جريدة الجرائد

يتيم الأوطان، طريد الدول

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سمير عطاالله

عندما بلغ ميخائيل نعيمة السبعين، جلس يكتب سيرة حياته "سبعون". كان ذلك أرقّ ما كَتب، بعدما تجهّم طويلاً في تأمّل مرارات الحياة وعبث الدنيا. تبسّط في رؤية العمر فباسط في سرد حكايته: طفولة خشنة تصقلها الأم، وهجرة مبكرة إلى فلسطين فأوكرانيا فإلى أميركا، حيث لا يجد عبقري السفح عملاً يليق بالمكانة الأدبية، فيعود إلى بسكنتا، يتأمل الحياة ويسائلها ويرميها بالحصي ويرشّها بالحبر.

سبعون، هي لحظة العرض: الجلوس أمام المرآة أو أمام سطح البحيرة: ماذا فعلتَ يا هذا؟ أين أنجزت وأين أخفقت وأين غلَبَتك الحياة والعناصر، وطحَنَتك الأقدار؟ الأوطان مثل الأفراد. سبعون لبنان هذا العام، هي أيضاً مئويته. بعد أسابيع ندخل العام 2014. إنه العام الذي بدا فيه أن لبنان قد يكون شيئاً محتملاً في فسيفساء الشرق، صعباً ولكن ممكناً. بلد متجانس لا متضاد. ملاذ للفازعين في الجوار والمضطهدين في الأمكنة. مولود في أسرة لا يشبهها. ولادة صعبة ومولود متعثِّر. فهذا عالم مليء بالعبادات المتضاربة، يقول أرنست رينان، الذي يصلنا أواسط القرن التاسع عشر. أما المسيو موريس بارّيس الذي يأتي العام 1913 فيجد شعباً لا يريد بلده: الجميع يريدون الهجرة. هناك من يريد الانضمام إلى "تركيا الفتاة"، أو إلى "مصر الفتاة"، أو إلى "تونس الفتاة". لا أحد يريد "لبنان الفتى". يتمشّى بارّيس مع شاب من عمشيت يطلب الهجرة ويقول له: يا فتى، لم أرَ أجمل من بلدكم، في أي مكان من هذا العالم!
كان ذلك زمن الولادات في الشرق المخيض، ولبنان كان على الخريطة الجديدة. لا يبقى مجرد جبل معلّق فوق البحر بل يضم إلى خضرته وبياضه زرقة الأبيض المتوسط. الإمبراطورية العثمانية تهترئ والقوى الأوروبية تتقاسم. 1914 تؤدّي إلى سايكس - بيكو 1916. و1916 تؤدّي إلى صياغة نهائية العام 1920: تَصرف فرنسا النظر عن الجمهوريات الخمس في سوريا، وتُصرّ على لبنان الكبير. الجمهورية اللبنانية التي سوف تُعطيها دستورها، وتقيمها على مثالها، وتبني فيها دولة علمانية من مجموعة من الطوائف.
تركيبة جميلة مثل لوحة فسيفساء بيزنطية. ولكن سريعة العطب. أي حصوَة تسقط، تغيّر انسجامها وتناسقها. أي اختلال يطرح اللوحة في المزاد. أي خلل يصعّد الحنين إلى تركيا الفتاة ومصر الفتاة وتونس الفتاة، أو فرنسا الأم. بذراع واحدة نقَل هنري غورو لبنان الصغير إلى لبنان الكبير. بدل أن يقيم للمسيحيين دولة في الجليل حيث وُلد وعاش سيّدهم، أقامها هنا، لذلك يصل بيار أوتي إليها خائباً من الجليل (1895) "حزيناً، دون إيمان أو أمل".
ما هو سرّ بيروت إذاً؟ في ازدراء لا في إعجاب، يقول لورانس العرب في "أعمدة الحكمة السبعة": "ومع ذلك، فإن بيروت، بسبب مدارسها، والحريات الناتجة من الاحتكاك بالأجانب، احتضنت قبل الحرب، خليّة من الناس، يتكلّمون، يكتبون، يفكِّرون مثل الدوغمائيين الإنسكلوبيديين الذين مهَّدوا للثورة في فرنسا. من أجلهم، وبسبب ثروتها، وصوتها العالي والجاهز، كان لا بد من أن يحسب لها الحساب".
العام 1914 سوف تبدأ خريطة القوى بالتغيّر. وفي نهاية الحرب تصل السلطنة إلى نهاية الانجراف والغرق في الجواري والخصيان، وتهزم معها حليفتها الكبرى، ألمانيا، ويصير القيصر في روسيا مؤمناً بكارل ماركس لا بالقديس نيقولاوس. ولعل أبرز معالم التغيير تبرز في الأشرفية: ألفرد سرسق، كبير تجار البلد، يفتح أبواب قصره للجنرال غورو. الصديق السابق، جمال باشا، السفّاح، لن يعود إلى تلال الأشرفية. سوف يغتاله ثلاثة من الأرمن العام 1922، وهو يبحث عن جيوش أجنبية يخدم فيها، يعرض خبرته في القمع وفي الجاسوسية.
بعدما علّق جمال السفاح مشانق بيروت بدأ خطاً قصير المدى من الخيانة. هنا، في بيروت، بدأ على الفور صراع خفي بين البريطانيين والفرنسيين. يتعرّف اللبنانيون إلى قويّ ثالث يأتي أيضاً من وراء البحار، الإرسالي الأميركي، أو "البروتستانتي" الذي يسمّيه موريس بارّيس "عدوّنا الحقيقي، على الجانب الآخر من الشاطئ في هذه المدينة". هو كان في جانب اليسوعية.
لم يتقبل أهل الولاية ببساطة فكرة انضمام أهل الجبل. ليس فقط كشركاء بل كحكَّام ورؤساء. لكن الحرب العالمية الثانية سوف تؤكّد نتائج الحرب الأولى. الحلفاء، ومن ضمنهم فرنسا، ينتصرون. المحور ينهزم. وبعد خمس سنوات من استقلال لبنان، يتدفّق الفلسطينيون الفازعون من النكبة. يفرح المسلمون بهذه الإضافة الديموغرافية ويزداد خوف المسيحيين من أن تكون حتميّات التغيير العددي أقرب مما توقّعت أقصى مخاوفهم. إلاَّ أن هذا الدور، نصف عفوي نصف مرسوم، يريح الدول الكبرى: لن تكون هناك هجرة على شواطئ أوروبا، وإنما إلى شواطئ لبنان. كان المسيحيون قد فرحوا في بداية القرن بالأرمن والسريان والكلدان، وها هم المسلمون يعوّضون بالأكراد والفلسطينيين.
الفسيفساء تزداد غنى، لكن دقّتها تزداد عطباً. البلد الذي نجا من الأتراك واستقلّ عن الفرنسيين، وجد نفسه فجأة مثل محطة إرسال في قلب الصحراء، يريدها كل فريق لنفسه. وفوق ذلك، هناك فريق إضافي جديد، يتصرّف وكأن فرنسا وبريطانيا أصبحتا مجرد عنوانين في كتاب التاريخ المدرسي. الرقعة اللبنانية على ما هي منذ أيام غورو، لكن صراعها يتسع. العام 1958 يُرسل الأميركيون أسطولهم إلى بيروت، لأن المدّ الناصري يهدّد العراق والأردن والكويت. ولبنان نفسه قد يصبح جزءاً من "الجمهورية العربية المتحدة". لم يلبِّ الأميركيون طلب كميل شمعون في القنطاري، وإنما طلب هارولد ماكميلان في داوننغ ستريت: لن نُرسل سفننا من قبرص، إلاَّ بعد وصولكم! هكذا ستكشف الوثائق البريطانية بعد ثلث قرن.
يستمرئ الناصريون والقوميون الحجم الجديد، ويزداد "الانعزاليون" رهبة: هل تتغيّر معالم 1920؟ تنتهي 1958 إلى حكمين: الأول، عسكري يُدعى فؤاد شهاب، يرفض إقحام الجيش في صراع ذي أبعاد طائفية، ورجل دولة يُدعى صائب سلام، يخرج على الناس وعلى العالم، بشعار لائق، ولو غير معبِّر: لا غالب ولا مغلوب.
الحقيقة أن الغلَبة كانت قد بدأت بالظهور. العالم العربي تخضّه الثورات والانقلابات، ولبنان المتأنّق يُنظرُ إليه في حذَر أو في رفض. وعندما يصل معمر القذافي إلى مطار بيروت لتغيير صورة لبنان وليسحبه معه إلى مصرآتة، يكتشف أنه ليس من سيارة مكشوفة تنتظره في المطار، فيبقى هناك إلى أن يَعثُر له شارل حلو على سيارة يقف فيها بقبّعته العسكرية وكامل أوسمته. إنه أمل الأمة، أو على الأقل، الحركة الوطنية هنا. عالم يتغيّر: شارل حلو قُبالة الملازم معمر.
لم يكن ممكناً أن نظلّ أفضل من الفوضى التي أحاطت بنا. جميع الذين أبدوا أسفهم لما حصل للبنان، من ياسر عرفات إلى محسن إبرهيم، جاء أسفهم في وقت متأخر. حرب 1958 الخاطفة كان لها أن تنتهي بلا غالب إلا الله، أما حرب 1975 فلم تنتهِ بعد، لأن مسرح الحرب وسيع ومخارجها ضيقة.
من "لبنان الكبير" الذي يُولد كملاذ للأقليات القادمة من تركيا والعراق وفلسطين، من لبنان المتهم بضمّ الأقضية الأربعة، إلى لبنان مفتوح اليوم أمام مليون فازع سوري. أخفق كدولة تضيق بأهلها ونجح كنظام قادر على تحمّل مواجع أقربائه. لمرة، تبدو العلاقة المميّزة بين لبنان وسوريا علاقة شعب ويوميات وإنسانيات، لا علاقة ضابط استطلاع، مقرّه عنجر، وفرعه البوريفاج.
مائة عام ولم يُولد بعد. سبعون عاماً ولم يستقِل. كل قابلة تريد أن تولِّد الجنين الذي تريد، بالملامح التي تريدها، بالمعدّل الذكوري أو الأنثوي المناسب، ثابتاً مع الأيام، متحوّلاً مع الأزمان. عندما تقرأ الرحّالة الذين مرّوا بنا أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن الماضي، ترى لبنان موحّد التقاليد، متعاكس النفوس. حتى أوائل الستينات كانت النسوة يجلسن في الكنائس بعيداً من الرجال. وجدَّتي لم يفارقها "حجابها" الذي كان منديلاً مشغولاً بالأويا.
كيف يمكن هذا المخاض بخاتمة سعيدة؟ مولود يبكي مرة واحدة وينتهي الأمر! صفعة واحدة على قفاه ويتعلّم الدرس: الآن وقد جئت، فاحفظ حياتك وكرامتك ووطنك. هل تجرؤ على الإجابة عن هذا السؤال: هل نحن أسعد حالاً مما كنا 1914؟ أو 1943؟ هل كنّا أكثر اطمئناناً؟ هل هي لعنة الشرق الأزلية، فلسطين في الشتات، وسوريا في الخيام، ونحن نبحث عن دستور يوائم جميع التوائم؟
1914 كان لبنان، وجميع العالم العربي، يتجه إلى الوحدات الوطنية وربما القومية ذات يوم. صحيح، وحدات في ظلّ الاستعمار، غيرترود بل في العراق، ولورانس في "الثورة العربية"، والجنرال ليوتي في المغرب، وكرومر في مصر، لكن الطريق كانت إلى الوحدة، إلى منطلق ما. كاذباً أو متملّقاً، كتب مارك سايكس إلى أهل بغداد مناشداً أن يتذكّروا أمجادهم، يوم كانت المدينة بهجة العالم ورحم الوحدة الكبرى.
ما هو الاستقلال؟ هو شيء حصلت عليه نحو 200 دولة في العالم. إما بمليون شهيد كما في الجزائر، وإما بجرف عفوي عارم كما فعلت أوروبا الشرقية بالجدار السوفياتي. هناك استقلالات كبرى مثل أميركا وروسيا والصين، واستقلالات متشابكة، واستقلالات مُرضية، واستقلالات نسبية، واستقلالات شكلية. وهناك فئة نادرة مثل "الباندا". لها من الاستقلال العرض العسكري.
هذه الفئة لا تستطيع أن تشكّل حكومتها ولا أن تنتخب رئيسها ولا أن تقرع أبواب مطلوبيها. تنتظر المختلفين إلى أن يتفقوا والغاضبين إلى أن يروق لهاثهم ويطيب خاطرهم العاطر. ما من دولة أُهينت في التاريخ كما أهان اللبنانيون دولتهم. ما من شعب اتّبع مُستكبريه وكَره محبّيه كما فعل هذا الشعب. من برجه القومي الأزلي في واشنطن يعترض كلوفيس مقصود على استخدام سركيس نعوم مصطلح "الشعوب اللبنانية". معك كل الحق أيها الصديق النبيل. لا هي شعوب ولا هي لبنانية. هي مصر الفتاة وتونس الفتاة وتركيا الفتاة. لم يتغيّر شيء مذ جاءنا موريس باريس قبل مائة عام على وجه الضبط. جاء وفي ظنّه أننا أجمل بلد في العالم، فوجد أرضاً جميلة حقاً. ذاك كل ما وجد.
ما هو تعريف الاستقلال؟ إنه، في أبسط الأحوال، الحكم الذاتي. ونحن بلد ينتقل من الطائف إلى الدوحة مروراً بسان كلو ولوزان، بحثاً عن هدنة. أو عن مقعد إضافي في الرْمَيل. أو حيّ اللِّجا. كل عام وأنتم بخير.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف