جريدة الجرائد

من يحدد أسعار النفط؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

علي بن طلال الجهني


تحدد أسعار النفط، كما يرى كل متابع مؤهل محايد، قوانين الأسواق. أي أنها تحدد سعر النفط، كما تحدد سعر غيره من السلع المماثلة أو المختلفة، المعروض والمطلوب آنياً و"المتوقع" عما قد يؤثر في المستقبل في ما سيتم عرضه أو سيتم طلبه، بما في ذلك التغيرات التقنية وسلامة ممرات تجارة البترول ونسب النمو في الدول المستهلكة أجمع.

ولا يبرر المستوى الحالي لأسعار النفط - وقد يكون مرتفعاً نسبياً نسبة إلى متوسط نمو أهم الدول المستهلكة للنفط - إلا تهديدات النظام الإيراني بما فيها اللجوء إلى تجنيد الإرهابيين الانتحاريين وتأثير هذه التهديدات في ممرات النفط.

أما بالنسبة إلى "المحافظين" المجددين من الليكوديين، فإن الذي يحدد أسعار النفط هي منظمة "اوبك".

ولن يخدم مصلحة مستهلك للنفط ولن ينفع مُصَدِّراً له تحميل "منظمة اوبك" أكثر مما تحتمل أو ما هي قادرة على تحقيقه. فحينما تم تأسيس "أوبك" في بغداد في أيلول (سبتمبر) 1960 من ثلاث دول عربية (العراق، السعودية، الكويت) وفنزويلا وإيران، لم يعرها أحد أي اهتمام، خارج أروقة الشركات الغربية السبع، المسيطرة فعلاً على إنتاج وتسويق النفط ومشتقاته في ذلك الوقت.

واستمرت "اوبك" منظمة مغمورة حتى حرب رمضان (أكتوبر 1973). والذي جذب اهتمام وسائل الإعلام، وخصوصاً وكالات الأنباء، وهي في مجملها غربية وأهمها الأميركية، ليس ما فعلته "أوبك"، وليس ما كانت قادرة على فعله. السبب الحقيقي للاهتمام هو قرار الملك فيصل (رحمه الله) بإيقاف ما يمكن إيقاف تصديره إلى أميركا وحلفائها بسبب تحيزهم لإسرائيل خلال وبعد حرب 1973. وقد انضمت الدول العربية الأخرى المصدرة للبترول إلى السعودية في خفض الصادرات. وخفض الصادرات، بحد ذاته، وليس "أوبك" المنظمة، هو سبب ارتفاع أسعار النفط في أواخر 1973 وخلال أوائل 1974.

ولكن الغرب وبقيادة أكاديميين أميركيين من المناوئين لشركات النفط الكبيرة ولكل من له علاقة اقتصادية بالعالم العربي، وجدوا في "أوبك" ما وجده بني أمية في قميص عثمان. وكانوا وما زالوا أكثر من سعداء باتهام منظمة "اوبك" بـ "الاحتكار". والمحزن أن بعض أعضاء "اوبك" صدقوا الأسطورة وتوهموا أنه يمكنهم إملاء أي مستوى من الأسعار يودون إملاءه.

وتدريجياً صار وصف "أوبك" بـ "الكارتيل"، أي منظمة تآمرية احتكارية، أمراً شائعاً ومعتاداً وكأنه حقيقة لا شك فيها. ولو كانت الأمور بالتمني لتمنينا أنه يمكن حقيقة استصدار موافقة كل عضو من أعضاء المنظمة على قراراتها، والأهم، الالتزام بتنفيذ ما يصدر من قرارات. ولو كان الأمر كذلك لاستطاعت منظمة "اوبك" التأثير في المعروض وفي المتوقع عرضه وبالتالي التأثير، مهما كان محدوداً، في الأسعار.

ولكن تاريخ قرارات "اوبك" يوضح بجلاء ندرة اتفاق جميع أعضائها على قراراتها. وإذا حدثت الموافقة بعد لأي لم يتبعها التنفيذ بما تم الالتزام بتنفيذه. وعلم الاقتصاد المجرد يقول إن اتفاق من تتناقض مصالحهم، كما هو الحال بين أعضاء "اوبك"، وتنفيذ ما قد يتفقون عليه، هو من قبيل الوعود التي لا ينفذها المتفقون. وليس أدل على ذلك مما حدث بالنسبة إلى صناعة الحديد في الولايات المتحدة في الثلاثينات من القرن الماضي.

لقد كانت شركة "يو أس ستيل" وشركة "بيت لحم ستيل" تنتجان أكثر من نصف إنتاج الولايات المتحدة من الحديد. وكان رئيسا الشركتين العملاقتين، في ذلك الوقت، صديقين وعضوين في نادٍ للعبة "الغولف" في مدينة بيتسبرغ، عاصمة صناعة الحديد في أميركا وفي العالم قاطبة في الثلاثينات من القرن الماضي. فقال لهما صديق مشترك متسائلاً، ما دام أنكما صديقان وتلعبان معاً لعبة "الغولف" في كل يوم أحد، وما دام أنكما تنتجان أكثر من نصف كمية الحديد المتوافر لشراء المستخدمين، لماذا لا تتفقان على "تحديد" أسعار الحديد وسيحذو حذوكم بقية المنتجين بالالتزام بالسعر الذي تتفقان عليه؟

وكان جواب كل منهما واحداً: نعم نحن نتفق على مستوى الأسعار في كل يوم أحد حينما نلعب "الغولف" ولكن الذي يصل منا إلى مكتبه قبل الآخر في صباح الاثنين، يتصل بأهم عملائه ويعدهم بسعر أقل قليلاً، مما تم الاتفاق عليه بعد ظهر يوم الأحد، لزيادة مبيعاته! وقالا سوياً: نعم نحن نتفق دائماً، ونحن أيضاً لا ننفذ أبداً ما نتفق عليه.

وهذه هي المشكلة الأبدية لكل مجموعة من الشركات أو حتى الدول مهما كان العدد المؤثر محدوداً. كثيراً ما تتفق على ما يخدم مصالح الجميع. ولكنها لا تنفذ إلا ما يخدم مصلحة كل منها على حدة.

إن المتابع لا يجد صعوبة في فهم دوافع أعدائنا السياسيين، وفي الولايات المتحدة تحديداً، بتسمية منظمة "اوبك" منظمة احتكارية، وتحميلها وزر أي ارتفاع في أسعار النفط بما في ذلك المستويات التي وصلت إليها أسعار اتفاقيات تسليم النفط آجلاً.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف