نظرية «الطمع» والنزاعات الطائفية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
محمد عارف
"الطائفية والمذهبية وآثارهما السياسية" عنوان حلقة نقاشية عقدها "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت. و"حَدَثتْ أخيراً أفضل من أن لا تحدث أبداً" هو التعليق المناسب على الحلقة التي شارك فيها 14 باحثاً وأكاديمياً من بلدان عربية عدة. كثرة الدراسات الغربية عن الطائفية في العالم العربي وندرتها في العالم العربي نفسه، ألقت على عاتق المشاركين مهمة تعريفها، واختلفوا في ذلك كثيراً. فالح عبد الجبار، مدير "معهد الدراسات العراقية" في بيروت اعتبر الطائفية "هوية دينية جزئية"، وذكر في الورقة التي قدمها أن "الطائفية ليست كياناً صوانياً، ولا بنية ثابتة"، وقال إنها في العراق وسوريا "فضاء ثقافي-تنظيمي، وليست تنظيماً اجتماعياً". واستعار عبد الإله بالقزيز، أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني بالمغرب، مفهوم "العصبية" الخلدوني "لتعريف الطائفة بأنها شكل من أشكال الاعتصاب الاجتماعي"، فيما اعتبر الطائفية "مشكلة نظام سياسي متأخر يفتقر إلى أسباب الصيرورة نظامَ شرعيةٍ شعبية ووطنية". أنطوان مسرّة، الأستاذ بالجامعة اللبنانية، طرح السؤال في عنوان ورقته "ما معنى الطائفية وكيف ندرسها اليوم؟"، واتّخذ موقفاً "طُهرياً" يرى أن "عبارة الطائفية تحولت في الاستعمال المتداول علمياً وشعبياً إلى سلة مهملات يرمي فيها الجميع كل ما لا يرضيه".
وغابت عن النقاشات مسائل مهمة تكشف التحقيقات الجارية في البنتاجون والكونجرس الأميركيين عن تداخلها، كاحتلال العراق، وما أعقبه من مذابح طائفية، واختفاء مليارات الدولارات المخصصة لإعادة الإعمار. والمسألة الأولى هي "هل الصعود السياسي للدين والطائفية في العراق، يا أخ فالح، مرتبط باحتلال العراق عام 2003 أم لا؟ وهل كان للإسلام السياسي دور واضح في السياسة قبل ذاك؟". وجّه السؤال خير الدين حسيب، رئيس "مركز دراسات الوحدة العربية". ولا نعثر على الجواب في الحلقة النقاشية، بل خارجها في فيلم وثائقي يروي "القصة الكبرى التي لم تُرو بعد عن تمويل أميركا الميليشيا الطائفيةَ لقتال العراقيين الذين وقفوا ضد الاحتلال الأميركي، وهو القرار الذي أطلق الحرب الطائفية التي أدت إلى تمزيق العراق". ذكرتْ ذلك مقدمة الفيلم الذي شاركت في إعداده صحيفة "الجارديان" البريطانية، ومحطة الـ "بي بي سي" العربية. عنوان الفيلم "جيمس ستيل رجل أميركا الغامض في العراق". وستيل كولونيل متقاعد تمرس في ما سُميَّ "الحرب القذرة" في فيتنام، والسلفادور، وأوفده وزير الدفاع الأسبق رامسفيلد إلى العراق لتصفية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.
وتضمن الفيلم شهادات عن عمليات "تورط البنتاجون في التعذيب المنظم لمقاتلي السنة في العراق، وتعاونِ ميليشيات (فيلق بدر) الطائفية مع الاحتلال في تصفية المقاومة المسلحة". واستجوب الفيلم مشاركين مباشرين في الأحداث، بينهم قائد قوات الاحتلال بترايوس، واللواء عدنان ثابت، قائد قوات الميليشيات الخاصة المتهمة بارتكاب جرائم التعذيب، والمستشار الأمني للاحتلال موفق الربيعي، وشهود عيان على أعمال التعذيب، بينهم الطبيب الميداني الأميركي نيل سميث، ومراسل "نيويورك تايمز" بيتر هايس، واللواء السابق في الجيش العراقي منتظر السامرائي الذي قدّم معلومات تفصيلية عن عمليات التعذيب التي كانت تجري في السجون السرية، أحدها متاخم للمنطقة الخضراء، والآخر في مكتبة سامراء العامة التي اتخذت مقراً للقوات الخاصة في سامراء، حيث كانت تتعالى صرخات ضحايا التعذيب على مسمع من المسؤولين العسكريين الأميركيين. ويقدم الفيلم الذي استغرق إنتاجه 16 شهراً، وثائقَ عن جرائم الحرب في العراق، والتي ستلاحق المسؤولين بأشكال مختلفة، وبغض النظر عن تصريح أوباما عقب انتخابه بالامتناع عن التحقيق حول ما جرى في العراق. وذكر بن إمرسن، المحقق الخاص في "لجنة حقوق الإنسان" بالأمم المتحدة أن "المصالحة بين العراقيين مستحيلة بدون كشف الولايات المتحدة الحقائق عن الحرب القذرة".
وحرب قذرة في العراق تلد حرباً أقذر في سوريا. فهذا البلد الجميل، الأنيق، الذكي والمهذب، يدفع ثمن التواطئ الطائفي في إغراق المقاومة العراقية ضد الاحتلال بالدماء. وقد كتبنا هنا في ذروة المذابح الطائفية في العراق عن "الفالق الزلزالي"، القومي والديني، الممتد من شمال أفريقيا حتى الصين. ولم نجد آنذاك، ولا الآن، تفسيراً للشر الواقع غير قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "شرّ ما أُعطيَ العبد شحٌ هالع وجبن خالع". (أدب الدنيا والدين، أبي الحسن البصري). والشُحُ، وهو الطمع، سبب النزاعات والحروب الأهلية، حسب أحدث النظريات الاقتصادية.
"الطمع والمظلومية في الحروب الأهلية" (Greed and Grievance in Civil War)، عنوان بحث صدر عن "البنك الدولي"، أعده بول كوليير، مدير "قسم أبحاث التنمية" في البنك، وأستاذ الاقتصاد والسياسات العامة في "جامعة أوكسفورد" في بريطانيا. يستخدم البحث الذي يقع في نحو 50 صفحة نظرية "الطمع" في استقصاء أسباب الحروب الأهلية التي وقعت خلال النصف الثاني من القرن الماضي، ويُرّجح غلبة "الطمع" على مفهوم "المظلومية" الذي يركز على الانقسامات الإثنية والدينية، والاضطهاد السياسي، واللامساواة. وتفسر نظرية "الطمع" التزايد الكبير في مخاطر الصراع السياسي في البلد الذي تعتمد موارده على سلعة رئيسية، ووجود عدد كبير من مواطني البلد في الشتات. وعلى الضد مما تراه نظرية "المظلومية"، تقلل زيادة التنوع الإثني والديني من خطر الصراع.
وتعتبرُ نظرية "الطمع" الرغبة بالثراء الشخصي دافعاً أساسياً لالتحاق المقاتلين بالتمردات والانقلابات والنزاعات الداخلية والحروب الأهلية. ويعبر الطمع عن نفسه بأشكال مختلفة، بما في ذلك الحصول المباشر على أرباح اقتصادية عن طريق السيطرة على الموارد أو نهبها. ووجد الباحثون أن "عوامل الربح المالي أقوى أثراً في عسكرة المتمردين من العوامل المسببة للمظلومية. وتوفر الموارد المُعرّضة للنهب، كالماس، والمخدرات، والأخشاب... فرصاً للإثراء المالي، تترافق مع حوادث التمردات. ويؤكد ذلك واقع أن البلدان ذات الثروات الطبيعية الوفيرة أكثر عرضة للنزاعات".
وحجم الطمع في العراق من حجم التريليون دولار، كلفة الاحتلال الأميركي. ويعجز الخيال عن تصور الأرقام المهولة، مثل 8 مليارات دولار التي ضاعت من مبلغ 60 مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة خلال عشر سنوات لإعادة إعمار العراق، أي بمعدل 15 مليون دولار يومياً، فيما تعتبر 40 في المئة من المشاريع المنفذة خلال السنوات العشر الأخيرة فاشلة. يذكر ذلك التقريرُ الأخيرُ الذي قدّمه للكونجرس "المفتش العام لإعادة بناء العراق". ويُسلّم التقرير بأن "القصة الكاملة لما حدث لن تُعرف أبداً". وهل عُرفت قطُّ القصة الكاملة لاندلاع نزاعات طائفية دموية في بلد تعايشت فيه الطائفتان الرئيسيتان، الشيعة والسنة، بسلام عبر أكثر من ألف عام؟ وما الذي جعل التعدد المذهبي والديني والإثني في العراق سبباً للاقتتال، وقد كان منذ فجر التاريخ القوة المحركة لحضارات عالمية متعاقبة؟