جريدة الجرائد

عندما يتراجع «اللاعقون» لأحذية الحكام!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

شريف عبدالغني

"إذا نظرت للمرآة سأرى نفسي أجمل واحد في الدنيا".. كلمات قالها قبل سنوات الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم. لم يكن يقيـّم نفسه كشاعر وإنما كان يتحدث عن "نجم" صاحب المبدأ. إنه بالفعل أحد أجمل البشر في مصر والوطن العربي كمبدع، لكنه يبقى حالة خاصة في علاقته بالسلطة وسط جيله الذي يضم طابورا طويلا من شعراء وأدباء وفنانين طالوا بموهبتهم عنان السماء.
حينما توفي عبدالناصر كان "نجم" قابعا في إحدى زنازين الزعيم. جاء السادات وأخرجه من ظلمات المعتقل. الدنيا مفتوحة أمام "الشاعر الفاجومي".. قصيدة واحدة في حق "فرعون مصر الجديد" كفيلة بأن تعوضه عن كل العذابات التي لاقاها في حياته والآلام التي أوجعته والحرمان الذي حاصر طفولته في ملجأ الأيتام. لكنه لم ينظمها. لم يمتدح السادات بل سلط عليه كرابيج أشعاره، ثم تحول "الفاجومي" -والكلمة في الثقافة المصرية تعني الشخص الصريح الذي يقول للأعور في عينه أنت أعور- إلى لسان حال المهمشين الذين تضرروا من سياسات السادات. ذاعت أغانيه مع رفيق دربه الشيخ إمام عيسى لتعكر صفو نظام الحكم، فيعود إلى المعتقل من جديد بتهمة تعد من مساخر عصر السادات "تكدير الأمن العام".
هل اعتذر "نجم" وكتب أي بيتين إشادة بـ "الرئيس المؤمن بطل الحرب والسلام" -حسبما صوّره كثيرون من أقرانه- حتى يخرج من السجن. كعادته لم يفعل، بل وبعدما برأته المحكمة آثر حياة المنافي. خرج من مصر، التي يعشقها وغفر لها ظلمها لأولادها الحقيقيين الطيبين وتفضيلها عليهم ناهبي خيراتها وناهشي لحمها. في الغربة لم يدفعه حنينه إليها إلى طلب العفو من السادات، بل أعطى ملمحا جماليا آخر عن نفسه. زار في الخيال ضريح جمال عبدالناصر: "السكة مفروشة تيجان الفل والنرجس.. والقبة صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس.. والمشربية عرايس بتبكي.. والبكا مشروع.. مين دا اللي نايم وساكت والسكات مسموع.. سيدنا الحسين.. والا صلاح الدين.. والا الإمام.. دستور ياحراس المقام.. ولاّ الكلام بالشكل ده ممنوع".
هنا عظمة "نجم". لم تمنعه سنوات السجن من أن يعطي لعبدالناصر حقه ومقامه. كما أن إخراج السادات لشاعرنا من المعتقل لا يعني أن يصمت على خطايا عهده.
إذن من حق أحمد فؤاد نجم أن يرى نفسه أجمل واحد في الدنيا. فلم يبع نفسه أو موهبته لحاكم. عاش حراً وانتمى للناس فقط، فسجل اسمه بأحرف من نور وذهب وياقوت ومرجان وكل كنوز علي بابا في سجل الخالدين، خاصة أنه كان أحد أشرس المعارضين للرئيس المخلوع حسني مبارك، وكانت قصيدته "عريس الدولة" عن جمال مبارك أحد عوامل تجييش الشعب لرفض توريث نجل الرئيس السلطة.
ما مناسبة كل هذه السطور عن الشاعر الكبير؟
الحقيقة أن هناك أمرين دفعاني للكتابة عن "الفاجومي"، الأولى الفيلم الذي يحمل نفس الاسم ومأخوذ عن مذكراته ويبدأ عرضه هذا الأسبوع ويقوم ببطولته نسخة من روح وإبداع ومواقف "نجم" وهو الفنان خالد الصاوي. أما الأمر الثاني فيرتبط بسياسيين عرب هم على النقيض تماما من مواقف أحمد فؤاد نجم. الشاعر الكبير صاحب مبدأ طوال حياته ولم يلقِ نفسه في حضن أي نظام. أما المسؤولون الذين أعنيهم فقد ترعرعوا في كنف حكام مستبدين وطغاة متوحشين، ثم فجأة خرجوا دون حُمرة خجل ليبرروا لعقهم أحذية سيدهم الحاكم بالقول إنهم عملوا معه أملاً في إصلاح النظام من الداخل. آخر هؤلاء شكري غانم رئيس مؤسسة النفط الليبية، الذي خرج قبل أيام ليعلن انشقاقه عن القذافي وأخرج من جعبته كالمعتاد ورقة "الإصلاح من الداخل" كمبرر لعمله سنوات طويلة في خدمة الديكتاتور وصلت لحد توليه رئاسة الحكومة. إنها نفس الورقة التي استخدمها خالد الذكر مصطفى الفقي، الذي كان أحد منظـّري حزب مبارك، ولما تأكد من سقوطه راح يزيد ويعيد ويرغي ويلـتّ ويعجن بحكاية أنه عمل معه بهدف "الإصلاح من جوّه النظام". كان يأمل بهذا التبرير أن يفوز بكرسي "مكلمة جامعة الدول العربية"، وهو الكرسي الذي سيشبع نهمه في الكلام عمّال على بطـّال.
إذا كان أمثال هؤلاء السياسيين قد عكروا استمتاعنا بسيرة "الفاجومي الحر"، فمن الواجب أن أصلح هذا الخطأ وأعيدكم إلى عالم "نجم" الساحر وهو يحكي عن بلده وحبيبته وإحدى ليالي القبض عليه: "بلدي وحبيبتي.. الغرام في الدم سارح.. والهوى طارح معزّة.. والحنين للقرب بارح.. والنوى جارح يا عزة.. يابتسامة فجر هلـت بددت ليلي الحزين.. يا ندى الصبح اللي شقشق فوق خدودي الدبلانين.. بلّ شوقهم.. صحـّى لون الورد فوقهم.. مين يدوقهم.. مين سواكي.. يا حياتي يا ملاكي.. يا نسيم الحب لما هب هز القلب هزة.. يا هوى الأحلام يا عزة.. ومين سواكي.. الليلة دي يا حبيبتي جم خدوني جوز تنابلة ونص دستة من التيران.. كنت بحلم يا حبيبتي.. كنت بحلم بيكي انتي.. ومين سواكي.. يا حياتي يا ملاكي.. يا نسيم الحب لمّا هب هز القلب هزة.. يا هوى الأحلام يا عزة.. كنا قال إنا وانتي قال في جنينة خضرا ومحاوطها البرتقان والسيسبان.. وانتي جوا قرنفلاية في العبير بتستحمي.. اجري يمك يا هوايا تسبقيني وتجري يمي.. أحضنك واشرب عبيرك من شفايفك.. والغصون واقفة شايفة بتراعينا.. بس خايفة من العيون.. والعيون بتقول كلام.. والكلام طاير حمام.. بيهادينا بالمحبة وينادينا بالسلام.. وانطلق في الجو فجأة يا حبيبتي صوت مفاجأة.. صوت يخلّي الدم يجمد.. اصحى ياحمد اصحى ياحمد.. انتو مين؟.. فين إمام؟.. إحنا ناس مكلفين.. تيجي سالك مش هاتتعب.. واحنا طبعا معذورين.. انتو دود الأرض والآفة المخيفة.. انتو ذرة رمل في عنين الخليفة.. انتو علة في جسم بلدي.. انتو جيفة.. سكتوه ابن الكلاب.. سففوه من التراب.. فتشوا كل الأماكن.. طلعوا رفوف الدولاب.. كمموني يا حبيبتي.. كتفوني.. قوموني.. قعدوني.. كل شعرة في جسمي بالعين فتشوها.. والمخدة من جنانهم شرحوها.. وانتهى التفتيش.. مافيش.. صدقيني ماتخافيش.. هو انا يا عزة عندي ممنوعات.. غير بحب الناس واكره السكات..
بص واحد من التنابلة جوا عيني.. وانتي عارفة عنيـّا صافية وطيبين.. شباكين عالقلب دوغري منورين.. كان مناه يلمح علامة خوف بسيطة.. طب هاييجي الخوف منين ابن العبيطة.. هو مين فينا الجبان.. ولاّ مين فينا اللي خان.. اللي قلبه بالأماني وبالربيع الأخضر مزهر والأغاني.. ولاّ كلب الصيد وأسياده الأباطره أكّالين لحم البشر فوق الصواني.. هو بص في عيني بصة وانحمق وفي حلقه غصة.. واتعوج ومال وقال كلمتين مش مفهومين.. أصله شاف صورتين جمال في العيون الطيبين
.. مصر في العين الشمال.. وانتي في العين اليمين!!"

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف