جريدة الجرائد

العراق من بوش إلى أوباما

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

شريف حتاتة

يوم 19 آذار (مارس) 2003 قامت الولايات المتحدة الأميركية ومعها ثلاثون دولة بحملة عسكرية على العراق، سميت حرب الخليج. ادعى النظام الحاكم الذي كان يرأسه جورج بوش الابن أن العراق يمتلك القنبلة الذرية، وأن في هذا تهديداً خطيراً للسلام، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل في العالم كله. أنكر العراق أنه يمتلك أسلحة ذرية، وثبت في ما بعد أنه كان خالياً تماماً منها، وأن الغرض الأساسي من هذه الحرب كان التخلص من نظام صدام حسين ومن حكم البعث، وفرض الاحتلال الأميركي الذي دام حتى أول أيار (مايو) 2011.

&

لا مجال لإنكار القبضة الحديد التي فرضها نظام صدام حسين على العراق، والجرائم البشعة التي ارتكبها، ولا للبكاء على عهده، فالتاريخ لا يعود إلى الوراء. المهم أن نتعلم منه، ألا ننساه، فالنسيان داء تعانيه المجتمعات العربية أكثر من غيرها، ليس فقط لأن التاريخ لا يناقش، أو يدرس، أو يكتب عنه إلا نادراً، لكن أيضاً لأن هناك قوى عاتية دولية ومحلية تريد من شعوبها أن تنساه، حتى تنسى معه من هو المسؤول أساساً عن المسار الذي تسير فيه الأمور المتعلقة بحياتها، وكيف يمكن إصلاح هذا المسار.

&

يكفي لكي نتنبه إلى هذه الحقيقة أن نقرأ الكلام الذي يكتب في الصحف، والمجلات عن الأوضاع المتردية بل والخطيرة القائمة الآن في العراق، أو أن نتابع الأخبار التي تذاع عما يجري هناك، تلك الأخبار التي تتحكم فيها، وتغربلها من المنبع أربع وكالات دولية كبرى في العالم تذيع ما يتمشى مع النظام الدولي التي تلعب فيه دوراً إعلامياً عميق الأثر، واسع الانتشار، كيف يتم فيها التجاهل التام لاحتلال أميركي جاء بعد الحرب، واستمر ثماني سنوات، وأثره في ما يحدث في تلك البلاد الغنية بمنابع البترول لكن التي أصبح يعاني فيها الشعب ما يعانيه الآن، وفي بلاد غاب عنها الاحتلال، لكن ترك وراءه نفوذاً اقتصادياً وسياسياً طاغياً وقدرة ليست قليلة على فرض ما يريدهم كحكام؟

&

قد يقال إن العودة إلى التاريخ، إلى ما كان يجري من قبل ليس هو المهم، لكن ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط كان يتم التدبير له منذ سنوات. السيطرة على المنطقة أسهل إذا دب فيها الفراق، والانقسام. إنها حقيقة قديمة قدم التاريخ نفسه عبرت عنه كونداليزا رايس، مستشار الأمن القومي في عهد بوش عندما تحدثت عما أطلقت عليه وصف الفوضى الخلاقة التي يمكن أن يتولد عنها ما هو جديد، فالوحدة عند أمثالها تكون مطلوبة أحياناً، وأحياناً التقسيم وفق الظروف. قد يحدث خلل في تطبيق سياسة التقسيم، أن تنفلت الأمور، وينتشر الإرهاب. عندئذ تبذل الجهود من قبل القوى الكبرى لعلاج الانفلات. لكن في العصر الحالي تستطيع الشركات المتعددة الجنسية، والمصالح الدولية الكبرى أن تواصل استغلالها، أن تحقق مصالحها حتى في ظل الانقسام والتنازع، والإرهاب بفضل وسائل الاتصال والتحكم الحديثة. العراق على شفا الانهيار ومع ذلك ما زالت الشركات الكبرى تواصل استخراج مئات الملايين من براميل البترول من أرضها.

&

يوم أن قدمت مجموعة المحافظين الجدد بمبادرة من ديك تشيني وزير الدفاع تقريرها إلى الرئيس بوش الذي تضمن من بين نقاطه السبع فقرة مهمة عن العراق، لم يكن يعنيها كثيراً قهر صدام حسين للشعب، ولا تصفيته لكل من تسول له نفسه أن يقدم نقداً، مهما صغر، لسياساته، أو أن يعترض على أي من تصرفاته. لم يكن يعنيها أنه قتل مئة ألف من الأكراد في حملات شنها الجيش فتاريخها في مساندة الأنظمة القمعية حافل، لكن لأن العراق كان قد أصبح دولة قوية يسعى صدام حسين لزيادة نفوذها ودورها في المنطقة العربية، فقد كان التقرير يشير إلى ضرورة الحيلولة دون ذلك.

&

مرَّ على تلك الأيام ما يزيد على اثني عشر عاماً. حدثت تطورات خطيرة منذ ذلك الحين لم تغير كثيراً من تلك السياسات حفاظاً على مصالحها، لكنها مواجهة الآن بالتدهور السريع في أوضاع العراق. لا تضيرها كثيراً حالة التشتت والانقسام، والفساد الهائل، على العكس هي تسهل عليها مواصلة السيطرة على حاضر، ومستقبل البلاد، لكن المقلق لها في هذه الأوضاع هو الانتشار السريع لحركة الإرهاب، والمتمثلة في شكل واضح في &"داعش&" وسيطرته على أجزاء متزايدة من العراق. هذا في مواجهة دولة تتفكك أوصالها، فربما يكون من الأسهل نسبياً مقاومة الإرهاب في دولة واحدة عن مقاومتها في دولة تحولت إلى دويلات يسهل على جيوش الإرهاب الصغيرة السيطرة عليها. فترى ما هي السياسة التي ستنتهجها الولايات المتحدة في الفترة المقبلة إزاء الوضع في العراق بينما هي تريد لا شك أن تتفادى ما حدث لها في أفغانستان؟
&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف