جريدة الجرائد

القاعدة 2.0 نسخة غير تجريبية!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يوسف الديني


يبدو أن "ربيع الأوهام" السياسية لا يقتصر على غياب قراءة الثورات بأدوات تحليلية تستلهم المنطق واستبدالها بدوافع رغبوية لا تنتمي للواقع بصلة؛ بل تجاوز الأمر إلى تصورات مغلوطة ساهمت في خلق كل هذه الفوضى المفاهيمية، وبالتالي كرّست لفوضى الممارسة السياسية.

فوضى المفاهيم لم تقتصر على التعامل مع الثورات؛ بل تجاوزتها إلى فهم التحديات التي نعيشها اليوم في ظل عودة "القاعدة" للمشهد الإعلامي؛ في حين أنها لم تنقطع منذ مقتل زعيمها في مايو (أيار) 2011 عن الواقع، وإن غابت عن الميديا وتصدر شاشات الأخبار.

جزء من الأزمة كان وما زال هو طريقة إدارة الحرب على الإرهاب من قبل الولايات المتحدة، والتي باتت الآن تتعامل مع "القاعدة" على طريقة تقويم المناسبات Calendar حيث يتم استدعاؤها لأسباب انتخابية مع ذكرى الحادي عشر من سبتمبر، والآن مع تجديد الذكرى بمقتل زعيمها لذات الأسباب.

النظر إلى "القاعدة" كتنظيم مؤسسي أقرب إلى الميليشيات المسلحة لكن بنسخ محلية وأخرى عالمية خطأ استراتيجي كبير أدى إلى فشل الحرب على الإرهاب رغم كل التحولات الكبرى التي عاشها التنظيم وكان من أقساها مقتل زعيمه الذي كان قد مات عمليا حيث تم ترميزه قبل موته كأيقونة ملهمة لفروع "القاعدة" الصغيرة والتي بدأت تنسل بكثافة ليس فقط في مناطق التوتر، وإنما امتدت إلى إقامة معسكرات آمنة في شكل خلايا تنظيمية في كل من العراق واليمن والصومال ومالي والقرن الأفريقي وفي سيناء بل وفي عدد من الدول الأوروبية.

لا يمكن فصل "القاعدة" كحركة إحيائية مسلّحة لا تؤمن ولا تثق في العمل السلمي وإن كانت يمكن أن تنتظر عواقبه لتبني عليه استراتيجيتها كما هو الحال في موقف "القاعدة" من الثورات، والذي بحاجة إلى رصد واع إذا ما أخذنا في الاعتبار تباين موقفين: الأول موقف الظواهري الذي تجلّى في رسائل إلى الأمة المصرية وإجاباته عن أسئلة الصحافيين المتعلقة بالثورة والتي كانت تدور في عدم الثقة بالديمقراطية، ليس لكونها مخالفة للشريعة فحسب؛ بل لأن النظام العالمي المستكبر والذي تقوده الولايات المتحدة وفقا للظواهري لن يدع الأمة تختار طريقها نحو دولة الشريعة، وهنا طبعا نلحظ استبعادا كاملا لمفردات "القاعدة" الأثيرة من أولى الخطوات الجهاد وحتى آخر درجة في سلم "القاعدة" وهي دولة الخلافة التي يتربع على عرشها أمير المؤمنين.

الموقف الثاني كان لقاعديي المهجر كأبي بصير وآخرين الذين يرون في الثورات فرصة سانحة للتغيير، وأن على "القاعدة" أن تتوقف عن العمل إلى أن يتبين فشل الطريق السلمي حتى لا تفقد جمهورها المتعاطف مع الثورات، كما أن تلك الثورات حققت على الأقل سقوط الطغاة وإن لم تقم دولة الخلافة حتى الآن.

والحال أن منطق "القاعدة" ما بعد الثورات فيه الكثير من السياسة والقليل من الآيديولوجيا، ولعل ثقة "القاعدة" بنفسها تجلّت في النجاحات المتتالية لها في إقامة مجموعاتها الصغيرة سريعة النمو في البلدان التي فشلت في استثمار الثورات لصالح بناء الدولة، الأمر يحدث بكثافة نوعية في اليمن وليبيا وشمال أفريقيا وبنسب أقل في تونس وسوريا، لكن المتابع لحراك "القاعدة" على الإنترنت سيلاحظ دون أدنى شك الكم الهائل من خطابات التحفيز وإعادة البناء والجدل حول حدود المشاركة والترقب فيما يخص الحالة السورية بين تيارات ترى خصوصية الحالة السورية التي قد تلفت الأنظار عن أهداف "القاعدة" الحالية في هذه المرحلة من إعادة البناء، هذه الأهداف تتمثل في بناء آمن لمناطق اكتفاء ذاتي في اليمن وشمال أفريقيا والصومال، تستطيع من خلاله أن تتبنى استراتيجيات جديدة في حربها تجاه الولايات المتحدة.

الأكيد أن قوة "القاعدة" في أفكارها العابرة للقارات والتي تصل إلى شرائح جديدة كل يوم بسبب تفاقم الأزمات على مستوى الهوّية والانتماء في ظل الاضطرابات السياسية، فيما تتحكّم العوامل الاقتصادية وحالة التهميش الاجتماعي لمسلمي أوروبا إلى تبني خيار "القاعدة" ولو بشكل تدريجي وبين مجموعات وفئات سِنية معينة.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف