جريدة الجرائد

سلاح إيران النووي ومستقبل العرب

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد محمود عجاج *

يمكن مناقشة كل شيء في السياسة، ويمكن الوصول إلى أي تسوية، ومع ذلك تبقى هذه التسوية مرهونة بتوازن القوى، ومربحة لطرف أكثر من آخر، وغالباً ما تكون على حساب طرف ثالث لا يشارك في التفاوض. هذه المعادلة السياسية تتبدّى في شكل لافت في التفاوض الشاق والطويل بين الغرب وإيران حول الملف النووي الإيراني. فالغرب في التفاوض مع إيران لديه هاجس واحد فقط: منع الانتـشار الـنـووي في منطقة تعـتبـر شريـانه الاقتـصـادي، ولإيـران هاجـس واحـد: حـماية نظـامهـا واسـتراتيـجـية التمدد الأيديولوجي بسلاح رادع. وعلـى جـانب الطاولة تجلس إسـرائـيل تحض الغرب على التشـدد، وتـستـخدم سلاح التهـديـد، لتحـقيـق هـدف واحد: ضـمان تـفوقها النووي في المنطقة، وخارج هـذه الطاولـة يجـلس الـعرب وهـاجسهم الوحيد: مـاذا لو حـصلت إيران على سـلاح نووي؟
في هذه الخريطة التفاوضية المعقدة كل طرف من هذه الأطراف لديه أوراق، فإسرائيل لديها سلاح التهديد بضرب المفاعل، وهي قادرة على تحقيق ذلك، والغرب لديه القوة لإجبار إيران على القبول، وإيران لديها البراعة والحنكة والبراغماتية، للحصول على أقصى ما يمكن، والعرب هم الوحيدون الذين لا يملكون القوة، ولا حتى الاستراتيجية لفرضية: ماذا لو حصلت إيران على السلاح النووي؟
في المقابل نرى إيران محكومة بمنطق استراتيجي واحد وثابت، وتكتيكات متعددة متغيرة تصب كلها في مصلحة هدفها الاستراتيجي: قوة إقليمية متفوقة في المنطقة لتحقيق كل الأهداف والمصالح. وعلى عكس استراتيجية صدام مع الغرب التي انتهت باحتلال العراق، وشنق الرئيس العراقي، تستخدم إيران استراتيجية متقدمة في التفاوض مع الغرب، وتدير الأزمة مع إسرائيل ببراعة، وتحاور العرب بطرق شتى.
تكمن البراعة الإيرانية في أن قادتها يفهمون ماذا يريدون، ويعملون بجد من أجل تحقيق ذلك، ووفق سياسة أقل الأضرار، فهم ليسوا أيديولوجيين بالمطلق، كما يدعون، بل هم عمليون، ويقبلون بالتنازلات إذا ما كانت تصب في مصلحة الاستراتيجية التي يسعون لها. فخلال إدارة جورج بوش الذي كان يؤمن بأن أميركا قادرة على استخدام قوتها العسكرية وفرض إرادتها، سارعت إيران إلى التواصل معه، وتقديم كل العون في حربه على الإرهاب، ففتحت له أجواءها لشن الحرب على العراق، وتفاهمت معه في أفغانستان لضرب "طالبان"، لا بل عرضت تدريب الجيش الأفغاني وتزويده السلاح. وفي الوقت ذاته، عززت رصيدها السياسي والعسكري في العراق وأفغانستان، وتمددت تحت قاعدة مناصرة المستضعفين إلى فلسطين، ولبنان، وتحالفت وفق تفاهمات أيديولوجية مع النظام السوري، فأصبحت قوة إقليمية تملك الكثير من الأوراق التي تفرض حتى على الرئيس الأميركي المتهور جورج بوش أن يتمهل، ويعقد صفقات معها، من حين إلى آخر، وفق متطلبات الأمن الاميركي. أصبحت إيران في عهد جورج بوش قوة معتبرة لا يمكن ضربها من دون تداعيات على الأمن الأميركي، خصوصاً أن إيران، على رغم تمددها، لم تعمد يوماً واحد إلى تهديد الأمن الأميركي إلا عبر الخطابات، وعلى أرض الواقع كانت دائماً متفاهمة ومتخاصمة ولكن، وفق مفهوم الحد الأدنى.

3 تكتيكات
مضت سنوات على التفاوض حول السلاح النووي الإيراني، وتمكنت إيران خلالها من اعتماد ثلاثة تكتيكات:
أولاً: الاستمرار في التفاوض، والتشديد على سلمية البرنامج، والانفتاح على وكالة الطاقة الذرية لكن، وفق مبادئ السيادة وحشد التأييد الديبلوماسي.
ثانياً: استمرت في تسيير البرنامج، على رغم الصعاب، وتمكنت من رفع كمية اليورانيوم المخصب من 850 كلغ إلى 6.8 طن، وتعمل حالياً، وفق إيهود باراك، على تحصين منشآتها النووية على حافة جبل فوردو لتكون محصنة ضد سلاح الجو الإسرائيلي. وقال باراك إن إيران إذا تمكنت من الوصول إلى قمة التحصين فإن إسرائيل تفقد مبدأ اعتمادها على الذات وتحتاج إلى مساعدة سلاح الجو الأميركي.
ثالثاً: حشد التأييد الشعبي في المجتمع الإيراني وتصوير البرنامج على أنه حاجة حيوية لأمن البلاد، فالإعلام الإيراني يصر على أن من حق إيران امتلاك التكنولوجيا لاستخدامها في تغذية الطاقة وتحرير سلعة النفط لكي تصدّرها إلى الخارج وتستخدم عائداتها لدعم رفاهية شعبها. كما تصر على أن من حقها بموجب اتفاق منع الانتشار النووي حيازة التكنولوجيا النووية طالما أنها ليست لأغراض عسكرية، وأن الغرب يسعى لحرمانها من هذا الحق ويستخدم وكالة الطاقة الذرية للتجسس عليها من أجل إسقاط الجمهورية الإسلامية.
وبما أن كل تأخير في قرارات الحسم سيساعد إيران على تعزيز الذات وتغيير المعطيات، فإن المتابع يلاحظ تغيراً في نمط التعامل الغربي مع إيران، والتشـديد على اسـتبعاد الـعمل العـسكـري، والتركيز على العقوبات الاقتصادية، والترويج في الصحافة الغربية إلى أن تلك العقوبات بدأت تعطي ثمارها بدليل تراجع الريال الإيراني، وتناقص الاحتياط وما شابه. ويعرف المراهنون على هذا العامل مدى هـشاشـته، فالمثال العراقي لا يزال شاهداً، والمثال الإيراني خلال الحرب العراقية - الإيرانية خير دليل. فـإيران عـلى رغم الحرب، والخـسـائر البـشرية والـمادية، تـجاوزت العقـوبـات.
أمام هذه القراءة للواقع الإيراني ليس بوسع العرب في المستقبل الاستمرار بسياسة الاعتماد على الغرب لحل المشكلة النووية الإيرانية. فالدعوة العربية إلى منطقة خالية من هذا السلاح، وربط المشروع الإيراني النووي بالبرنامج الإسرائيلي يعقدان المشكلة أكثر. فالعرب يجب أن يعرفوا أن إيران ستمتلك السلاح النووي، وعليهم أن يفكروا في استراتيجية ثابتة وممكنة التطبيق لجَبه هذا التحدي. فإيران لا ينحصر خطرها في المشروع النووي بحد ذاته بل في أيديولوجيتها، ورؤيتها التوسعية للمنطقة، وقدرتها على تحريك الداخل العربي، وحمل راية الداخل العربي بديلاً عن أصحاب الدار. وعلى العرب أن يتنبهوا ليس لخطر إيران فحسب، بل لخطر السياسة الغربية ذات اللونين أيضاً، فالغرب يصر على أن إيران لن تملك السلاح النووي، وهذا أمر لا شك فيه من الناحية الشكلية، لكنه مختلف من الناحية التطبيقية. فالغرب بسياساته المتبعة قد سمح، بحكم الواقع، لإيران بامتلاك التكنولوجيا، لكنه لن يسمح لها بتصنيع السلاح، وهذا ما لن تقدم عليه إيران لأن قادتها يعرفون الخطوط الحمر. وينبني على هذا التصور أن الغرب سيقبل حتماً، حتى ولو وجه ضربات عسكرية محدودة لإيران، بتخصيب إيران اليورانيوم وبنسب عالية شرط أن لا تصنع أسلحة دمار شامل، وستقبل في المقابل إيران بمراقبة وكالة الطاقة الذرية لأنها حققت ما تريد، فإذا امتلكت التكنولوجيا تكون قد امتلكت السلاح. فاليابان، كمثال، لا تملك السلاح النووي لكنها قادرة على تصنيعه في غضون أشهر، وبالتالي فإن الحل سيكون بالتعايش مع إيران مالكة تكنولوجيا نووية لا سلاحاً نووياً. هذا الحل ستكون وراءه إسرائيل التي تدرك تماماً، على رغم كل الجعجعة، أن إيران لا تشكل خطراً على أمنها، وأن الخطر الأكبر هو امتلاك العرب التكنولوجيا النووية. ما تخشاه إسرائيل هو أن يحصل العرب على التكنولوجيا النووية لأنهم هم العدو وفق التوصيف الإسرائيلي الدائم، وليس أبداً إيران، فإيران بالنسبة إلى إسرائيل منافسة على النفوذ في المنطقة، وليست، كما تدعي، خطراً وجودياً عليها. إن العرب يواجهون في هذه المرحلة أشد الأخطار وأعظم التحديات في الداخل والخارج وعليهم أن يفكروا في المستقبل ويدركوا أن الغرب لن يحل مشكلتهم مع إيران ولا مع إسرائيل، وأنه في زمن التحولات العربية يجب الاعتماد على الذات، ورسم استراتيجية واضحة للمستقبل، عملاً بالمثل العربي: "ما حك جلدك إلا ظفرك".


* كاتب لبناني مقيم في بريطانيا

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
Iraq
Iraqi -

تحليل جميل وعميق من سيادة الكاتب. اود ان اضيف بان العرب صحيح خارج الطاولة بل انهم دائما خارج الطاولة . بدل ان يستغل العرب ايران للضغط على الغرب بان يتحالف ولو شكليا مع ايران ومطالبة الغرب ببعض التنازلات في قضية فلسطين مقابل التخلي عن موقفه ذهبوا الى محاربة ايران وبطرق غريبة مثل المنطق الطائفي كسنة وشيعة مع انهم اول من سيكتوي بنارها لو انتشرت لاسامح الله . ان الفرص المتاحة للعرب كثيره لاكنهم يصرون المرة تلو الاخرى باهدارها. قضيةامتلاك ايران للقنبلة الذرية وخوف اسرائيل وتردد الغرب يعطينا فرصة ذهبية لنحقق بعض المكاسب لكننا مهملي عديمي الذكاء وقصيروا النظر نتخاصم ونقسم بعضنا الى سنة وشيعة. اسئل قادتنا ومفكرينا العظام ماذا لو ان اسرائيل استمالت ايران واتحدت معها .. اين ستذهبون؟؟ في عالم المصالح كل شيء ممكن اللا شيء واحد وهو صحوة العرب..

متى يخلص العالم من ايران
د . علي الحسيني -

ان ايران وتدخلاتها وحشر انفها في ما لا يعنيها في قلب الكثير من الدول القريبة والبعيدة هو خطر محدق بالبشرية لان سياستها الاستعمارية وايدلوجيتها التوسعية باتت معروفة لدى الجميع ( الحكومات والشعوب ) و اصبحت اخطر سياسة في العالم الشرقي والغربي واما تدخلاتها في الوضع العراقي وسيطرتها على اكثر مفاصله وعلى ارفع المستويات في الدولة فهو مما لا يكاد خافيا على اي شخص واي عاقل فلذلك من حق اي دولة ان تخشى على مصالحها وعلى شعوبها وعلى رعاياها فلا نلوم اي دولة في التفكير بان تزيل او تقلل من تدخل ايران في شؤونها الداخلية ومصالحها الخارجية وهذا هو قمة العقل والحنكة السياسية والفكرية ونحن كشعوب عانينا اشد الويلات والدمار من جراء التدخلات الايرانية القبيحة في بلدنا العزيز العراق الجريح نرفض وبشدة هذه التدخلات الفارسية المجوسية التي لا تحمل شيء واحد من تعاليم الدين الاسلامي الحنيف التي تتغنى به دائما ايران وهي ابعد ما تكون عنه وعن كل الاعراف والقيم الاخلاقية فتبا لها وتعسا !!! وفي الوقت الذي ندين به تدخلات ايران ندين وبنفس الشدة وربما اكثر :: الصمت المهيب والرهيب والذليل والجبان من كل القادة الدينيين والسياسيين وبشتى انواعهم ونقول لهم :: لا تكونوا كمن يكيل بمكيالين والسلام ؟!!

Iraq
Iraqi -

تحليل جميل وعميق من سيادة الكاتب. اود ان اضيف بان العرب صحيح خارج الطاولة بل انهم دائما خارج الطاولة . بدل ان يستغل العرب ايران للضغط على الغرب بان يتحالف ولو شكليا مع ايران ومطالبة الغرب ببعض التنازلات في قضية فلسطين مقابل التخلي عن موقفه ذهبوا الى محاربة ايران وبطرق غريبة مثل المنطق الطائفي كسنة وشيعة مع انهم اول من سيكتوي بنارها لو انتشرت لاسامح الله . ان الفرص المتاحة للعرب كثيره لاكنهم يصرون المرة تلو الاخرى باهدارها. قضيةامتلاك ايران للقنبلة الذرية وخوف اسرائيل وتردد الغرب يعطينا فرصة ذهبية لنحقق بعض المكاسب لكننا مهملي عديمي الذكاء وقصيروا النظر نتخاصم ونقسم بعضنا الى سنة وشيعة. اسئل قادتنا ومفكرينا العظام ماذا لو ان اسرائيل استمالت ايران واتحدت معها .. اين ستذهبون؟؟ في عالم المصالح كل شيء ممكن اللا شيء واحد وهو صحوة العرب..