تناهي مدرج التطرف الديني
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
محمد خليفة
إذا نظرنا إلى طبيعة العالم الأوروبي من خلال نظرية التطور المادي، نجد أن هناك نقلة كبيرة من الإمكان إلى الواقع، ففي نظرية مدارج الحياة (وهي المدرج الحسي والمدرج الأخلاقي والمدرج الديني)، لا يفضي الواحد منها إلى الآخر على نحو طبيعي متصل، بل يكون الانتقال أشبه بالطفرة من الواحد إلى الآخر، ووسط هذه المتناقضات وهذا التوتر يقوم وجوده على التجربة الحسية والمثالية المتعالية أو نظام التواليات والحقائق العلمية الممكنة الذي يجعل للزمان طابعاً جوهرياً سارياً في الوجود يحدد طبيعته وماهيته، لتقدير قدرة العقل على إدراك الوجود الخارجي وتقسيم الوجود على هذا الأساس إلى قسمين: قسم يُدرك بالعقل ويخضع للعقل، وقسم لا يمكن أن يبلغه العقل، بل يظل هذا المجهول الأكبر، وبالتالي وَقَفَ العقل عند حدود الطبيعة التي فرضتها عليه .
ولذلك فإن عنصر التطرف لا يمكن أن يدخل في الدياليكتيك الحي الوجودي؛ لأن الفكر أو العلم يقوم على الكلي، ولذا اتسم الفكر الغربي بطابع العموم، واتسم الوجود بطابع الفردية ومعناها الذاتية والحرية التي تقتضي الإمكانية الاعتقادية، لأن الحرية تتضمن الاختيار؛ وعلى هذا فالشعور بالذات لا يتم إلا بممارسة النفس لقوتها الخاصة، ممارسة حرة خالصة من كل قيد من قيود الضرورة أو المصير أو الإيمان إلى أقصى درجات الحرية المسؤولة بالمعنى الأعلى لكل وجود إنساني .
لذا فإن المتأمل في الفلسفة المادية الأوروبية، وما تولد عنها من مذاهب نجدها تقول صراحةً، بعبثية الحياة، وتلغي القيمة المقدسة، فالحرية عند معتنقي هذه المذاهب، هي انعتاق من كل ما يعيق الإنسان في سيره نحو تحقيق الغاية الجوهرية من وجوده، وتتجلى فقط في العلم والفن والفلسفة والقانون، وتنحدر بغائيتها وإرادتها وحياتها إلى درك من الميكانيكية انطلاقاً من نظرية كوبيرنيكوس بات؛ إن الإنسان أشبه ما يكون بآلة قد تكون أكمل صنعاً من غيرها من الآلات الأخرى، وإن الكون ليس سوى مادة -في اعتقاده- لأن المادة تستطيع أن ترسم هدف الإنسان ومسيرته، بحكم الضرورة الميكانيكية المحضة . وذهب إلى أسوأ من المقولة آنفة الذكر، فقال: إن المادية تعني أن الإنسان شيء من أشياء الطبيعة، وأنه خاضع للقوانين ذاتها التي تخضع لها الأشياء كافة، والوجود المادي هو ذلك الوجود الحقيقي . وبناء عليه، تكرست الحضارة الأوروبية وجوداً مادياً وعقلاً حسياً، وبنزعة عالمية صرفة .
وقد كان لإنكارها موضوعية القيم، دور في ظهور الحركة الانشقاقية عن الكنيسة الكاثوليكية، فعندما قام الراهب الألماني مارتن لوثر 1483 بإعلان المنهج الإصلاحي الكنسي المعروف باسم النقاط الخمس والتسعين، لم يكن هذا المنهج هو الأساس بالنسبة إلى الكنيسة البروتستانتية فقط؛ بل كان أيضاً تكريساً للمادية كنظرة إلى الكون والإنسان والمجتمع والدولة . ولا خلاف أن المادية التي دشنتها البروتستانتية كانت التربة التي نمت فيها مادية القرن السابع عشر، وألغت كل ما تعنيه تجارب الإنسانية الدينية، وذلك عن طريق اكتشاف القوانين العقلية العامة التي تتحكم في حركة التاريخ . وقالوا: إن التاريخ الحق هو تاريخ الفكر الذي يكشف عن تقدم العقل البشري، وتأكيد العلمانية بمفهوميها الدنيوي والعلمي .
لذا أصبحت العلمانية هي خط الدفاع الأول الذي تخوض منه المادية حربها ضد الأديان السماوية بعامة، وضد الدين الإسلامي بخاصة . وبرهان ذلك ما انبثق عن المادية من أيديولوجيات وأنظمة حديثة تبدأ برأسمالية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر وصولاً إلى الرأسمالية الليبرالية .
وقد تناولت الصحف ووسائل الإعلام الغربية بالتحليل في كتاب ldquo;المسيحية والإسلام . . تاريخ المواجهات الفاشلةrdquo; للمؤلف لودوفيغ هاغيمان الباحث الألماني المتخصص في علوم الأديان بجامعة ldquo;مانهايمrdquo; الألمانية . فقد تناول المؤلف في كتابه سرد الماضي الدموي في العلاقات الإسلامية المسيحية، وتاريخ المواجهات الفاشلة والصراع والغزو المتبادل . ويأتي نشر هذا الكتاب بعد مرور شهر من حادث مدينة تولوز الفرنسية الذي نفذه مسلم فرنسي من أصل جزائري ضد مدرسة يهودية للأطفال وثلاثة جنود . وقد تركت هذه الحادثة تأثيراتها في مجمل أوضاع الجالية العربية والإسلامية في القارة الأوروبية، وبخاصة فرنسا . فالثابت أن الدين الإسلامي هو ثاني الأديان في فرنسا بعد الكاثوليكية . وقد تعايش المسلمون في أمان مع فئات الشعوب الأوروبية متعددة الديانات . والمسألة تعود في جوهرها إلى مبدأ الحرية المرتبطة أساساً بالليبرالية التي اتخذها الغرب أيديولوجية . . بمعنى أن كل إنسان يفعل ما يريد ويعتقد كيفما يريد، ولكن جريمة تولوز كشفت بحق عن صدام حضاري مقلق لا يلبث أن يتفاقم مع المقبل من الأيام؛ فمحمد مراح اسم لشاب فرنسي نشأ في فرنسا، ولم يستطع التعايش والاندماج في المجتمع بشكل طبيعي، ما جعله فريسة العزلة التي دفعته إلى التطرّف -والانتماء لتنظيم القاعدة المتطرف- فارتكب جريمته البشعة . ومما زاد من بشاعتها، ليس اعترافه بارتكاب جريمته، ولا قيامه بتصويرها؛ بل في تبريره الذي ساقه لهذا الجرم؛ وهو رفضه لقانون حظر ارتداء النقاب .
لقد تكرر هذا المشهد من قبل في بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا؛ وهو سلوك يأتي استناداً إلى مضامين ذلك الفكر . وتلك الأيديولوجية الدينية المتطرفة التي تنطلق من أرضية رفض الآخر مستندة إلى ذات انغلاقية متطرفة، ترتكز على مفاهيم الإقصاء والإلغاء، وتعتمد ثقافة التطرف التي أسهمت عدة عوامل في ترسيخها، ولاسيما أن البيئة الحاضنة لها عامل مؤثر، من خلال توظيف النص الديني، مستغلة المناخ الديني والبيئة المغلقة لزرع أفكارها الراديكالية في تلك المجتمعات التي تحمل الكثير من التقديس لكل ما هو ديني؛ بل تجاوزت كل ذلك لتستهدف الشباب المسلم في الغرب، وتجنيده من أجل القيام بعمليات إرهابية، بالرغم من أن هؤلاء الشباب ولدوا في أوروبا، وعاشوا مع أسرهم في ldquo;كانتوناتrdquo; واحتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم كما كان يعيش أجدادهم في القرى والجبال بالدول التي هاجروا منها، وبالأخص دول شمالي إفريقيا، ولم يغيروا من عاداتهم وتقاليدهم الثقافية والبيئية، وأسهموا في صنع الصورة السيئة عن العرب والمسلمين، بسبب رفض الكثيرين منهم قيم التعايش والتسامح والتركيز على القواسم المشتركة في وطن يحتوي الجميع .
لذا فإن أوروبا المادية العلمانية لا يمكن أن تقبل بالمسلمين المتطرفين، وغير المتثبتين من حقيقة دينهم وطبيعته، والتي تهيمن عليهم الرؤى التقليدية المتخلفة، وتعتمد الكراهية والتعصب لمجرد الاختلاف، وهو تصرف مخالف لغاية الوجود الإنساني وأهدافه الكلية التي تتجلى فيها النتيجة الحتمية وهي الارتكاز في المنحدر الهابط، والانحراف عن الفطرة القويمة الكلية .