في شرعية الخروج على الحاكم
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
عبدالحميد الأنصاري
في أعقاب الثورات التي اجتاحت بعض الدول العربية واتخذت أساليب المظاهرات والمسيرات والاعتصامات تعبيراً عن الاحتجاج على النظام القائم ونجح بعضها في إسقاط النظامين التونسي والمصري، برزت ldquo;فتاوى المظاهراتrdquo;، وهي الفتاوى التي صدرت عن علماء دين وأثارت ردود فعل حول شرعية المظاهرات وحكمها في الإسلام.
في السعودية أصدرت هيئة كبار العلماء، وهي أكبر جهة دينية، فتوى بتحريم المظاهرات وساندها علماء في بعض الدول العربية، وهي فتوى تتسق مع الموقف التقليدي للاتجاه السلفي الذي يرى أن ولي الأمر يحكم مدى الحياة، وهذا ثابت بالنص والإجماع؛ أما النص ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حكم حتى توفاه الله تعالى، وأما الإجماع فعمل الخلفاء الراشدين الذين حكموا حتى وفاتهم، كما أن المظاهرات تمثل نقضاً لحق السمع والطاعة للحاكم مصداقاً لـrdquo;أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكمrdquo; وrdquo;عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهكrdquo;، كما أنها تؤدي إلى الفوضى والإضرار بمصالح البلاد والعباد، وهي أسلوب مستورد من ldquo;دول الكفرrdquo;، تبدأ سلمية ثم تنتهي بإراقة الدماء، وهي أمر مبتدع لا صلة له بالإسلام، ويؤدي إلى اختلاط الرجال بالنساء، وقد حرم الإسلام منازعة الحاكم في سلطته للحديث المشهور ldquo;وأن لا ننازع الأمر أهلهrdquo;، وتداول السلطة وأختها المظاهرات هي من النظام الديمقراطي المخالف للإسلام وتؤدي إلى سباق الناس على السلطة.
في الجانب الآخر، رفض علماء من تيار الإسلام السياسي هذه الفتوى وأصدروا فتاوى بشرعية المظاهرات والاعتصامات، ومنهم من أفتى بوجوبها وقال ldquo;إن النزول إلى الشارع يوم الجمعة- جمعة الرحيل والخلاص- واجب شرعاً على كل قادر لا عذر لهrdquo;، ولم يتورع بعضهم من تسخير منابر الجمعة في شحن وتعبئة الجماهير والتحريض السياسي على إسقاط النظام، بل والتخلص من الحاكم المعتصم بعسكره، ومنهم من أخذته الحماسة الثورية فلم يكتفِ بالخطب الثورية فقرر أن يشارك الثوار فانسل إلى ميدانهم وخطب فيهم وصلى بهم فاستحق وصف ldquo;شيخ الثوار والأحرارrdquo;.
وإذا كان للفقهاء المحرمين للتظاهر حججهم فإن المجيزين عندهم مثلها وأكثر، فالقرآن والسنّة حافلان بالنصوص المحرِّمة للظلم والمتوعدة بالعذاب ولا يمكن لدين من شأنه الخلود أن يقر السكوت على الاستبداد وشيوع الفساد، ولهذا شرع الإسلام مبدأ ldquo;الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرrdquo;، ولا معروف أعرف من ldquo;العدلrdquo; ولا منكر أنكر من ldquo;الظلمrdquo; كما قال الإمام محمد عبده، كيف لا يكون التظاهر مشروعاً وقد أعطى الإسلام كل فرد الحق في إبداء رأيه وجعل من أظهر سمات المجتمع الإسلامي الجهر بالحق وعدم السكوت على الظلم والفساد؟!
بل إن الإسلام لم يكتفِ بتقرير هذا الحق، بل فرضه فرضاً بحيث يأثم المجتمع إذا تقاعس واتخذ موقفاً سلبياً من تجاوزات السلطة متمثلة في احتكار الحكم والمال والنفوذ واستشراء الفساد والمحسوبية والرشاوى والإثراء غير المشروع وإذلال الناس وقهرهم وتحقيرهم وانتهاك كراماتهم، وفي الحديث ldquo;والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً ثم تدعونه فلا يستجاب لكمrdquo;، وأما القول بأن المظاهرات تنقض حق الطاعة للحاكم فغفلة عن النصوص التي جعلت الطاعة غير مطلقة بل مقيدة بحدود قواعد الحق والعدل والحرية، فلا طاعة في التجاوزات الظالمة بنص الحديث ldquo;إنما الطاعة في المعروفrdquo;، وبنص القرآن ldquo;ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحونrdquo;، والحكام الظلمة يفسدون ويسرفون في الفساد فكيف لا يباح التظاهر ضدهم؟ ثم كيف يكون الحاكم بمنأى عن المحاسبة، وهذا أبوبكر الصديق رضي الله عنه يطالب الأمة بمراقبته وتقويمه إذا انحرف، وهذا عمر رضي الله عنه يقول ldquo;من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومهrdquo;. وصحيح أن التظاهرات أسلوب حديث ومستورد في محاسبة الحاكم، لكن الأساليب تختلف باختلاف الزمان، ونحن غير متعبدين بأسلوب معين للتعبير عن الرأي في تقويم السلطة.
صحيح أن المعارضة الفردية كانت مجدية في عهد الراشدين لشيوع التقوى وخوف الحاكم من الله تعالى ولصغر المجتمع ومعرفة الناس بعضهم بعضا، لكن أسلوب المعارضة الفردية أصبح عقيماً في عصرنا، إن الفرد الوحيد لا يستطيع أن يقدم أو يؤخر ما لم تسنده جماعة تدعمه وتحميه، ومهما أحسنّا الظن بالحاكم وتقبله لدعوة الإصلاح، فإنه لابد من مراعاة الضعف البشري للحاكم وإغراءات السلطة عليه ومداهنة البطانة له وحجبهم عنه ما يسوءه أو يعكر مزاجه، ومن هنا كانت المعارضة الجماعية السلمية متمثلة في التظاهرات هي الأسلوب الأنسب للتعبير عن الرأي بهدف منع تجاوزات السلطة، فكيف يستطيع الفرد وحيداً أن يقول كلمة الحق التي يجب أن تقال مصداقاً للحديث ldquo;أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائرrdquo; من غير ضمانات؟! ومن هذا الذي يجرؤ على ذلك؟ وهب أنه تجرّأ وقالها، فهل يضمن التغيير والإصلاح؟!
إن الشعوب وحدها في عالمنا اليوم هي القادرة على المواجهة وعلى قول كلمة الحق وعلى إمكانية التغيير، والمظاهرات في النهاية ما هي إلا مظهر من مظاهر التعبير عن الرأي، وهي التجسيد المعاصر والفاعل لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما القول بأن ولي الأمر يحكم مدى الحياة بحجة أن الخلفاء حكموا حتى وفاتهم فليست بحجة لأن تحديد المدة من المصالح المرسلة، إذ لا يوجد في الشريعة ما يمنع ذلك، خصوصاً أن التجارب المعاصرة أثبتت أن التحديد ضمانة أساسية للحاكم والمحكوم ضد الاستبداد، ولأن ldquo;ثقافة الفتوىrdquo; أصبحت الزاد اليومي للمسلم فإنه أمام تضارب الفتاوى يجد نفسه في حيرة: فهو إن خرج في تظاهرة ارتكب محرماً في نظر فريق، وإن قعد عن الخروج استحق أيضاً إثماً في نظر فريق آخر، وذلك بأن فتاوى المظاهرات وغيرها من الأمور السياسية ما هي إلا غطاء شرعي لمواقف سياسية معينة، فمن مع الاستقرار وعدم انتقال النار الليبية يقول بحرمة التظاهر، ومن هو مع التثوير وفتح أبواب المجهول يقول بجوازه، طبقاً لمشاري الذايدي!
أهل الإفتاء أصبحوا اليوم منغمسين في العمل السياسي وصاروا أطرافاً في لعبة الصراع السياسي بين موالٍ للنظام ومعارضٍ له، وقد يتناقض بعضهم في مواقفه فيؤيد التظاهر في مكان ويمنعه في مكان آخر طبقاً لتحالفاته مع هذا النظام أو ذاك! وإذا كانت المظاهرات ضد النظام محل جدل فقهي فماذا عن اتفاق جمهور فقهاء السنّة على تحريم الخروج على الحاكم، ولو كان ظالماً بحجة الخوف من الفتنة؟! والجواب أن الفقهاء الأجلاء رحمهم الله تعالى عندما حرّموا الخروج على الحاكم، إنما قصدوا ldquo;الخروج المسلحrdquo; لأن الثقافة السياسية السائدة في زمنهم لم تكن تتصور خروجاً سلمياً معارضاً أو معبراً عن الرأي! وعذر الفقهاء أن كل التجارب السابقة في المعارضة منذ الراشدين وحتى عصرهم كانت كلها خروجاً مسلحاً يعيث فساداً في الأرض: يستحل الدماء ويقطع الطريق وينهب ويثير الذعر بين الناس، إذ لم يعرف التاريخ الإسلامي المعارضة السلمية للتعبير عن الرأي السياسي كما تجسدها اليوم الأحزاب والجماعات الناشطة والتظاهرات والمسيرات والتي يرى كثير من الباحثين في السياسة الشرعية أنها تجسد وتفعل مبدأ ldquo;الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرrdquo; في العصر الحديث، ويبقى أن نضيف: إن التظاهرات ليست موجهة دائماً ضد النظام، بل هي تعبير عن وجهة نظر قد تكون مؤيدة للنظام أو قد تكون للاحتجاج ضد إساءة معينة في الخارج، وهي أسلوب مألوف حتى في أعرق الديمقراطيات، ولذلك فإن معظم الدساتير العربية تجيزها.
التعليقات
تحريم العلمانيين
شاهين -العلمانيون ايضاً حرموا الخروج على الحاكم في سوريا البعث مثلاً ؟!!
فناوى مع المقبلات
عاشق المتنبي -الفتوى في كثير من الدول تصدر من مكتب الحاكم اما رجال الدين فهم موظفين يطبقون امر الحاكم فالحاكم هو المفتي لان رجل الدين يهمهه مصالحه وامتيازاته والزواج باربعةنساء اما حال الناس فليس من مسئولياته (هو كان خلفهم ونساهم). لااتصور ان هناك رجل دين في الخليج يستطيع الفتوى بغير ارادة او توجه الحاكمزالشيخ القرضاوي مثلا افتى بجواز حصول التظاهرات في مصر هل يستطيع ان يفتي بجواز التظاهرات في قطر ام ان ذلك حرام بامر الشيخ حمد.عندي سوال عندما احتل صدام الكويت افتى اربعين عالم من السعودية بجواز دخول القوات الامريكية والبريطانية وحلفائهم الى السعودية هل كان ذلك حلالا ام حراما؟ وعتدما حررت الدول التس يسميها السلفيون كافرة الكويت هل كان ذلك حلالا ام حراما؟ وماذا عن تدخل هذه الدول في حرب ليبيا الان وماذا عن مطالبة الكثير بتدخل امريكا في سوريا واليمن اليست هي نفسها امريكا التي يسمونها دولة محتلة للعراق .اذا تدخلت امريكا الان وازاحت بشار الاسد والبعث من سوريا هل سيكون احتلالا ام لا وكاذا سيقول القرضاوي ورجال الدين في السعودية والخليج؟ارجو النشر غملا بحرية النشر
رجال دين حسب الطلب
ابن الرافدين -هناك ما يسمى برجال الدين الذي سخرروا الدين لخدمة الحاكم وان كان طالحا وهذا منتشر في العالم العربي والاسلامي الا قلة قليلة لا يسيرون على هوى الحاكم وهناك كتب ذهبت الى ابعد من هذا فرضت اطاعة الحاكم الجائر في مخالفة صريحة للدين الاسلامي الذي يدعو الى العدل فهناك على سبيل المثال الذي شرع لهذا الفكر ابن تيمية لهذا وجد فرصة للحاكم ان يتحكم بالبلاد والعباد بعد ان اخذ شرعيتة من رجل دين وهذا يصب في خدمة الحاكم كما ان الكثير من هولاء المدعين علماء ليس لهم اي ارتباط في الدين ومن الامور المحزنة التي كشفت زيف هولاء بعد الثورات العربية التي تعصف بالمنطقة وهنال امثلة على النفاق في ليبا افتى القرضاوي بشرعية الثورة وذهب ابعد من ذلك الى قتل القذافي ونحن نعرف ان اهل ليبأ من السنة يعني طيف واحد اما في البحرين وعلى لسان القرضاوي افتى بالحرمة لاان هولاء شيعة وهذا يذكرنا في الستينات عندما كان جمال عبد الناصر شعاراتة لاصلح مع اسرائيل نفس الشئ رجال الدين مع هذا التوجة اتغيرت الموجة بعد جمال وفترة السادت الجماعة ركبوا موجة السادت وان جنحوا للسلم ايضا جائت الفتوى مفصلة رجل الدين في البلدان التي تعتبر الحاكم هو ولي الامر لايعول علية انة موضف في خدمة الحاكم ولكن علية صبغة رجل الدين ايضا ملاحظة للكاتب الخليفة الثالث عثمان ابن عفان لماذا قتل لاانة استغل حكمة وتوزيع الغنائم على اقاربة وهضم حقوق الاخرين لذلك انتفض علية الناس وقتلوةوتاريخ الثورات ليس وليد اليوم.