جريدة الجرائد

المؤسسة الدينية: الأنظمة والثورات

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

رضوان السيد

شهدت ذكرى المولد النبوي عدة ظواهر دالّة في بلدان الثوران العربية، ففي مصر، حيث كانت ذكرى المولد تشهد تظاهرة مهيبة من جانب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف، تنتهي بخطابٍ لرئيس الجمهورية، جرى إلغاء الاحتفالات كلها، بحجة الأحداث والاضطرابات المستمرة. أما في سوريا، فإن النظام حرص على غير العادة على الاحتفاء بالذكرى، إنما بطرائق تدعو للتأمل، فقد أُقيم احتفالٌ مركزيٌ حضره الأسد وإلى جانبه المفتي العام أحمد حسّون، وأُلقيت خطاباتٌ تشيد بعهد الرئيس ووالده، وما قدّماه للإسلام والمسلمين. وفي الوقت نفسه وبالجامع الأموي بالذات، أقام "وئام وهّاب"، وهو سياسيٌ لبنانيٌّ من الطائفة الدرزية، احتفالاً ليس للنبي عليه الصلاة والسلام، بل لكبير علماء سوريا البوطي، ومفتيها حسّون، لأنهما دعما النظام ويدعمانه! وعرف عن البوطي قوله عدة مرات على التلفزيون إنه إذا ذهب الأسد ذهب الإسلام!

وكنتُ قد استظهرتُ في دراسة لي قبل عدة سنوات أن الأنظمة العربية سلكت تجاه المؤسسة الدينية، خلال العقود الخمسة الماضية، أحد ثلاثة مسالك: التقوية والاستيعاب والاستتباع، أو الإضعاف الشديد إلى حدود الإلغاء، أو الحيادية التي تتراوح بين الإيجاب والسلب. أما توجه الإبقاء والاستتباع، فيبدو في البلدان العربية الكبرى مثل السعودية ومصر والمغرب، بينما تبدو الحيادية المراوحة بين الإيجاب والسلْب في بلدانٍ مثل لبنان والأردن والجزائر وموريتانيا. في حين تبدو سياسات الإضعاف الشديد أو المتوسط في بلدانٍ مثل تونس وليبيا وسوريا والعراق. ولاحظتُ أن حركات العنف الإسلامي، من خارج المؤسسة ظهرت غالباً في بلدان الإضعاف، بينما كان ظهورها متوسطاً في بلدان الاستيعاب والاستتباع، في حين لم تكدْ تظهر في بلدان الحيادية أو النأْي بالسلطة عن المؤسسة (إيجاباً أو سلباً) بشكل ظاهر.

ومن الناحية الدينية والتاريخية، نلاحظ أن المؤسسة الدينية السنية ما كانت بالغة القوة في بلدان ونواحي الأكثرية الإسلامية، لأنها لا تتولى مهمة مقدسة من جهة، ولأنها من جهة أخرى كانت في الغالب على علاقة حسنةٍ بالدول والأنظمة. فمنذ القرن الرابع الهجري تقريباً، استقر الأمر على الفصل بين الشأنين السياسي والفقهي أو على قسمةٍ في العمل بينهما، فللسلطة السياسية المرجعية العليا في ظل الإسلام، بينما على الأرض يتولى الفقهاء شؤون التعليم والفتوى والأوقاف والقضاء والعبادات، بينما يتولى "أرباب السيوف" إدارة الشأن العام في التعيين والعزل والإدارة، وفي "توزيع الفيء"، وصون الأمن، وقضايا الحرب والسلم، ويبقى هناك تداخلٌ بين المؤسستين في عدة مجالات، مثل القضاء والحج والحسبة وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي مجالات التداخل بالذات ظل التجاذب قائماً وبحسب الظروف. وهذا الوصف المُقارب للنموذج داخلته متغيراتٌ في زمن الدولة الوطنية والأنظمة العسكرية التقدمية. ففي السعودية والمغرب مثلاً قامت شراكة بين المؤسستين مع أرجحية لولي الأمر أو أمير المؤمنين، أما في دول الوطنيات العسكرية، فظهر الصدام أو الاستقطاب بين الحكام الجدد وكبار رجالات المؤسسة الدينية، وذلك لأن المؤسسة تقف في وجه الحداثة والتحديث والتنمية. ولذلك فقد مالوا جميعاً إلى عزل المؤسسة إن أمكن أو استيعابها واستتباعها إن لم يكن إلغاؤها ممكناً. وفي هذا الصدد كان بورقيبة والقذافي وصدام والأسد حاسمين لجهة عزل المؤسسة وإضعافها. وما سعت ثورة 23 يوليو للإضعاف صراحة، لكنها سعت للاستيعاب والاستتباع. وقد برزت الحاجة للمؤسسة لدى سائر الأنظمة الجديدة منذ السبعينيات. فقد ظهر الإسلام الأصولي فالسياسي، والذي أراد تجاوز المؤسسة الدينية التقليدية، وتوجه للصدام مع الأنظمة التقدمية، ولذلك، وباستثناء النظام السوري، فإن سائر الأنظمة خففت الضغط على المؤسسة الدينية الرسمية، وحاولت الاستعانة بها في مواجهة الإسلاميين.وبالفعل فإن القذافي الذي كان يُماهي في البداية بين الإسلام والسنوسية، وصدام الذي كان يُماهي بين الإسلام والرجعية، سلّما للمؤسسة الدينية التقليدية بتولي الشأن الديني، وصار القذافي يتحدث عن المذهب المالكي باحترام، بينما آمن صدام بكرامات الصوفية والأولياء.

وعندما نشب النزاع بين "جبهة الإنقاذ" والنظام الجزائري، لجأت السلطات لتقوية وزارة الأوقاف للاستعانة بها في مواجهة الإسلام العنيف.

إن هذا يعني أن المؤسسة الدينية السنية ضعُفت حين انصرف الشباب عنها إلى حركات الصحوة الجديدة، ثم ازدادت ضعفاً بضغوط الأنظمة عليها لجهة الموارد المادية والأوقاف، ولجهة الفتاوى التي استُدرجت لإصدارها ضد الإسلاميين على مختلف أشكالهم.

لكن هذا شيء وحكاية المؤسسة الدينية مع النظام السوري شيء آخر. فحافظ الأسد ونظامه كله ينتمي للطائفة العلوية. ورغم نجاح انقلابه على رفاقه عام 1970 فإنه ما تولى رئاسة الجمهورية فوراً، بل عهد بها مؤقتاً إلى أحمد الخطيب، أحد المعلمين البعثيين القُدامى. ولأن الدستور الذي ينص على أن حزب "البعث" هو الحزب القائد في الدولة والمجتمع، ينص أيضاً على أن دين رئيس الدولة الإسلام، فقد كان الأسد الأب حريصاً على حضور الصلاة بالجامع الأموي في المناسبات، وإقامة إفطار "لأرباب الشعائر الدينية". وقد أئتمن على الإسلام كُله تقريباً الشيخ أحمد كفتارو من الطريقة النقشبندية (من أصلٍ كردي)، والذي ظل مفتياً لسوريا حتى وفاته أواخر التسعينيات.

أما وزير الأوقاف، والذي يشرف على المساجد والأئمة، فكان دائماً من قُدامى البعثيين، وعلى علاقةٍ وثيقةٍ برجال الأمن. وعندما حصل تمرد "الإخوان المسلمين" (1980-1982) والذي انتهي بمذبحة حماة المشهورة، تبين للأجهزة الأمنية، أن كثيراً من الأئمة والمدرسين كانوا أعضاء في "الإخوان"، ولذلك قلّت ثقة الأسد بالجهاز الديني كله إلى أقصى الحدود. وفي كتاب الفرنسي Pirret الصادر قبل شهور عن النظام السوري والإسلام والجهاز الديني، أن نظام الأسدين سيطر سيطرة تامة على كل المناشط الدينية، بما في ذلك تعيين الأساتذة وترقياتهم بكلية الشريعة التابعة لجامعة دمشق. أما المساجد فهي خاضعة تماماً لوزارة الأوقاف، ويراقب المصلون الذين يكثرون التردد إليها في غير صلاة الجمعة، وتُقفل بعد صلاة العشاء، وأحياناً فيما بين الأوقات للمساجد غير الرئيسية. وقد اختصَّ الأسد الأب بعض كبار رجال الدين بالاهتمام منذ الثمانينيات وعلى رأسهم البوطي. وقد بلغت ثقته به أن قبل وساطته في عودة بعض "الإخوان" والقريبين منهم، لذلك اعتاد البوطي في خُطبه على اعتبار الأسد من أمثال صحابة رسول الله في الورع والتقوى، وقد سمعته يقول ذلك في لبنان بإحدى المناسبات، وسألته بعد الاحتفال المذكور، فقال لي: إننا نجاملهم من أجل التخفيف عن الناس، ولأنهم حققوا استقراراً في سوريا ما عرفته من قبل، كما لم يعرفهُ لبنانكم! ويذهب كثيرون إلى أن الأسد الابن خفّف الكثير من الإجراءات عن المؤسسة الدينية في سنوات حكمه الأولى (2000-2005)، لكنه في العامين 2006 و2008 عاد فشدّد القبضة عليها، بما في ذلك أولاد الشيخ كفتارو. وقد كان سبب تذمرهم عام 2008 ظهور الكثير من المعاهد والجامعات الشيعية، الإيرانية واللبنانية. والمعروف أن العلويين شديدو الحرص على استقلاليتهم الدينية، لكن الأسد وإبنه، وبسبب التحالف مع إيران، وشيعة لبنان، شجّعوا دونما تصريحات واضحة على اعتبار العلويين جزءاً من الطائفة الشيعية.

ومع قيام الثورة السورية، جرى إقفال عشرات المساجد، كما تهدّم بالقصف أكثر من مائة مسجد. وقُتل عشرات الأئمة، وسُجن عشراتٌ آخرون. لكن المنشقين ما كانوا كثيرين، إذا عرفنا أن في سوريا آلاف المساجد، وعشرات الألوف من الأئمة والخطباء والمدرسين!

أخبرني الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين أنه عندما توفيت أم حافظ الأسد، سارع إلى الذهاب لحضور جنازتها ودفنها بالقرداحة. وعندما أراد التقدم للصلاة عليها بطلبٍ من مشايخ العلويين قال له الأسد: أنت عالمنا وكبيرنا، لكن الوالدة مثل سائر عائلة الأسد هي من أهل السنة وعلى المذهب الشافعي، ولذا فسوف يصلي عليها شيخ شافعية الشام محمد سعيد رمضان البوطي!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف