جريدة الجرائد

موجة الثورة الثانية في مصر

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

تعكس أجواء العنف التي شهدتها مصر على مدار الأسبوع الماضي التي خلفت وراءها عشرات القتلى وآلافاً من الجرحى في العديد من المحافظات المصرية، أزمة سياسية مستحكمة، يتوقع كثيرون أن تدفع بالثورة المصرية التي أذهلت العالم بمدى سلميتها وتحضرها، نحو نفق شديد القتامة والفزع في آنٍ، ففي الوقت الذي تواصل فيه الجماهير الغاضبة انتفاضتها في الموجة الثانية للثورة، تقف مؤسسة الرئاسة على شفا انهيار محقق، بعد أن فضلت التمترس خلف سلسلة من الإجراءات والقرارات الاستثنائية، لعبت دوراً كبيراً في اشتعال الموقف على الأرض، بدلاً من التعاطي بالجدية المطلوبة مع الأزمة .

ربما يبدو مشهد عشرات الآلاف من أهالي مدينة بورسعيد وهم يشيعون جثامين قتلاهم الذين سقطوا بالرصاص الحي مطلع الأسبوع المنصرم، أحد أكثر المشاهد تعبيراً عن حجم الأزمة التي تعيشها مصر في الذكرى الثانية لثورتها، وربما تصلح أيضاً مشاهد الحرائق التي اندلعت في العديد من المحافظات، وعمليات التدمير الواسعة لممتلكات عامة وخاصة، للدلالة على حجم العنف الذي يصاحب الموجة الثانية للثورة، وقد كان بحسب كثير من المراقبين عنفاً متوقعاً، بعدما فتحت جماعة الإخوان المسلمين ومن خلفها بعض فصائل من قوى الإسلام السياسي الطريق أمام هذا العنف، بدءاً من حصار المحكمة الدستورية العليا، أعلى هيئة قضائية في البلاد، أواخر نوفمبر/ديسمبر الماضي، لمنع قضاتها من النظر في مدى دستورية مجلس الشورى الغرفة الثانية للبرلمان، وتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، وليس انتهاء بحصار أنصار المرشح الرئاسي المستبعد حازم صلاح أبو إسماعيل لمدينة الإنتاج الإعلامي لنحو شهر، وتهديد الإعلاميين العاملين بالقنوات الفضائية، ونقل هذا التهديد إلى أرض الواقع بالاعتداء على عدد من مقرات الصحف الخاصة، وإشعال النيران في مقر حزب الوفد، في ظل صمت مريب لأجهزة الأمن على هذه الخروقات التي ترقى إلى مرتبة الجرائم، حتى إذا بلغ الموقف ذروته وبدأت هذه الأجهزة التحرك لتوقيف عدد من المتورطين في هذه الحوادث، كان الثمن هو الإطاحة بوزير الداخلية في خطوة بدت أشبه ما تكون برسالة مفادها أن هذه القوى فوق المساءلة، وأنها تتمتع بحماية من القصر الرئاسي .

بلغ العنف ضد المتظاهرين ذروته في الأحداث التي دارت في محيط قصر الاتحادية مطلع ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عندما دفعت جماعة الإخوان المسلمين بمئات من أفراد ldquo;ميليشياتهاrdquo;، لفض الاعتصام الذي أعلنه نشطاء في أعقاب انتهاء مليونية ldquo;الإنذار الأخيرrdquo;، وقد تسببت الاشتباكات التي دارت في محيط القصر الرئاسي في سقوط أحد عشر قتيلاً، فضلاً عن آلاف القتلى، بعدما استخدم المهاجمون مختلف أنواع الأسلحة لفض الاعتصام، بما فيها السلاح الآلي، وهو ما أثبتته تقارير عدة لمصلحة الطب الشرعي التي أكدت وفاة معظم الضحايا بطلقات نارية .

العنف لا يولد سوى العنف، وقد لعبت جماعة الإخوان دوراً كبيراً في انفجار الموقف على هذا النحو، عندما وضعت جهاز الشرطة في مشهد يعيد سيناريو ما جرى قبل عامين، في مواجهة الشعب الغاضب، لتدفع من جديد ثمن أخطاء سياسية فادحة، وتدخل وهي لاتزال تتجه نحو التعافي مما جرى لها في بواكير الثورة، في مواجهات جديدة مع قوى غاضبة، بدا أنها لن تتراجع عن تحقيق أهدافها، في تعديل مسار الثورة التي جرى اختطافها من قبل قوى الإسلام السياسي .

على مدار الأسبوع الماضي سقط عشرات القتلى، وآلاف من الجرحى والمصابين في العديد من المحافظات المصرية، في موجة فوضى عارمة تجلت بوضوح شديد في محافظتي السويس وبورسعيد، وبدرجة أقل بكثير في محافظة الإسماعيلية، وبدلاً من أن يخرج الرئيس مرسي ببيان سياسي يتضمن رؤيته لحل الأزمة المنفجرة، فوجئ ملايين المصريين باعتماده سلسلة من الإجراءات الاستثنائية، من بينها إعلان حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال في منطقة القناة، والتلويح بإجراءات أكثر قوة لردع ما وصفهم بrdquo;المخربينrdquo; ولإنقاذ الأمن القومي للبلاد .

لماذا منطقة القناة وحدها التي طالتها قرارات الطوارئ، ولماذا كانت هذه المنطقة دون غيرها هي التي تحرك الجيش فيها لإحكام سيطرته على العديد من المنشآت الحيوية بها؟

المؤكد أن الأمر يرتبط على نحو وثيق بكونها واحدة من أهم المناطق الإستراتيجية بالحسابات الدولية وأكثرها خطورة باعتبارات الأمن القومي، فالمدن الثلاث لا تتمدد فحسب على مسافة تزيد على 170 كيلومتراً على قناة السويس، الشريان الملاحي الدولي الأهم، والأكثر أهمية، وإنما تتداخل على نحو مباشر مع سيناء على الشاطئ الآخر، وهو ما يضع البلاد في حالة استمرار حالة الانفلات الأمني بها أو بلوغه حد الخطر، أمام ما يصفه العسكريون وخبراء الإستراتيجية بrdquo;الانكشاف الإستراتيجيrdquo;، وجميعها مخاطر تجلت بوضوح على مدار الأسابيع الماضية، في العديد من المعلومات التي تحدثت عن دخول آلاف من المسلحين التابعين لحركة حماس بأسلحة خفيفة عبر الأنفاق إلى الأراضي المصرية، وهي المعلومات التي نفاها المكتب السياسي للحركة قبل أيام، وإن ظلت بعض أجهزة الأمن الداخلية في مصر، تتحدث عن وصول أعداد كبيرة منهم إلى القاهرة، فضلاً عن انتشارهم في محافظات الإقليم، استعداداً لتنفيذ عمليات نوعية، لا يعرف أحد على وجه الدقة لحساب من سيتم تنفيذها، وما الهدف من ورائها .

ينقسم المصريون حول قرار الحظر وعودة قانون الطوارئ إلى تلك المنطقة الحيوية من البلاد، لكن هذا الانقسام وتلك الإجراءات الاستثنائية التي لجأ إليها الرئيس في مواجهة موجة الغضب الشعبي الهادرة، لم تمنع استمرار خروج عشرات الآلاف من المصريين يومياً إلى الشوارع والميادين في جميع المحافظات، برغم نزول الجيش وإطلاق يد الشرطة بقانون الطوارئ في ملاحقة الناشطين، وهو ما وضع البلاد فيما وصفه العديد من المراقبين أمام ldquo;مرحلة استنزاف لكل قدراته الرسمية، وفي مقدمتها الجهاز الأمني الذي كشفت إشارات عدد غير قليل من ضباطه وجنوده أنه بات يموج من داخله بمشاعر رفض وغضب واسعة، لاستمرار سياسة وضعه في مواجهة الجماهير الغاضبة، وقد تجلى ذلك في مشهد بالغ الدلالة، عندما طرد ضباط صغار الرتب وزير الداخلية الجديد من مسجد الشرطة، عندما ذهب للمشاركة في جنازة أحد زملائهم الذي سقط في الأحداث التي شهدتها مدينة بورسعيد مطلع الأسبوع الماضي، وهو الأمر الذي اعتبره كثيرون مؤشراً على انقلاب متوقع بين عشية وضحاها لجهاز الشرطة، وقد وجد نفسه في مواجهة سيناريو انهيار مشابه لما جرى في 28 يناير/كانون الأول الماضي، ثمناً لإصرار النظام على استخدامه بنفس الطريقة التي انتهجها نظام مبارك .

تعكس الأحداث التي تعيشها مصر الآن، فشلاً ذريعاً للرئيس مرسي ومن خلفه جماعة الإخوان في إدارة الأزمة التي تعيشها البلاد، وهي أزمة تحتاج إلى بصيرة نافذة ورغبة حقيقية في الحل، انطلاقاً من المصلحة العليا، وليس في إطار رؤية أو مصلحة فصيل بعينه، لكن ما جرى على مدار الأيام الأخيرة أثبت بما لا يدع مجالاً لشك، أن تعامل الجماعة والرئيس مع الأزمة كان أسوأ بكثير من تعامل نظام مبارك قبل عامين، وهو أمر بات يهدد شرعية الحكم في مقتل، بعدما طالت حمم الغضب ملفات في غاية الخطورة، منها ما يتعلق بالأمن القومي، وكثير منها يتعلق بملف الأمن الداخلي في ضوء شواهد انفلات متوقع ربما يكون أكثر عنفاً من سابقه، فيما يتعلق الباقي بالمصير السياسي الذي ينتظر البلاد الذي لا يعرف أحد حتى اليوم ما سوف ينتهي إليه .

لا يخفي كثير من المصريين اليوم رغبتهم في دخول الجيش على خط الأزمة المشتعل، بل إن كثيرين يرهنون حل الأزمة العنيفة التي تكاد تعصف بالبلاد، بrdquo;حل عسكريrdquo; انطلاقاً من رؤية تقول إن العسكر هم القوة الوحيدة القادرة على وقف هذا النزيف الذي تسببت فيه سياسات جماعة، ثبت باليقين أنها لا تملك القدرة ولا الإرادة ولا حتى الإمكانات الفكرية أو البشرية، لإدارة دولة بحجم مصر .

لقد بدا ذلك واضحاً على نحو لا يقبل تأويلاً، عندما تجاهل الرئيس مرسي مجلس وزرائه وجماعته وأحال ملف الأزمة كله بشقيه الأمني والسياسي إلى ldquo;مجلس الدفاع الوطنيrdquo;، في خطوة تمثل اعترافاً واضحاً بالعجز عن معالجة الموقف، فنصوص الدستور الجديد تقول بوضوح إن المجلس ليس مخولاً بالنظر في مسائل سياسية، وإنما يختص بالنظر فقط في الشؤون الخاصة بوسائل تأمين البلاد، وهي مسألة تتعلق في جوهرها بقضية الحرب والسلام، وهو يختلف كثيراً عن ldquo;مجلس الأمن القوميrdquo; الذي يختص بإقرار إستراتيجيات تحقيق أمن البلاد ومواجهة حالات الكوارث والأزمات بكل أنواعها، واتخاذ ما يلزم لاحتوائهاrdquo; .

المعنى، حسبما يرى كثير من المراقبين واضح، وهو يقول في غير مواربة إن الجيش هو من صار بيده وحده إدارة الأزمة الجارية، وهو ما يعني اعترافاً صريحاً من مؤسسة الرئاسة بالضعف والفشل في آنٍ، حتى إن بدت على خلاف ذلك .

الجيش إذن هو صاحب الدعوة للحوار، حتى لو خرجت في صيغة متعالية على لسان الرئيس الذي بدا مرتبكاً على نحو لافت، وهو يطل على الشارع المصري بعد فترة صمت مزعج بينما الشوارع تغلي بالغاضبين، لكن ما ملامح هذا الحوار وما أجندته المعلنة؟

لا شروط مسبقة من الطرفين، هكذا بدت الأمور منذ البداية، فلا مؤسسة الرئاسة اشترطت شيئاً، ولا ldquo;جبهة الإنقاذrdquo; تحدثت مجدداً عن شروطها الخمسة التي أعلنتها قبل نحو عشرة أيام التي بدت تعجيزية إلى حد كبير على الأقل بالنسبة للجماعة، فقد طلبت الجبهة تشكيل لجنة قانونية لتعديل مواد الدستور التي يدور حولها الخلاف، وإقالة حكومة هشام قنديل، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، فضلاً عن تشكيل لجنة محايدة للتحقيق في جرائم قتل المتظاهرين، وأغلب الظن أن هذه الشروط الخمسة التي أعلنت عنها الجبهة، ربما ستكون هي النتائج التي قد ينتهي إليها الحوار إذا ما أخلصت جميع الأطراف النوايا، وأعلت من مصلحة الوطن .


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف