جريدة الجرائد

«أخونة الثقافة»... محنة عابرة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خليل علي حيدر

كتبتُ هذا المقال قبل أن تحدث التغييرات الأخيرة في مصر، وفضلتُ، بعد أن زالت مخاطر القمع الثقافي، أن يبقى المقال على ما كان! أصبح المثقفون العرب بعد موجات "الربيع العربي"، وصعود الإسلاميين في مصر خاصة، في وضع لا يحسدون عليه. تجلدهم الأقلام الناقدة لعزلتهم وارتباطهم بالنظام المنهار، وفشلهم في التنبؤ بالثورة الوشيكة وغير ذلك. وتستغل القيادة الحزبية العقائدية في مصر "الإخوان المسلمين" الظرف الحرج للتخلص من معظمهم، وتلطيخ سمعة من يبقى بالحق والباطل، وتحاول كل ما هو ممكن لعزلهم عن النشاط الثقافي، وعن مواضع التأثير في القراء والمتابعين.

وتتزعزع في الوقت نفسه بل تكاد تنهار، مجهودات مصر الملكية والجمهورية في هذا المجال البالغ الأهمية، وتذهب أدراج الرياح منجزات مثقفي ومؤلفي وناشري مصر الليبرالية والثورية على حد سواء، بينما حاولت الجماعة الإسلامية المهيمنة مصادرة المؤسسات الثقافية وتغيير طابعها الفكري ونشاطها الإبداعي. ولا شك أن زحفاً مماثلاً للإسلاميين يهدد في مصر وغيرها الإعلام والإرشاد الديني والتعليم الجامعي والعام، إن استمرت سلطة الإخوان.

مصر في محنة ثقافية عظمى، والكثير من ملامح ثقافتها ومطبوعاتها الحالية... قد تتغير خلال عام أو بضعة أعوام! ما المخرج؟ ماذا فعل التونسي "بوعزيزي" بالمثقفين العرب؟

"أشعل بوعزيزي النار في جسده، فانطفأ وهج المثقف العربي"، يقول د. سليم الحسني. "كان ذلك إيذاناً بأن الزمن لم يعد كما كان، إنه زمن جديد له عناصره المحركة وأدواته الفاعلة، وقد بدا المثقف وكأنه خارج نطاقه". حادثة "بوعزيزي" وما تلاها، يضيف د. الحسني في مقاله، "كشفت بأن موقع الزعامة الذي أجلس المثقف نفسه فيه، لم يكن إلا وهماً كبيراً، عاشه المثقفون والمفكرون من علمانيين وإسلاميين، فالتغيير لم يصنعه المثقف، إنما كان بشرارة من جسد شاب عاطل عن العمل، ومن مجاميع شبابية بسيطة الثقافة تختبئ في المقاهي وتستخدم "فيسبوك"، ولم يكن لهم حضور على أي صحيفة بارزة أو مجلة معروفة أو قناة فضائية.

وتعامل الكتَّاب مع أحداث تونس مثل بقية الأخبار، ولم يكن الكثير من المثقفين يتصورون بأن ثورة شعبية قد تنطلق من دون توجيه القوى الثقافية. وعندما تحمس المثقفون للتحولات واستبشروا خيراً بقدوم الديمقراطية، تكشفت حقيقة أخرى، يقول د. الحسني، "إذ جاء الربيع بفئات تروج للخرافة وتحتمي بالتخلف، وتوجه الجمهور بتفسير الأحلام".

كل مثقفي مصر المعارضين والقلقين من تطور الأوضاع يبدون منذ فترة مخاوفهم من "أخونة" الثقافة، أسوة بجوانب الحياة الأخرى. بمعنى هيمنة القيادات والمفاهيم الإخوانية عليها. غير أن علاقة "الإخوان المسلمين" بالثقافة والفكر والفنون، كما هو معروف. ليست قوية أو ممتدة، فعضو حركة "الإخوان" نادراً ما يكون بارزاً في مجالات الثقافة أو معطاءً في فروعها المختلفة. ورغم اتساع عضوية "الإخوان" والأحزاب الدينية لا نجد في صفوفها كبار الشعراء والروائيين والنقاد والمفكرين، وإن تعمق أحد "الإخوان" في هذه المجالات أو انكبّ عليها ابتعد تدريجياً عن الحزب. وتقول بعض التقارير الصحفية المصرية شارحة الوضع، "إن التيارات الدينية تكاد تكون علاقتهم بالعمل الثقافي ضعيفة، وأن كوادر التكنوقراط لديهم بعيدة عن العمل الثقافي". بل لا نجد في صفوف الإخوان حتى فطاحل اللغويين ومؤلفي القواميس ودارسي الثقافة العربية وعلم الأديان ومختلف العلوم الإنسانية، فالواقع أن معظم مؤلفات "الإخوان"، إما تتعلق بنشاطات الإسلام السياسي أو المؤلفات الدعائية أو السير الذاتية المكتوبة بشكل انتقائي تمجد الداعية مؤلف الكتاب وتشيد بحركة الإخوان.

ولهذا فمن المستبعد أن ينجح "الإخوان"، أو أي حزب إسلامي في الهيمنة على الثقافة وخاصة في هذا العصر وما يشهده من وسائل نشر واتصال. يقول الأديب المصري شريف حتاتة إن محاولات أخونة الثقافة والسيطرة عليها لن تكون سهلة، سنخوض معارك طويلة. الرد الحقيقي على مثل هذه المحاولات يكون من خلال زيادة العمل والكتابة والإبداع في مختلف المجالات، حتى لو صودرت هذه الأعمال أو مُنعت، نستطيع أن نبحث عن وسائل أخرى لنشرها". ولا يعني هذا في اعتقاد الأديب حتاتة أن الصراع سينتهي قريباً: "إن حكم الإخوان مستمر، على رغم عدم استقراره وعدم قدرته على الإدارة ومواجهة الكثير من المشكلات، لأن البديل غير موجود. فالأحزاب ضعيفة واليسار أيضاً ضعيف".

بل إن أحد الروائيين المصريين الشباب يعبر عن تفاؤله من الأوضاع رغم القلق السائد في ظل حكم التيارات الدينية. يقول الروائي محمد عبدالنبي: "أنا أقل خوفاً الآن، فالاعتراض على حكم الإخوان ليس مقتصراً على نخبة مثقفين ليبراليين أو يساريين، لأن رجل الشارع البسيط يتمنى رحيلهم. الناس يفتقدون تفاصيل حياتهم اليومية ومتطلباتهم الأساسية، وهذا يطمئنني. ثم ماذا بوسعهم أن يفعلوا؟ هناك عشرات دور النشر في مصر، ولو صودر عمل ما، سينظر على الإنترنت. لا خوف من على مستقبل الإبداع في مصر".

من ناحية أخرى، شهدت الحياة الثقافية المصرية في اعتقاد الكاتب "عبده وازن"، الكثير من الازدهار في السنوات الأخيرة، يقول في مقال له بعنوان: "الثقافة المصرية.. من التدجين إلى الأخونة"، إن قطاع نشر الكتب "قد شهد خلال العقود الماضية ازدهاراً كبيراً في كل دوائره، وفتح أبواب الإبداع أمام الكتاب المصريين المكرسين والشباب، ناهيك عن الكتاب العرب الذين أقبلوا على نشر أعمالهم في السلاسل الأدبية المدعومة رسمياً، وساهم هذا القطاع في تشجيع القراءة وترويج الكتب في المناطق والقرى على رغم المآخذ التي شملت مشروعاً مثل مشروع "القراءة للجميع". أما القطاع الثاني، فهو قطاع الفنون، مثل الرسم والنحت والموسيقى والرقص والأوبرا والمسرح، وكانت مصر أصبحت رائدة في معظم هذه الفنون، وبات الفنانون المصريون في طليعة الحركات التحديثية، لا سيما في الفن التشكيلي". ولهذا، يضيف عبده وازن، "لم يكن في مقدور "الإخوان"، عندما وصلوا إلى السلطة، أن يستوعبوا حركة الازدهار الفني هذه، فهي في حسبانهم كما في عقيدتهم، ظاهرة انحطاطية تخالف رؤيتهم إلى الثقافة ومفهومهم للإنسان والجماعة ونظرتهم إلى الأخلاق والتقاليد، وكان لابد من الشروع بحملة تطهير شاملة".

تحولت وزارة الثقافة المصرية، خلال الآونة الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للصراع مع زحف "الأخونة"، وبخاصة بعد أن تردد أنه يعمل وفق "أجندة إخوانية"، وأنه جاء على خلفية إقالة رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب أحمد مجاهد، والذي أعقبته إقالة كل من رئيس قطاع الفنون التشكيلية ورئيسة دار الأوبرا. وفيما كان وزير الثقافة الجديد يسارع الخطى من أجل القبض على زمام الأمور في وزارته، كان خصومه منهمكين بالتخطيط للإطاحة به، حيث اعترضوا على كفاءته للمنصب، ووقع أكثر من مائتي مثقف على بيان في ختام مؤتمر لهم في نقابة الصحفيين، وهتفوا ضد مرشد الإخوان وأخونة وزارة الثقافة.

منذ فترة ليست بالقصيرة يحذر أدباء مصريون من تعثر المجلات الثقافية وتراجع الدعم عن كثير من المطبوعات والسلاسل الصادرة عن هيئات وزارة الثقافة. ومن جانب آخر ثمة عزوف لعدد كبير من المبدعين عن النشر الورقي واللجوء إلى نظيره الإلكتروني، كما لم تبق سوى جريدتين ثقافيتين تتنافسان في ساحة خالية من الحراك والمعارك الفكرية والمواكبة النقدية، هما جريدة "أخبار الأدب"، التي ترأسها لسنوات طويلة الروائي جمال الغيطاني، وجريدة "القاهرة"، التي ما زال يترأسها الكاتب صلاح عيسى.

وتعم أوساط المثقفين مخاوف شتى على مصير دار الكتب والوثائق القومية، بعد أن توالت الأحاديث حول رغبة "الإخوان" في السيطرة عليها، لذا كانت صرخات المثقفين والفنانين ودعوتهم إلى وضع الدار تحت الحماية الدولية، وطالبوا كذلك بتشكيل لجنة محايدة ومتخصصة للإشراف على الدار لما تحويه من وثائق سيادية تمس الأمن القومي المصري. وجاء في تقرير من القاهرة لمحمد الصادق، أن رئيس دار الكتب السابق حذر من أن الدار "تتعرض لمخطط إخواني يستهدف تجريدها من الكنوز الحقيقية النادرة التي تحويها، مضيفاً أنها تضم أكثر من ستين ألف مخطوطة إسلامية غير موجودة في الدول العربية والإسلامية كافة، إضافة إلى أربعة آلاف حافظة تتناول الوثائق الوطنية، فضلاً عن وثائق تاريخية مهمة، وحوالي مائة مليون وثيقة نادرة".


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف