جريدة الجرائد

الشباب وخطر التطرف

-
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

أمـــل عبـــدالله الهــدابي

&

لا خلاف على أن ظاهرة التطرف بأبعادها المختلفة، وخاصة في بعدها الديني، أصبحت اليوم من أخطر التحديات التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها، ولاسيما في الدول العربية والإسلامية، التي شهدت تنامياً غير مسبوق لنشاط الجماعات الدينية المتطرفة كـ&"داعش&" و&"جبهة النصرة&" و&"القاعدة&" بفروعها المختلفة، و&"أحرار الشام&"، و&"أنصار الشريعة&" و&"فجر الإسلام&" و&"أنصار بيت المقدس&"، و&"الإخوان المسلمين&" و&"بوكو حرام&"، وغيرها الكثير من الجماعات المتطرفة التي أسرفت في التكفير وإباحة دماء الناس وأموالهم وتدمير أوطانها باسم الدين. وبصرف النظر عن الأسباب المختلفة والمتشابكة التي تقف وراء انتشار هذه الظاهرة وتناميها، فإن الأمر الذي بات واضحاً للجميع هو أن هذه الظاهرة تزداد خطراً وانتشاراً بقدر نجاح التنظيمات المتطرفة في تجنيد الشباب واستقطابهم في صفوفها.

وتركيز هذه التنظيمات على الشباب بصفة خاصة ليس عبثياً، وإنما ينطلق من إدراك عميق بأن هذه الفئة هي التي لديها الطاقة والقدرة التي يمكن توظيفها لبناء الأوطان كما هدمها، فضلاً عن كونها الفئة الأكثر عدداً في العالمين العربي والإسلامي، حيث نسبة الشباب في المجتمع العربي مرتفعة، وهم الفئة الأكثر تعليماً ولديهم خبرات ومهارات واسعة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصال، ومن ثم فهم الأكثر تفاعلاً مع ثقافات العالم المختلفة، وهم الأكثر طموحاً وتطلعاً للمستقبل، ما يجعلهم الأكثر عرضة لتقبل التأثير عليهم من خلال مداعبة أحلامهم وطموحاتهم.

ويساعد على ذلك ما يعانيه الشباب في العديد من الدول العربية من مشكلات اقتصادية واجتماعية معقدة ومتراكمة مثل انتشار البطالة التي وصلت نسبتها بين الشباب العربي إلى نحو 29%، وهي من أعلى المعدلات على مستوى العالم، فضلاً عن تردي الأوضاع المعيشية، وارتفاع معدلات العنوسة بين الشباب من الجنسين، وغياب الحريات الأساسية، وغير ذلك من مشكلات تعزز إحساس بعض الشباب بالتهميش والإحباط، وتجعلهم فريسة سهلة لعمليات الحشد والتجنيد في صفوف التنظيمات المتطرفة، التي أظهرت حتى الآن قدرة فائقة على إجادة استغلال هذه الظروف لمصلحتها من خلال تقديم وعود فارغة المضمون للشباب بالعمل والزواج والرفاهية، وفوق كل ذلك رفع راية الجهاد في وجه من تصفهم هذه التنظيمات بالكفرة والفاسدين باعتباره المدخل لتحقيق كل الطموحات المشروعة للشباب.

وقد عبر أحد الشباب عن جوهر إشكالية مواجهة التطرف في المنطقة خلال حوار معه في إحدى القنوات التلفزيونية قائلاً: &"ماذا تنتظرون من شباب ليس لديه ما يخشى عليه؟&". لكن المشكلة ليست بهذا التبسيط، فعوامل الفقر والبطالة والتهميش وإنْ كانت تشكل دافعاً لبعض الشباب للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة، لا تفسر لنا على سبيل المثال لماذا ينضم بعض الشباب في أوروبا إلى هذه التنظيمات، فهناك أكثر من ثلاثة آلاف أوروبي انضموا إلى تنظيم &"داعش&" في سوريا والعراق، نسبة معتبرة منهم من الفتيات المراهقات، وقد حصل عدد كبير منهم على تعليم جيد ودرسوا في جامعات عريقة وعاشوا في مناخ واسع من الحرية السياسية ولم يواجهوا أزمات اقتصادية كالفقر والبطالة، بل إن أحدهم كان يحلم بالوصول إلى منصب رئيس الوزراء البريطاني كما ذكرت بعض وسائل الإعلام البريطانية. فما الذي يجذب هؤلاء إلى &"قاطعي الرؤوس&"؟! على حد تعبير الدكتور عبدالحميد الأنصاري في مقاله الذي نشره في &"وجهات نظر&" قبل يومين.

أحد العوامل المهمة التي يمكن أن تساعدنا على فهم هذا التساؤل هو إجادة التنظيمات المتطرفة، ومن بينها &"داعش&""، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى الشباب والتعرف على طموحاتهم وإقناعهم بإمكانية تحقيقها من خلال التنظيم، فبعض الشباب الغربي والعربي المنضم للتنظيم قد تحركهم مجرد رغبات مجنونة في تغيير العالم والإحساس بالمشاركة في صنع مجد زائف، وبعضهم يمكن إقناعه من خلال استخدام بعض النصوص والشعارات الدينية البراقة كالمشاركة في إعادة الخلافة أو نصرة الدين الإسلامي، وبعضهم تتم استمالته برواتب خيالية وميزات اجتماعية.

في المقابل، يلاحظ أن هناك ما يشبه أزمة ثقة بين جانب مهم من الشباب والمؤسسات الدينية الرسمية، التي يعتقدون أنها تخدم موقف الدولة والقائمين عليها أكثر مما تخدم الدين، وبرغم الدور الذي تبذله هذه المؤسسات في محاولة تقديم صورة الإسلام السمحة والصحيحة ومحاربة التطرف، فإن أزمة الثقة تُفقد هذا الدور كثيراً من أهميته. أضف إلى ذلك الأساليب التقليدية التي تلجأ إليها بعض المؤسسات الدينية الرسمية في تقديم النصح والإرشاد غالباً، والتي لا تقنع الشباب.

إن أي مواجهة جادة وفاعلة للتطرف والإرهاب تتطلب بذل جهد أكبر للوصول إلى الشباب والتصدي بشكل حاسم وسريع للمشكلات التي يواجهونها، وفي مقدمتها البطالة والفراغ، والأهم من ذلك تبني أساليب جاذبة ومبتكرة للتواصل معهم يمكن من خلالها توعيتهم بخطر التنظيمات المتطرفة وفكرها الهدام، مع التركيز بشكل خاص على وسائل التواصل الاجتماعي، والتصدي بفاعلية لأي محاولات لتجنيد الشباب من خلال هذه الوسائل.

&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف