحال نفسه في بقية الدول العربية حيث لمصر موقعها وثقلها السياسي، وحدوث أي تحول منفلت له تداعياته التي تقود إلى تغير في مناطق عربية أخرى.

وفي المشهدين التونسي والمصري تشابه نحصره في قيادة التغير من قبل فئة الشباب ذات الثقافة الرافضة والمتعاضدة عالمياً رغم تنوعها الاجتماعي. والحقيقة أن ثقافة الشباب تمثل مدخلاً لتحليل وفهم ما يحدث في عالمنا العربي. هذا المشهد يذكرنا بثورة الشباب في أوروبا حين كانت الحركة الشبابية تعبر عن رفض اجتماعي للسيطرة وعن طموحات هذه الفئة المحاصرة بالسياج المجتمعي.


للشباب ثقافة خاصة تعبر عن نوع من اللغة والقيم والتصرفات يغلب عليها روح التمرد والعناد. فالشباب يعاني اليوم من حصار كبير في فهم طموحاته وهو يعيش في ضياع وحالة فقدان للهوية، وهذا ما يفسر نجاح القوى الراديكالية الدينية أحياناً في ضم الشباب لصفوفها، فهي تستغل طبيعة التغييرات النفسية، وفي الوقت نفسه تعجز حكوماتنا العربية عن فهم حقيقة التغير في عقول الشباب فتتركهم فريسة لمثل هذه المنظمات الإرهابية دون أن تعي خطورة سياساتها التي تدفع بالشباب، بشكل مباشر أو غير مباشر، نحو التهور.

وطبعاً نحن لا ننظر للشباب باعتباره دائماً هو مصدر الإزعاج والمشكلات الاجتماعية، مثل الجريمة والمخدرات، فهم أيضاً مصدر للتغير وقيادته، لكن إلى أين يقود التغير إذا ما غابت القوة الراشدة المتمثلة في الدولة كونها مازالت غير قادرة على استيعاب دور القوى الجديدة والتي دخلت في تواصل عالمي ولا يمكننا عزلها أو حصارها. ومن هنا نجد لزاماً علينا التعامل مع طموحات الشباب لتجنب أي انفجار اجتماعي غير متوقع.

وفي الحالة المصرية نجد أن التواصل الإلكتروني بين الشباب هو أكبر دليل على أن عالم الإنترنت أصبح المحرك والمنظم لحركة الشباب، ومن ثم فمن الخطأ محاصرة التواصل الإلكتروني. ولعل قطع التواصل الإلكتروني يعبر عن عجز في فهم طبيعة التغير الذي يحدث في العالم. ففئة الشباب تجد نفسها أمام تحدٍ جديد، فهي محاصرة على أرض الواقع، وإذا انتقل الحصار ليشمل عالمها الافتراضي الذي تجد نفسها فيه، فتلك حالة يصعب التعايش معها. ولعلنا نستشهد بدراسة لعالم النفس "فرد ملسون" يقول فيها إن التحولات العالمية قادت الى زعزعة الهوية لدى الشباب الذين يعيشون في عالم مضطرب مليء بالخوف والقلق، لكن الخوف لن يمنعهم من كسره بوسائل مختلفة وليس أمام الدول سوى التعامل مع التغييرات الاجتماعية التي تفرضها العولمة بقيمها المتناقضة.

وبالعودة للحالة المصرية، نجد أننا نعيش أمام أزمة كبيرة حيث لا يبدو أن تغيير الحكومة يقلل من حدة المشهد لأن السياسات تقريباً لم تتغير، وتغيير الحكومات ليس هو العلاج بقدر ما نحن بحاجة إلى تغيير في العقليات الصانعة للسياسات العامة التي تنتهجها الدول. ربما يهدأ الحال، لكن الهدوء ليس نهاية المطاف حيث مازالت فتائل التفجر فاعلة. ومن ذلك ما قاله مبارك في خطابه عندما أشار إلى مشاكل الفساد، واعتراف بدورها في تخريب السياسات العامة، لاسيما وأن مصر تعاني من بطالة، ومشاكل اجتماعية مختلفة، وتزايد سكاني كبير... مما يدعو الجميع للقلق حيث إن أي انفلات في مصر له تداعياته الخطيرة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف