عقدة طه حسين!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
سعيد اللاوندي
أزعم أن كل شخص سافر الي الخارج ودرس في جامعات أوروبا أو شارك بدور يسير في مراكزها البحثيةrlm;,rlm; أو أمضي هناك بعضا من الوقت بين دراسة أو عمل أكاديميrlm;,rlm; يعود وقد ظن في نفسه وهما أنه امتداد لطه حسين عميد الأدب العربيrlm;,rlm; بعبارة أخري إن كل من درس في أوروبا يعود وقد حمل عقدة طه حسينrlm;,rlm;
خصوصا أن بعضا ممن ظن في نفسه هذا الظن قد سمح لنفسه أن يعطي رأيا في ريادة مصر للمنطقة العربية, وهي ذات المهمة التي كانت تقوم بها مصر طواعية في زمن طه حسين.. ومن يرجع الي الكتابات في هذا الشأن فسوف يجد أن الرجل شارك مع آخرين أمثال العقاد وحسين هيكل والمازني في حمل مشعل الريادة.. فكانت مصر في المقدمة في الأدب والابداع.. وعندما تركت هذا الأمر ظل المكان شاغرا وكأنه كان ينتظر ظهور طه حسين آخر!! وقد انقسم هذا الفريق الواهم الي أكثر من اتجاه.. فمن خرج علينا بأن الريادة في مصر يجب أن يتغير مفهومها.. فهي وإن كانت تعني في الزمن القديم القيادة, وأن مصر هي قلب العروبة وعاصمة الابداع, وأن الكتاب وإن كان يقرأ في بغداد وينشر في لبنان إلا أنه كان يؤلف في القاهرة.. هذا النوع من الريادة قد ولي وانتهي بنهاية أو بموت طه حسين نفسه مع العقاد وتوفيق الحكيم في سبعينيات القرن الماضي علي أقصي تقدير.. وظهرت في المنطقة العربية مراكز تنويرية أخري.. وأسرف هذا الاتجاه في القول بأن الريادة المصرية وإن كانت قد انحسرت أمام مراكز التنوير الخليجية مثلا, إلا أنها لاتزال باقية كمركز إشعاعي ثقافي.. وغاب عن بال هؤلاء أن القيادة الثقافية بمعناها الشامل لم تنعقد لدولة كما انعقدت لمصر, والدليل علي ذلك أن طه حسين بجرأته في قولة الحق وقدرته علي صوغ التيارات الإبداعية الجديدة لم يستنسخ حتي هذه اللحظة ولم يظهر لنا مفكرا جديدا في وزنه.. وأذكر في هذا الشأن أن الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود قال إن طه حسين لا يجب أن يقاس بعدد ما ترك من مؤلفات, فهو لم يترك لنا سوي بضعة وخمسين كتابا, لكن يجب أن يقاس هذا الرجل بعدد الدعوات التي أطلقها في اللغة والأدب العربي بشكل عام..
وأحسب أن الدوائر الأكاديمية لاتزال مشغولة بما ترك الرجل في هذا الاتجاه.. أما أنصار الاتجاه الآخر فقد ظنوا في أنفسهم الظنون وتصوروا أن ظهورهم علي الناس وقد تدلت من أيديهم مسبحة! وتحدثوا في أمر الحضارة الإسلامية حديث قاريء غير متخصص لا حديث دارس متعمق.. إنهم بذلك يكونون امتدادا لطه حسين! ونسي هؤلاء أن الرجل كان يكره أن يقرأه القاريء ازجاء لوقت الفراغ أو اجتلابا للنوم في وقت القيلولة, وانما كان يريد من قارئه أن يتعب في القراءة مثلما تعب هو في الكتابة, وأن يجلس أمام ما كتب وقد شحذ همته وانتبه دون أن تأخذه سنة نوم!!
أريد أن أقول لأنصار هذا الاتجاه أو ذاك, ما قاله العرب من المحيط الي الخليج بعد ثورة يناير: إن ريادة مصر وقيادتها للأمة العربية لاتزال باقية والدليل علي ذلك المراكز البحثية الخليجية, لم تملأ الفراغ الذي تركته مصر علي الرغم من محاولاتها ذلك, فضلا عن أن شعوب هذه الدول قد فرحت بعودة مصر لريادتها بعد أن ظلت بعيدة ـ كل البعد ـ عنها قبل الثورة.. وإلا أين هو الرجل الذي أنجبته هذه المراكز ليكون بديلا عن طه حسين أو العقاد أو توفيق الحكيم, إن مصر يا قوم لا غني لها عن محيطها العربي, فقد كانت مصدر إشعاع في كل شيء.. في الثقافة والإبداع.. والقومية العربية.. وفي ثورتها علي الاستعمار وأعوانه والعدالة الاجتماعية, ومبدأ تكافؤ الفرص.. وأذكر بهذا الخصوص أنني التقيت ذات مرة بوزير الثقافة اللبنانية الدكتور غسان سلامة وكان الحديث عن تزوير الانتخابات يملأ الساحات الإعلامية في أوروبا, فإذا به يبتدرني قائلا: أمعقول أن تفعل مصر ذلك.. ثم ماذا تركت مصر وهي دولة مركزية في المنطقة الي الدول الصغري أو الحديثة.. ثم فوجئت به يقول لي: اذا لم تعرفوا حجم مصر, فاتركوها لنا نسيرها نحن بمعرفتنا!
وذكرني هذا الحديث بحديث آخر للسيد دجار بيزاني الذي كان رئيسا لمعهد العالم العربي عندما استقر رأي الجميع علي أن تتولي مصر بلد طه حسين! إدارة المعهد بعد أن قيل إنها عادت الي الصف العربي, فإذا بمصر المحروسة تبعث بأحد سفرائها القدامي! فقال الرجل: اذا لم تجد مصر مفكرا آخر بحجم ووزن طه حسين مثلا, فلسنا في حاجة الي ترشيحها لأحد الدبلوماسيين لكي يشغل هذا الموقع الثقافي! وضاع المنصب من مصر!
أريد أن أقول, إن مكانة مصر في التاريخ يعرفها القاصي والداني إلا أهلها, ولذلك عندما انتفض شعبها في 25 يناير, عادت مصر الي سيرتها الأولي, فكانت هذه الثورة امتدادا لثورة عرابي, وثورة سعد زغلول وثورة عبدالناصر والضباط الأحرار, فضلا عن أنها ثورة عربية بامتياز, عادت بمصر الي شقيقاتها العربيات فبتنا نسمع حديثا عن ثورة مصر التي تلهم كل الثورات في ليبيا وسوريا واليمن والبحرين.. حتي إن الشعار الذي صكته: الشعب يريد إسقاط النظام! بات يسمع في بلاد الربيع الديمقراطي العربي! وما فرحة الناس بتولي الدكتور نبيل العربي رئاسة جامعة الدول العربية إلا وفيها شيء من استعادة مصر لمكان الريادة الذي كان لها بحكم التاريخ والجغرافيا طويلا.. طويلا.
إن طه حسين يمكن استنساخه لكن ليس قبل استعادة مصر لمكانتها العربية.. واليوم بعد الثورة يبدو لي أن مصر قد عادت تتنفس الحرية وتسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية, وتطلق علي العدو (عدوا) والصديق (صديقا), فإن طه حسين قد يظهر في أي وقت بتياراته الفكرية التي كان الرجل يصول ويجول فيها لا بملابسه المزركشة ومسبحته التي تتدلي من يده, فطه حسين الذي نقصده ليس الرجل الذي نعرفه أو نقرأ له: الشعر الجاهلي, ومن وحي السيرة أو الوعد الحق, وانما هو حالة ثقافية وفكرية بتنا في شوق إليها.. نريدها أكثر مما يريدها العرب.. وقد هيأ الله لمصر ـ بعد ثورة شبابها ـ المناخ الذي يتلاءم مع ظهور العباقرة أمثال طه حسين وآخرين وعلينا جميعا أن نستثمر هذا الوقت لإفساح المجال لظهور هؤلاء, خصوصا أن حالة العقم السياسي والثقافي التي كنا نحياها رغما عنا قد زالت, وانتهت الي غير رجعة.. ومنذ الآن فصاعدا أصبح في الإمكان أن نصادف طه حسين جديدا في مصر أو الخليج أو في المشرق أو المغرب أو الشرق الأوسط, فلم يعد يهم المكان بقدر ما يهم التيار الفكري الذي نوده ونتمناه من كل قلوبنا.. وليس يلبس هذا الزي أو ذاك أو بالكذب والضحك علي الذقون عبر هذه الفضائية أو تلك.. طه حسين ـ يا قوم ـ أصبح سهلا ميسورا استنساخه في أي مكان مادام يمثل حالة فكرية تنتصر للحرية, كما أوضح هو ذاته في كتابه الشهير ألوان.. واليوم لن يقف أحد ـ وليس بمقدوره أن يفعل ذلك ـ ليجعل حالة الانسداد التاريخي تتكرر في حياتنا, فلقد زالت الأسباب للأبد, وعاد الثوار ـ بارك الله فيهم ـ الي أعمالهم, فبالعمل ترقي الدول وليس بالثورات المضادة التي تولد من رحم المطالب الفئوية!! يا قوم إني أبشركم بمولد طه حسين جديد وسوف يشهد ميدان التحرير مولده.. والحرية.