جريدة الجرائد

المرجعية الأخلاقية للدولة المدنية‏

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

rlm;صلاح سالم

لكل مجتمع متمدين مرجعيته القيميةrlm;,rlm; التي لا يستطيع الإفلات منها ولو أراد بعض منتسبيهrlm;.rlm; غير أن تلك المرجعية تؤكد حضورها وتفرز نفسها فقط من خلال الفضاء العام الذي يشغله الناس بقيمهم الراسخةrlm;,rlm; والذي يعكسه المشرعون المنتخبون بقدراتهم التمثيليةrlm;.rlm;

من ثم فليست بحاجة إلي سلطة تحتكرها أو هيئة تدعي النطق باسمها, لأن تلك الأشكال المصطنعة للمرجعية تضعنا, في النهاية, أمام ولاية فقيه سنية, يتواري معها جوهر الدولة المدنية. ذلك أن الهدف الرئيس للدولة المدنية يتمثل في تحرير الإرادة الإنسانية من أي نظام كهنوتي يفرض تصوره الخاص للدين, أو تأسيس سلطة تسعي لفرضه علي ضمائر الناس وتعاقب من يرفضه. ولا يعني ذلك مجرد تجنب الهياكل الصريحة لكهنوت العصور الوسطي الأوروبية, بل اجتناب كل الصيغ الأقل وضوحا, والتي تؤدي بعد خطوة واحدة أو اثنتين إلي النتيجة نفسها, كما هو الأمر لدي أطراف في تيار الإسلام السياسي أخذت تبرر عدوانها علي حرية الإرادة الشخصية, وتغولها علي مؤسسات الدولة بدعوي الأمر بالمعروف, كما بررت دستورا جائرا بدوافع الحلال والحرام, وتصويتا معينا بدعاوي الكفر والإيمان, وغيرها من عمليات تزوير للوعي وتدنيس للمقدس. لكن هل يعني ذلك أن الدولة المدنية محايدة أخلاقيا, وأن كل دولة مدنية هي بالضرورة صورة طبق الأصل من الأخري, وبالأحري: ما الذي يمكن أن يميز دولة مدنية كمصر, غالبية مواطنيها مسلمون عن دولة مدنية كألمانيا, مثلا, غالبية مواطنيها مسيحيون وبها حزب كبير تحت اسم الديمقراطي المسيحي لا يكفر الاشتراكيين بل يحترم نظام الدولة العلماني؟.
يكمن جوهر الدولة المدنية, والنظام السياسي العلماني في كون الشعب مصدر السلطة الأعلي, ومنبع السيادة الحقيقي, فإرادة الناس هي معيار تشكيل السلطة وممارستها, وانعقاد الشرعية واستمرارها, فلا يوجد من هو أعلي من الإرادة العامة للشعب في كل ما يخص مصيره ويتعلق بمستقبله. غير أن كل شعب, وهو بصدد صوغ مصائره, إنما يقوم بذلك علي قاعدة قوامها عناصر هويته وفي قلبها الدين, الذي تتخلل قيمه الأساسية دساتير هذا الشعب أو قوانينه التي يصدرها أي برلمان منتخب ديمقراطيا سواء في مصر حيث تكون هذه القيم إسلامية بالأساس, أو في ألمانيا حيث تكون هذه القيم مسيحية بالأساس; ليس لأن الدستور ينشئ هيئة عليا لهذا الغرض تراقب القوانين وتحاكمها بنصوص الشريعة, ولكن لأن الضمير العام لجماعة المشرعين, الممثلة لضمير الجماعة الوطنية, هو ضمير مسلم هنا ومسيحي هناك, ومن ثم فما يفرزه من تشريعات لابد وأنها سوف تستلهم القيم المستقرة في هذا الضمير والمجمع عليها لدي الشعب. وربما كان هناك قدر من الاختلاف بين درجة الالتزام بالقيم السماوية في القوانين بين بلدين كمصر وألمانيا حسب درجة التدين المختلفة بين الشعبين, ولكن المهم أن هذه القوانين ستظل تعبيرا عن إرادة الجماهير المنضوية في دولة مدنية, وليس تعبيرا عن إرادة قلة من رجال دين يطرحون أنفسهم متحدثين باسم الشريعة ووكلاء عن الله, يتحكمون بمصالح الناس العملية ويخضعونها لرؤاهم الإيديولوجية, كما هو الأمر عادة في الدولة الدينية, حيث يكون مصدر الشرعية هو الشريعة وليس الأمة, والنيابة فيها عن الله لا عن الشعب, والحق في الحكم مقدس لا سبيل إلي مراجعته, ما يفتح أبواب التاريخ علي جهنم أرضية قوامها الاستبداد والقهر, وذلك باسم جنة سماوية يدعي هؤلاء امتلاك مفاتيح أبوابها.
في الدولة المدنية يبقي الانقسام بين المواطنين, ولكن ليس ذلك الانقسام العميق بين مدنيين ودينيين, علمانيين وإسلاميين, ملحدين ومؤمنين, بل ذلك الانقسام البسيط بين( ليبراليين ومحافظين), حيث ينتقل خط التناقض من منطقة الإيمان والكفر بدين معين, إلي منطقة الالتزام وعدم الالتزام بأخلاق معينة, فيكون لدينا أناس ملتزمون حرفيا بهذه الأخلاق, وآخرون يميلون إلي تأويلها عقليا, يسمون ليبراليين. الأولون قد يمتنعون عن الخمر, مثلا, لأسباب دينية والآخرون قد يمتنعون عنها لأسباب صحية أو مادية. وحتي لو تعاطاها البعض منهم فليس لأنه ملحد بالضرورة, بل ربما كان مؤمنا حقيقيا يؤدي العبادات, ويرعي الفضائل الجوهرية للدين ولكنه يبدو عاجزا في مواجهة هذا الداء بالذات, كما يعجز كثيرون من مدعي التدين أمام داء كالكذب أو النفاق, ومن ثم يظل مسلما ليبراليا, ولا يستحيل كافرا.
السؤال الذي يمكن طرحه من قبل شخص إسلامي مثلا: ولماذا لا تسعي الدولة إلي فرض الأخلاق المحافظة بقوة القانون, بحيث يتم تجريم الخمر, ويمنع تصنيعها وتداولها؟. والإجابة ببساطة لأن هذا المسعي يبقي خاطئا, فضلا عن كونه صعبا. يبقي صعبا لأن سلعة ما تم اختراعها وعرفها الناس لا يمكن أن تختف بقانون, حتي المخدرات التي لم تختفي سوي ظاهريا, بينما تظهر في سوق سوداء ترتفع فيه الأسعار ويتاجر فيه الأشقياء. كما يبقي خاطئا لأنه لن يصنع أناسا أخلاقيين حقا بل منافقين حتما, يشتاقون باطنا للخطأ الذي لا يردعهم عنه سوي قوة السلطة وليس يقظة الضمير. وهنا يكمن الفارق الأساسي بين دور الدولة في رعاية القانون, ودور الدين في رعاية الضمير, فالإنسان يجب أن يعرف ربه بحرية تامة, يطيعه أو يعصاه, يتوب إليه أو يستمرأ العصيان, ولن يكون مؤمنا حقا إلا إذا كان حرا تماما, لأن الإيمان اختيار ضمير لا دخل فيه للغير, وهذا سر حلاوته ومصدر روعته, أما الخروج علي قاعدة الضمير, باتجاه الخضوع لأي سلطة من أي نوع فلا يعني سوي استعادة تاريخية لمحاكم التفتيش التي أهدرت مئات الآلاف من الأرواح, في أتعس تجربة عرفها التاريخ المسيحي خصوصا, والإنساني عموما. قد يختلف الضمير العام للمجتمعات المتمدينة في تأويل شرائعها الدينية, وما ينتج عنها من قوانين وضعية, وهو اختلاف لا يثير مشكلة طالما كان انعكاسا للإرادة العامة لمجتمع المواطنين الأحرار, أما المشكلة الحقيقية فتبدأ مع محاولة قمع هذا الاختلاف بسلطة مذهب فقهي أو جماعة إيديولوجية, فالقمع لا يبني إنسانا فاضلا, ولا مجتمعا حرا, بل يؤدي لتدمير الحرية الإنسانية, من دون الحفاظ علي الإيمان, ما يجعلنا أمام مجتمع خليط من المنافقين والمستبدين معا.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف