جريدة الجرائد

انهيار سريع ومفاجئ

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الباري عطوان


هذا الانهيار المفاجئ لنظام الزعيم الليبي معمر القذافي الذي تابعناه طوال يوم امس عبر الشاشات العربية والعالمية، يؤكد مجددا ليس فقط هشاشة الديكتاتوريات العربية، وانما نجاحها في خداعنا طوال السنوات الماضية بشعارات كاذبة حول الوطنية والقومية والعداء للاستعمار.
لا نشك مطلقا في ان طائرات حلف الناتو وجنرالاته وغرف عملياته العسكرية التي ادارت المعارك على مدى الاشهر الخمسة الماضية، لعبت دوراً مفصلياً في اسقاط النظام الليبي، وتمكين قوات المعارضة من تحقيق هذا التقدم السريع في ميادين المعارك، والاستيلاء على المدن الواحدة تلو الاخرى، ولكن ما يثير التساؤل هو عدم دفاع النظام وقواته عن العاصمة، وسقوطها او معظم احيائها في ساعات معدودة.
النظام الليبي انفق مليارات الدولارات على شراء اسلحة حديثة ومتطورة، ووقف قادته مثل الطواويس في المنصات الرئيسية يتابعون الاستعراضات السنوية للدبابات والصواريخ والطائرات المقاتلة والعمودية، ومختلف وحدات القوات المسلحة، ومع ذلك لم نر لها اي اثر او فاعلية.
الشعوب المقهورة المنزوعة الكرامة، والمحرومة من الحريات الاساسية لا يمكن ان تدافع عن الطغاة، ولا يمكن ان تنخدع بشعاراتهم عندما تحين لحظة الحقيقة، وما حدث في طرابلس الغرب وباقي المدن الليبية هو المثال الابرز.
المقاومة اللبنانية ـ الفلسطينية صمدت في وجه الاجتياح الاسرائيلي لبيروت اكثر من ثمانين يوما، لم تستطع خلالها الدبابات الاسرائيلية التقدم امتارا معدودة، لان رجالاتها احرار واصحاب قضية، ويدافعون عن كرامة وطنية.
المقاومة اللبنانية صمدت اكثر من ثلاثين يوماً اثناء العدوان الاسرائيلي في تموز (يوليو) عام 2006، واذلت الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر، وحطمت اسطورة دبابات الميركافا، ودافعت ببطولة وتواضع عن تراب ارضها، وقصفت العمق الاسرائيلي بأكثر من اربعة آلاف صاروخ، فعلت ذلك لانها لا تدافع عن ديكتاتور ظالم متجبر، ولا تأتمر بأمر طاغية، وتقاتل من اجل استعادة مقدسات وكرامة عربية واسلامية مفقودة.
' ' '
ندرك جيداً ان المقارنة ليست في محلها من حيث وجود فارق كبير بين قوات اسرائيلية عنصرية عدوة غاصبة، وقوات عربية اسلامية تريد اطاحة نظام ديكتاتوري متجبر، اذل شعبه، ولكن ما اردنا التوقف عنده هو غياب ارادة القتال والرغبة في التضحية بالنفس لدى الملتفين حول الطغاة وانظمتهم الديكتاتورية، وتوفرها عند طلاب الحرية.
الآن وقد سقط النظام، وجرى اعتقال معظم ابنائه، والاستيلاء على المدن الليبية كافة من قبل قوات المعارضة، باستثناء بعض الجيوب، فإن التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، والصورة التي من الممكن ان تكون عليها الاوضاع، تظل مشروعة ولا يجب ان يحجبها غبار الاحتفالات بالنصر بسقوط النظام.
المرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد النصر، قد تكون الاصعب والاكثر خطورة، ليس لان النظام ترك ليبيا وهي في وضع مزر، حيث لا مستشفيات ولا مدارس ولا جامعات ولا اي مؤسسات او بنى تحتية، وانما لان هناك انقسامات خطيرة في صفوف المعارضة، واجندات خفية وعلنية لحلف الناتو والقوى الغربية التي لم تتدخل عسكريا لاطاحة النظام لاسباب انسانية.
السيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي المؤقت اعترف بوجود هذه الانقسامات، واشتكى من جماعات سلفية متشددة، وكشف في مقابلة مع قناة 'الجزيرة' انه كان على وشك الاستقالة بعد الاغتيال البشع للجنرال عبد الفتاح يونس ومساعديه وحرق جثثهم، وهدد بترك منصبه والعودة الى بيته اذا تكرر حدوث مثل هذه الاعمال الانتقامية البشعة.
عملية البناء اصعب كثيراً من عملية الهدم، والبناء الذي نتحدث عنه هو البناء في ميادين الثقة وتكوين الانسان الليبي الجديد، على ارضية المصالحة الوطنية والتسامح، وتقبل الآخر، وقيم العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية الحقة، وحكم القانون.
ليبيا ليست مثل مصر أو تونس، حيث يغيب فيها المجتمع المدني، وتسود القبائلية والعشائرية والمناطقية، ومن يقول غير ذلك مكابر ويحاول ان يتعامى عن الحقائق الجوهرية.
المعارضة الليبية التي خاضت معارك شرسة وقدمت آلاف الشهداء للاطاحة بالنظام الديكتاتوري هي، خليط من تيارات سياسية وعقائدية مختلفة، توحدت تحت لافتة الكراهية والعداء للنظام، وهي كراهية يبررها اكثر من اربعين عاما من الاضطهاد والقمع الدموي، حيث حوّل النظام الشعب الليبي الى حقل تجارب لأفكاره الجنونية، ولهذا لم يكن غريباً ان يصف هذا الشعب بالجرذان في خطبته الشهيرة.
' ' '
الآن وبعد زوال هذا العامل الموحد لا بد من معالجة ما هو قائم من شروخ، او بالاحرى تطويق اخطار توسيعها، للحيلولة دون قيام حرب اهلية طاحنة، تهز استقرار البلاد وتمزق وحدتها الترابية، فمن غير المنطقي ان يوحّد النظام الديكتاتوري البلاد ثم تفتت تحت شعارات الحرية والديمقراطية.
ليبيا تعيش الآن فراغاً امنياً، وعدم وضوح الرؤية سياسياً، وهذا امر متوقع، وتكرر المشهد نفسه في العراق بعد الاحتلال الامريكي، وما زالت بعض ارهاصاته مستمرة. وهذا يشكل الاختبار الاهم بالنسبة الى العهد الجديد.
لابد من الاشارة الى ان الاسلاميين، معتدلين كانوا او متشددين، هم الذين تحملوا العبء الاكبر في المجهود الحربي، وهذه حقيقة لا يمكن انكارها ولا يجب، ويخطئ حلف الناتو وقادته كثيراً اذا حاولوا حرمان هؤلاء من ثمار انتصارهم، وعدم الاعتراف بدورهم وحقهم في المشاركة في رسم هوية ليبيا في المستقبل.
نخشى ان يكون حلف الناتو، وبعد ان نجح في تغيير النظام في ليبيا، ان يبدأ في الاعداد لخطة مماثلة في سورية، خاصة ان هناك بعض الجماعات في اوساط المعارضة السورية ترحب بمثل هذا التدخل او تحرض عليه، وهذا التدخل لو حدث قد يعطي نتائج عكسية تماماً، فالحالة السورية اكثر تعقيداً واكثر اختلافاً من الحالة الليبية.
لا أسف على نظام القذافي واولاده، ولكن من حقنا ان نخشى مما هو قادم الى ليبيا، سواء من قبل حلف الناتو الذي يتطلع الى قبض ثمن تدخله نفطاً وعقوداً وقواعد عسكرية وسيطرة سياسية، اذا تمكن او مُكن من ذلك، او ما يمكن ان يطرأ من خلافات وانقسامات، وهناك من ينفخ في نارها من جهات عديدة، ورغم ذلك لا نستطيع الا ان نهنئ الشعب الليبي بانتصاره على هذا الطغيان، واستعادة حريته وكرامته.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
للحرية ثمنها
عراقي اصيل -

ليبيا اليوم بدون جيش يحمي المؤسسات والدوله وارواح الناس وممتلكاتهم. هذا ما حصل بالعراق الذي شل جيشه من مليشيات واغلبها يتبع ايران ومن جهله واميين وقتله. ليبيا بحاجة الى قياده حكيمة تعيد بناء قوات مسلحه وطنية تحمي البلد وهنا مفارقه جديره للانتباه ان ليبيا لا تحاط باعداء مثلما العراق. نتمنى النجاح الباهر للثورة ولشعب ليبيا الحرية والازدهار.

الديكتاتور عطوان
أدهم -

ملك ملوك الصحافة اللندنية الذي يتربع على عرش صحيفته من ربع قرن ولا يسمح بظهور أي اسم الى جانب اسمه بدأ بركوب الموجة وكأنه لم كان في صف الثوار منذ البداية. لا..لا يا عطوان لن ننسى أنك أنت من وصفت الثوار الشرفاء بأنهم ثوار الناتو ووصفت ليبيا بأنها مزبلة. ... القذافي الذي ذبح الآلاف من الليبيين في ساعات وأنت توفر له الغطاء الاعلامي وتخون من يعارضه ويقاومه...اسمعي يا أوروبا اسمعي يا أميركا يا بريطانيا الدكتاتور عطوان حابب يغير موقفه بعد فوات الأوان، حوشووه عنا لأنا مش ناقصينه

لماذا يا ياكاتبنا
احمد الواسطي -

اخ عبد الباري وانا اريد اضرب لك مثلا عن حبيبك صدام وهو انه الأمريكان اسقطوا حكمة خلال أسبوعين وأخرجوه من حفرة قذرة بدون ان يدافع عنه حتي اقرب مقربيه ولكن نفس الأمريكان لم يستطيعوا دخول مدينة الفلوجة الا بعد إبادة اهلها وتشريدهم ونفس الأمريكان لم يستطيعوا اعتقال مقتدي الصدر في مدينة النجف بعد حرب استمرت لاكثر من ٥٠ يوما أنا هنا اريد اسالك عن السبب تحياتي

عطوا يريد عطوان لاير
علي حسين -

عطوان يوافق ويريدالتدخل الاجنبي في ليبيا ولا يوافق ولايريد التدخل في العراق يوافق عليه هنا ويستنكره هناك* ونحن سوف ننتضرالى ان يقول عطوان كلمته الاخيره عندها سنقرر نحن الشعوب القرار الاخير على ضؤ ما يقرره عطوان** والى ذلك الحين ....

عطوا يريد عطوان لاير
علي حسين -

عطوان يوافق ويريدالتدخل الاجنبي في ليبيا ولا يوافق ولايريد التدخل في العراق يوافق عليه هنا ويستنكره هناك* ونحن سوف ننتضرالى ان يقول عطوان كلمته الاخيره عندها سنقرر نحن الشعوب القرار الاخير على ضؤ ما يقرره عطوان** والى ذلك الحين ....

زعلان؟
ربيعة -

زعلت يا عطوان؟

زعلان؟
ربيعة -

زعلت يا عطوان؟

والله دوختونا
nissan.sam -

الى الأستاذعبدالباري عنطوان المحترم: والله دوختونا، كل يوم على شجرة جديدة وكل يوم الى جانب جديد، لقد قلت قبل أشهر وبالتحديد يوم الثالث من نيسان من هذا العام في رسالة بعنوان ( رسالة الى الرؤساء العرب ) على موق الهوز واخبرتهم ماذا سيحصل وماذا يجب ان يعملوا لتجنب هذا السقوط المهين . والرسالة القادمة على موقع ستكون الى الرئيس ( بشار الأسد )اليوم أو الغد. وبعدها ستكون عن السقوط المهين ولكن لنا نحن الشعوب العربية وليس كما تدعون لرؤساءنا.يمكن ان تطلع عليها، وهكذا سيكون مصير كل الذين تدافع عنهم في تحيزكم الغير معروف ابداً.ولك كل الأحترام

والله دوختونا
nissan.sam -

الى الأستاذعبدالباري عنطوان المحترم: والله دوختونا، كل يوم على شجرة جديدة وكل يوم الى جانب جديد، لقد قلت قبل أشهر وبالتحديد يوم الثالث من نيسان من هذا العام في رسالة بعنوان ( رسالة الى الرؤساء العرب ) على موق الهوز واخبرتهم ماذا سيحصل وماذا يجب ان يعملوا لتجنب هذا السقوط المهين . والرسالة القادمة على موقع ستكون الى الرئيس ( بشار الأسد )اليوم أو الغد. وبعدها ستكون عن السقوط المهين ولكن لنا نحن الشعوب العربية وليس كما تدعون لرؤساءنا.يمكن ان تطلع عليها، وهكذا سيكون مصير كل الذين تدافع عنهم في تحيزكم الغير معروف ابداً.ولك كل الأحترام

canada
حسين -

حديث السيد عطوان ممتاز و وصفه للطغاة رائع و لهذا أسأل السيد عطوان لماذا ظل لحد الآن يتحاشى إدانة صدام. فقد عدد أسسماء كل الطغاة العرب إلا صدام! في حين أن صدام لا يجاريه أي طاغ لا في الوقت الحاضر و لا عبر التاريخ

canada
حسين -

حديث السيد عطوان ممتاز و وصفه للطغاة رائع و لهذا أسأل السيد عطوان لماذا ظل لحد الآن يتحاشى إدانة صدام. فقد عدد أسسماء كل الطغاة العرب إلا صدام! في حين أن صدام لا يجاريه أي طاغ لا في الوقت الحاضر و لا عبر التاريخ

عين عطوان العوراء
عراقي يكره البعثيه -

عطوان يرحب بقصف الناتو ويعتبره تدخلا مشكورا ولايرحب بالتدخل الامريكي في العراق ويعتبره تدخلا مذموما...ياعطوان افق من احلامك.. القذافي رحل الى غير رجعه والدور الان على اذنابه الذين روجوا له ايام استلامهم 4000 دولار شهريا وحين انقطع عطاء الامير انقلبت الامعات عليه

عين عطوان العوراء
عراقي يكره البعثيه -

عطوان يرحب بقصف الناتو ويعتبره تدخلا مشكورا ولايرحب بالتدخل الامريكي في العراق ويعتبره تدخلا مذموما...ياعطوان افق من احلامك.. القذافي رحل الى غير رجعه والدور الان على اذنابه الذين روجوا له ايام استلامهم 4000 دولار شهريا وحين انقطع عطاء الامير انقلبت الامعات عليه

تناقض عطواني!
ناصر -

كلامك عن تهاوي القذافي و إنعدام روح المقاومة لدى جيشه و أجهزته الأمنية ينطبق تماماً على صدام و جيشه و أجهزته القمعيةالتي أنهارت بطريقه مهينه ثم تم إخراج صدام من الحفرة الشهيرة.. لكنك كنت و مازلت تدافع عن صدام.. كيف يغيب عن بالك هذا المقارنة البسيطة بين الدكتاتوين يا تاجر الشعارات و التناقضات...

تناقض عطواني!
ناصر -

كلامك عن تهاوي القذافي و إنعدام روح المقاومة لدى جيشه و أجهزته الأمنية ينطبق تماماً على صدام و جيشه و أجهزته القمعيةالتي أنهارت بطريقه مهينه ثم تم إخراج صدام من الحفرة الشهيرة.. لكنك كنت و مازلت تدافع عن صدام.. كيف يغيب عن بالك هذا المقارنة البسيطة بين الدكتاتوين يا تاجر الشعارات و التناقضات...