جريدة الجرائد

من أوهام الثورات: «فيس بوك» و«تويتر»

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مشاري الذايدي



هناك أوهام كثيرة قيلت حول ما يوصف بأنه ثورات عربية في العالم العربي، مثل أن ما يجري هو فجر ديمقراطي جديد، أو أنه "ربيع عربي" وليد، سيثمر لنا زهور الحرية وورود الحداثة، أو على حد تعبير الجملة المصرية الشعرية: "الورد اللي فتح في جناين مصر"..

أوهام لأنه من المجازفة الجزم بأن علل الثقافة العربية قد زالت بضربة واحدة هي سقوط حكم بن علي في تونس، ومبارك في مصر، أو احتمالية سقوط حكم القذافي في ليبيا، وصالح في اليمن، والأسد في سوريا.. فما حدث هو "إسقاط" لحكم هؤلاء الرؤساء (هل نقول عن الأخ العقيد معمر إنه رئيس؟!) من قبل طرف آخر حملهم كل الشرور، ووصف الشر والفساد جدير بأغلبهم حقا، لكن هل هم فقط من يتصفون بعلل السياسة العربية؟ وهل هم نتيجة لخلل العقل العربي السياسي أم سبب له؟

أهمية السؤال تأتي لأهمية توجيه مشرط الجراح وسماعة الطبيب إلى موضعهما الحقيقي. فهل الخلل في الأفراد الذين حكموا هذه المجتمعات العربية أم في الثقافة التي أنتجتهم؟ أيضا أهمية هذا السؤال تأتي من مشاهدتنا لجماهير رفعوا صور جمال عبد الناصر في جموع الغاضبين المصريين على مبارك، باعتبار عبد الناصر النقيض الموضوعي لاستبداد مبارك! أو توقع آخرين أن فكر ورثة حسن البنا وسيد قطب، في مصر، أو الزنداني في اليمن، هو البديل المناقض للحكام الظلمة الاستبداديين أعداء الحرية..!

هل يعني هذا أنه كان لا بد من الإبقاء على مبارك وصالح مثلا؟! بتاتا، لكنه يعني أنه ليس صحيحا أن العلة فقط في مبارك أو صالح، بل في الثقافة التي أنتجتهما، وستنتج غيرهما، وبشكل أكثر ضررا، ربما بسبب الاستناد إلى شرعية الثورة وشرعية السماء.

بكل حال، كانت هناك رغبة في التوقف عند وهم آخر من أوهام "الثورات" العربية الحالية، وهو أن الإنترنت، خصوصا (الـ"فيس بوك"، و"تويتر")، هو الذي أخرج الناس إلى الشوارع وأسقط الأنظمة الحاكمة، وهو وهم استبد بالجميع، أو أغلبهم، للدرجة التي غيبت العوامل الأخرى في ما جرى، وهي عوامل كثيرة جدا، وليس الإنترنت وحده هو من فعلها، وقد سبق أن شرح الكاتب محمد الرميحي، في هذه الجريدة، أسطورة أن الإنترنت فقط هو الذي أشعل الثورات العربية، فهناك عوامل تتعلق بالاقتصاد ويأس الفقراء و"الحقرة" التي كان الحكام يمارسونها على الناس، إضافة إلى ما أصفه بـ"العدوى" الإعلامية على طريقة قول المعري، حكيم الشعر العربي:

تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد

بعدوى فما أعدتني الثؤباء!

لكن مهما قلنا عن وضع "فيس بوك" و"تويتر" في دورهما الطبيعي، سيظل هناك من يلح على وصف ما جرى بثورة الـ"فيس بوك"، الأمر الذي أورث مرتادي هذه المواقع نوعا من الاعتداد بدورهم المبالغ فيها إلى الدرجة التي جعلتهم يشعرون بنوع من التعالي على من لا يستخدم حسابا في الـ"فيس بوك" أو "تويتر"، وأنه جاهل وغائب عن العصر، حسب ما نبه إليه بذكاء الكاتب السعودي ممدوح المهني في مقالته قبل أيام بجريدة "الرياض" السعودية بعنوان: "تقنية أنت (متخلف) إذا لم يكن لديك حساب بالـ(فيس بوك)"!


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف