كيف نوقف الشلل الدولي في سورية؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
عبدالعزيز حمد العويشق
وفقا لمبدأ "مسؤولية الحماية" فإن هناك التزاما دوليا بحماية المدنيين، بموافقة مجلس الأمن أو بدونها. فلماذا لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف الانتهاكات في سورية؟
في يوم الجمعة (1 يونيو 2012) ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف مذبحة الحولة، التي ذهب ضحيتها (108) من المدنيين، منهم (49) طفلاً و(34) امرأة. وفي ختام الاجتماع، تبنى قراراً بالإجماع تقريباً (عارضته روسيا والصين وكوبا فقط)، يدين الحكومة السورية. وكلف المجلس "الهيئة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في سورية"، التي شكلها المجلس العام الماضي، بإجراء "تحقيق سريع، مستقل وشفاف" عن هذه المذبحة، وجميع الجرائم ضد الإنسانية، والانتهاكات الأخرى للقانون الدولي التي تُرتكب في سورية، بهدف ملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم. وطلب من الهيئة تقديم نتائج هذا التحقيق إلى دورته القادمة، المقرر عقدها خلال الفترة من 18 يونيو إلى 6 يوليو 2012.
والحقيقة أن اجتماع يوم الجمعة الماضي هو رابع "دورة خاصة" يعقدها مجلس حقوق الإنسان عن سورية منذ بدء الأزمة السورية في مارس 2011، حيث أسس في دورته الثانية هيئة التحقيق المستقلة التي أشرتُ إليها، والتي قدمت أول تقرير لها في نوفمبر 2011، وخلُصت فيه، إذ ذاك، إلى تواتر الأدلة على ارتكاب قوى الأمن والجيش جرائم بحق المدنيين. ووضعت الهيئة في وقت لاحق قائمة بأسماء بعض المسؤولين عن ارتكاب الفظائع، بما في ذلك جرائم ضد الإنسانية.
وفي مارس 2012، بناءً على تقرير من هيئة التحقيق المستقلة، أدان مجلس حقوق الإنسان الحكومة السورية بسبب ارتكابها لانتهاكات "منظمة وواسعة النطاق" لحقوق المدنيين. وتأكيداً للإجماع الدولي بهذا الشأن، لم يعارض قرار المجلس في مارس سوى روسيا والصين وكوبا، تماماً مثل ما حدث يوم الجمعة الماضي.
ومع أن جهود المجلس وهيئة التحقيق المستقلة التي شكّلها مشكورة ومقدرة، إلا أن النتائج مازالت مخيبة للآمال، إذ استمرّ القتل في سورية، ولم يُعرْ النظام السوري اهتماماً لإدانة المجلس المتكررة لها، ولم يستجب لنداءات المنظمة الدولية بالسماح للمنظمات الإنسانية بالعمل في سورية لمساعدة المدنيين.
وتقدر المنظمة الدولية الآن أن أكثر من تسعة آلاف شخص، معظمهم مدنيون، قد قُتلوا في سورية منذ مارس 2011، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى والنازحين واللاجئين والمشردين.
وغني عن القول أن الحكومة السورية لم تسمح لهيئة التحقيق الدولية بزيارة سورية، كما لم تسمح للمنظمات الدولية الأخرى، أو الصحافة العالمية، بالدخول إلى سورية. السبب يبدو واضحا: إنها تحاول منع أي تحقيق مستقل في الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب السوري.
وفيما رفض النظام السوري الاستجابة لجميع جهود مجلس حقوق الإنسان في جنيف، فإن روسيا ضمنت من جانبها ألا يتخذ مجلس الأمن في نيويورك أي إجراءات لإلزامه بوقف الانتهاكات بحق المدنيين العزل، حيث تستخدم سلاح الفيتو لإحباط أي مشروع قرار يُطرح على المجلس. وفي الوقت نفسه تستمر روسيا في تقديم السلاح لدعم قدرة النظام على قمع الاحتجاجات وقهر إرادة الشعب السوري، في معركة غير متكافئة أصلاً.
وهكذا نجد أنه على الرغم من أن نظام تقصي الحقائق في الأمم المتحدة قد توصل إلى قناعة بأن انتهاكات صارخة قد ارتُكبت في سورية، وعلى الرغم من أن ثمة إجماعاً دولياً على طبيعة تلك الانتهاكات وتوصيفها في القانون الدولي، فإن المجتمع الدولي يبدو كمتفرج على مسرح الأحداث، فيما تحمي روسيا حليفها من أي إجراء دولي رادع.
ولكن هل هذا ما يجب أن تكون عليه الحال في النظام العالمي؟ هل هو مشلول قانوناً عن التحرك كما يتوهم النظام السوري؟
ألا يستطيع المجتمع الدولي التحرك بشكل قانوني لحماية المدنيين، في ظل فشل النظام السوري في حمايتهم، بل ضلوعه في قتلهم؟ ما هي الوسائل الممكنة، في النظام الدولي، لتقديم مساعدة عاجلة وفعالة للمدنيين هناك؟
لدينا مثال سابق للحالة السورية: ففي عامي 1998-1999 كانت كوسوفو في وضع مشابه. وحينئذ، كما هو الحال اليوم، كانت ثمة معركة غير متكافئة بين الجيش الصربي والمدنيين العزل. ومثلما هو واقع اليوم، رفضت روسيا حينها أي إجراء طرح في مجلس الأمن للجم حليفتها صربيا. ولكن مجموعة من الدول اتفقت خارج نطاق مجلس الأمن، وبدون إذن منه، وتدخلت ونجحت في وقف المذابح التي كانت القوات الصربية ترتكبها في كوسوفو، كما تفعل القوات السورية اليوم في بلادها.
ألا يمكن استخدام مثال كوسوفو لحماية المدنيين في سورية؟ في الحقيقة أن مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي بدأ يستقر كأحد الأعراف الدولية، يمكن أن يسند أي جهد دولي أو إقليمي صادق لحماية المدنيين السوريين. وقد تطور هذا المبدأ على مدى السنوات القليلة الماضية، وتم تطبيقه بنجاح في عدد من النزاعات في مناطق مختلفة من العالم.
وقد أقرت الأمم المتحدة هذا المبدأ في مؤتمر دولي عُقد لهذا الغرض في عام 2005، حين تم الاتفاق على أن ثمة مسؤولية دولية مشتركة لمنع ووقف جرائم التطهير العرقي، والإبادة العنصرية، والجرائم ضد الإنسانية. وفيما بين عامي 2005 و2010، تم تطبيقه في ثلاثة قرارات وبيانات صادرة عن الأمم المتحدة، أما في عام 2011 فقد تم تفعيله في ستة قرارات على الأقل، منها أربعة صدرت عن مجلس الأمن، بشأن ليبيا وجنوب السودان واليمن. وتم تفعيله في الجهود الدولية التي أنهت النزاع في ساحل العاج.
وهذا المبدأ مبني على أسس مستقرة في القانون الدولي المعاصر، بأن سيادة الدولة ليست مطلقة، بل مشروطة بمبادئ وأعراف القانون الدولي نفسه. وحيث إنه لا شك في أن هذا القانون يعتبر جرائم معينة مناقضة لأهدافه وأغراضه، فضلاً عن أسسه الأخلاقية، وتسمى تلك الجرائم بـ "جرائم الفظائع الجماعية"، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فإنه يجب أن تكون هناك مسؤولية مشتركة، تقع على جميع الدول القادرة، لحماية المدنيين منها، حماية للنظام الدولي نفسه.
ولا شك كذلك، كما هو واضح من قرار مجلس حقوق الإنسان يوم الجمعة الماضي، أن مذبحة الحولة تندرج بوضوح تحت هذا النوع من الجرائم. ولذلك فإن مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي أشرتُ إليه يجب أن يدفع جميع الدول القادرة إلى العمل على وقف هذه الجرائم، بموافقة مجلس الأمن أو بدونها.