النكات على العراقيين... حلال أم حرام؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
محمد عارف
حدث ذلك عندما كنت أعد مقالتي بمناسبة عيد الفطر المصادف أكتوبر 2007 في خضم مذابح طائفية دامت لحوالي سنتين، من يوليو 2006 إلى مارس 2008، وقُتِل فيها، حسب "مركز إحصاء جثث العراقيين"، أكثر من 52 ألف عراقي مدني، معظمهم نساء وأطفال ومسنون فقراء، لا يملكون وسائل للهرب والنجاة. ولم أجد في ملفاتي غير وقائع الذبح ورمي الجثث المقطعة في الشوارع، وبينها لقطة فيديو من مراسل "نيويورك تايمز" وفيها أبٌ عراقي بُترت ساقاه، يقول للمراسل: "ولا يهمّك"، ويلتفت إلى بناته الخمس، وهو يرنو إليهن بابتسامة متواطئة تحطم القلب. في تلك اللحظة لم أتمالك نفسي، وأجهشتُ بالبكاء من نبرة صوت أب بغدادي يغالب مهانة أن يكون عاري الساقين المبتورتين أمام فلذات كبده. وما الذي يهم "ولا يهمّك"، وشعب "ولا يهمّك" في ملفاتي التي يعيش وقائعها صباح مساء؟ وعاودتني صورة الوالدة، رحمها الله، وهي تُنّكت في صحوات الموت على بناتها المذعورات، ولا تستجيب إلا لحفيدها "الحيّال" الذي كان يحتال بالنكات عليها فتضحك في حضرة الموت.
وكان عنوان مقالتي "الحيّالة" التي تدبّرتُ إرسالها في الموعد المحدد للنشر: "نكات العراقيين بمناسبة العيد السعيد". تبدأ المقالة بنكتة عن شخص يسأل صديقه: "شنو أخبار الوالد؟"... ثم يتذكر أن والد صديقه ميت، فيستدرك بسرعة: "بعده بنفس المقبرة؟!". وتتوالى النكات عن العراقيين تحت الاحتلال، وتختتمها نكتة تعتصر قلبي حتى عندما أقرأها الآن عن تحايل العراقيين في التبليغ بالأخبار السيئة. بطل النكتة أراد أن يهيئ زوجة صديقه لخبر وفاة زوجها بحادث سيارة، فقال لها: "زوجك خسر فلوسه بالقمار". قالت الزوجة: "إنشاء الله يخسر عمره". وأضاف: "واضطر يبيع البيت". فزعقت الزوجة: "الله يضيّع حياته". ثم قال: "وتزوّج عليك مرة ثانية". فصرخت: "يا ربّي أشوفه ميت!"... فهتف الصديق: "يا شباب... دخلوا المرحوم".
وإذا صحّ ما يقوله الكاتب الأميركي مارك توين من أن "الأسى هو المنبع السري للنكات، وليس الفرح"، فأسى العراقيين عظيم. وسيل النكات في مقالاتي خلال السنوات العشر الماضية شاهد على ذلك. عناوين بعضها كانت بحد ذاتها نكات، مثل: "قاضي هبهب الأميركي في بغداد" عن مدير شرطة نيويورك، الذي جاء مع قوات الاحتلال "لتطهير الشرطة العراقية من البعثيين"، يتبختر بمسدسه أمام مراسلي صحف عالمية وهو ينذر وكيل مدير شرطة بغداد: "ليس أمام السيد العميد مكي العاني سوى الذهاب إلى زوجته في المنزل". وحتى المقالات الأليمة مثل مقالة "غسيل مليارات الدولارات بدماء العراقيين" تبدأ بنكتة عن "هدف لاعب الكرة العراقي عمّو بابا في مباراة العالم العسكرية، حين رمى الكرة رمية لم تحطّ بعدها حتى الآن في أرض الملعب!". وجميع هذه المقالات كتُبت في شهور عسل الاحتلال الأولى، وأرسل كثيراً منها عراقيون، بينهم فتاة صابئية تعمل مع الصليب الأحمر الدولي، ومدير مكتب عقارات في بغداد، اسمه عمر السعودي، واسمه ليس نكتة، وعثمان العمري، واسمه نكتة، وآخر نكاته حصوله على شجرة نسبه "الحسيني"، واختفى بعدها.
و"كل ما هو هزلي هدّام، والنكتة القذرة نوع من التمرد العقلي"، حسب الأديب البريطاني جورج أورويل. وتمنيتُ لو يسمح المجال لنكات قذرة تهدم، ولو عاطفياً ما اقترفه الاحتلال والطائفية اللذان عاثا فساداً في بيئة العراق الطبيعية والروحية. وهل من نكتة تقابل كذب رئيس وزراء بريطانيا السابق الذي اعترف أخيراً في ندوة "بي بي سي" بخطأ شن الحرب على العراق، واستدرك بسرعة أنه لو لم يفعل ذلك لارتكب صدام أضعاف ما يرتكبه بشار في سوريا، وما سيرتكبه نظام طهران.
و"طريقتي في التنكيت هي قول الحقيقة. إنها أمتع نكتة في العالم"، حسب الفيلسوف برناردشو. وما أمتع من حقيقة ترشيح علي علاوي، وزير الدفاع في حكومة الاحتلال للحصول على لقب "أحد أعظم ثلاثة مفكرين في العالم"؟ أعلنت ذلك أخيراً مجلة "بروسبيكت" البريطانية، أو حقيقة أن أشهر أعمال علاوي الفكرية هي تأليفه ما يُدعى "البيان الشيعي" قبيل الاحتلال، أو أن هيئة التحكيم تضم "المفكر العظيم" هنري برنار ليفي!
وهل غير النكات يمكن أن تبيّض وجه أصدقاء قدماء في الفكر وفي الحياة؟ تساءلتُ وأنا أكتب مقالة منشورة في الشهر الرابع للاحتلال عنوانها "نكتة التحول من النضال ضد الإمبريالية إلى التحالف معها". وتروي المقالة قصة شخص اتّهم شرطياً بإساءة معاملته عندما دهسته سيارة. وعرض محامي الشرطي وثيقة بخط يد المدّعي، يقول فيها إنه لم يعامل طوال حياته معاملة حسنة كمعاملة الشرطي له. واعترف المدّعي أنها بخط يده، وأوضح للمحكمة كيف دهسته السيارة، وهو فوق حصانه ويرافقه كلبه، "وحالما وصل الشرطي مكان الحادث سحب مسدسه، وأطلق ثلاث عيارات على رأس حصاني الجريح، قتلته على الفور، والتفت إلى كلبي الذي كان يعوي، وأطلق ثلاث عيارات أخرى، وانحنى يسألني عن حالي، فوجدت من الحكمة آنذاك أن أقسم أنني لم أشعر كل حياتي بالصحة، كما أشعر الآن، ومستعد لتوقيع شهادة بذلك". وذاك حال اليسار العراقي الذي حوّله ذعره بعد انهيار المعسكر الاشتراكي إلى سلاح بيد الاحتلال لتدمير قلوب وعقول النخبة الثقافية العراقية.
وبالنكات نضحك من كل شيء حتى لا نبكي على كل شئ بعد اغتيال القانون الأساسي لدولة العراق، وشرعة الأمم المتحدة؛ الأول -كجميع القوانين الأساسية في العالم- يَعتبر التعاون مع الغزو الأجنبي خيانةً عظمى، والثاني يعتبر الغزو بدون تفويض من المنظمة الدولية جريمة ضد الإنسانية. وهذه هي الحقيقة التي ينكرها الطائفيون، السنة والشيعة على حد سواء، كإنكارهم أن المذهب الشيعي أصلاً وُلد في العراق، وليس في إيران، وعبّر عن عبقرية الوضع الجيوستراتيجي للعراق، الذي استخدم منذ فجر التاريخ الصراعات الإقليمية والدولية لإبداع الحضارات السومرية، والآشورية، والبابلية، والأكادية، والعربية الإسلامية.
"حلالْ النكات على العراقيين أم حرام؟"، والجواب هو "حلال"، وإلا كيف نسمع ما يقال لا مَن يقول؟ الأكراد وحدهم يسمعون القول لأنهم يجدون صعوبة في فهم ما يُقال لا من يقول، وهذه ليست نكته. فالكردي لا تهمه هوية الحمار الذي يلعب معه الورق، وعندما يُسألُ كيف يلعب مع حمار؟ يجيب: "هذا الذي ماعاجبكم غلبني مرتين". وهذه نكته. وفي النكات ينافس "المصالوه"، وهم سكان الموصل الأكراد. حدث ذلك عندما طلبت وزارة الأوقاف الكردية من رئيس أوقاف الموصل بناء سياج حول مقبرة "المصاولة" في دهوك، فسأل: "ليش؟! يا يوم سمعتم ميتين ينهزمون من المقبرة؟!"، وهذه آخر نكته.