المنتقبات وجامعة القاهرة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
جابر عصفور
&
عندما افتتحت الجامعة المصرية فى 1908، كان هذا الافتتاح تحقيقا لحلم الطليعة المصرية فى استكمال لوازم الدولة المصرية، فاجتمع ثراة الأمة وكبار أعيانها بقيادة الطليعة المصرية المتعلمة تعليما مدنيا حديثا، وجمعوا التبرعات لتحقيق حلم الجامعة التى افتتحت بالفعل، وبدأ العمل فيها مع مطلع سنة 1909. وكان هذا الابتداء يعنى الكثير الذى يشمل انتقال التعليم من الصيغ التقليدية القديمة للكتاب والتعليم الأزهرى الدينى إلى صيغ مدنية جديدة تفتح آفاق العقول على عوالم العلم والمعرفة التى تنير العقول، وتشجع على حرية التفكير، واستكمال عمليات التحديث المادى بالحداثة الفكرية التى كان لابد أن تصطدم بجمود المجتمع التقليدى المحافظ والمسرف فى تقليديته. وكان من الطبيعى أن يؤمن قادة الجامعة بعقولهم المتنورة المفتوحة على الحديث باستكمال تعليم المرأة المصرية تعليما مدنيا حديثا، توسيعا لآفاقها الفكرية واستكمالا لشروط استقلالها وتحريرها، وتحقيقا لما حلم به قاسم أمين فى كتابيه زتحرير المرأةس سنة 1899، والمرأة الجديدة سنة 1901. وكان قاسم أمين أحد العقول التى أسهمت إسهاما أساسيا فى تجميع المصريين حول فكرة إنشاء الجامعة المصرية، واستمر فى جهده العظيم إلى أن توفى فى الثالث والعشرين من إبريل سنة 1908، قبل أشهر معدودة من تحقق حلمه بإنشاء الجامعة المصرية. ولذلك كان من الطبيعى أن يتم افتتاح قسم نسائى فى الجامعة المصرية سنة 1910. ولكن سرعان ما تكالب غلاة المجتمع التقليدى على هذا القسم والهجوم عليه بمبررات دينية وأخلاقية جامدة، ووصل الهجوم إلى حد تهديد وجود الجامعة نفسها، فاضطر القائمون على الجامعة إلى إغلاق القسم النسائي، حفاظا على وجود الجامعة نفسها، وثقة فى مستقبلها الواعد، حتى فى تعليم المرأة المصرية التى لا تزال قوى الإظلام والتخلف تعمل على معاداة حضورها الواعد فى الجامعة والمجتمع على السواء.
ولم تنتظر الطليعة الجامعية طويلا، فبعد أقل من عقد من السنوات، قامت ثورة 1919 التى فجرت القدرات الخلاقة للمرأة المصرية التى خرجت فى مظاهرة حاشدة بقيادة هدى شعراوى فى مارس 1919، وكانت هذه المظاهرة إعلانا عن أول حضور فاعل للمرأة المصرية، وخروجها الثائر طلبا لحرية الوطن والمواطن، وتأكيدا لتسرب روح الثورة على القيم التقليدية إلى أعماقها. وكان لثورة 1919 التى أسهمت المرأة المصرية فيها آثار بعيدة المدى فى تحرير المجتمع المصرى وخلخلة أفكاره الجامدة. ولذلك لم تمض سوى سنوات معدودة إلا وانضمت المرأة المصرية، ممثلة فى هدى شعراوى وسيزا نبراوى ونبوية موسى اللائى قمن بتأسيس الاتحاد المصرى للنساء سنة 1923. ومع صدور دستور 1923 الذى أسس للدولة المصرية المدنية الحديثة، كان من الطبيعى أن تعود محاولة إدخال الفتاة المصرية إلى الجامعة، ولم يتردد أحمد لطفى السيد رئيس الجامعة فى تسريب الطالبات المصريات إلى الجامعة سرا، حتى لا يثير انتباه قوى المجتمع التقليدى على الجامعة، وظل على هذه الخطة إلى أن أصبح دخول الفتيات إلى الجامعة أمرا واقعيا ومستقبلا واعدا، وذلك استنادا إلى رياح الحرية التى تركتها ثورة 1919 فى نفوس المصريين. وهكذا أصبح وجود الفتاة المصرية فى الجامعة إكمالا لتحررها من ناحية، وفتحا لآفاق مستقبلها الواعد من ناحية موازية. وسرعان ما اندمجت الفتاة المصرية الجامعية فى الإسهام فى تحرير الوطن والوقوف ضد أشكال الاستبداد السياسى والجمود الاجتماعى والتعصب الديني. وكانت الذروة هى اشتراك الطالبات الثوريات فى اتحاد الطلبة والعمال سنة 1946، وبرز دور الطالبة لطيفة الزيات فى تمثيل زميلاتها وزملائها فى الانتفاضة من أجل كرامة الوطن واستقلاله ومقاومة الاستبداد السياسى وأشكال التخلف الاجتماعي. وكانت النتيجة ما قامت به المرأة فى النضال من أجل دخول المرأة المصرية إلى البرلمان سنة 1957. وكان ذلك بفضل دستور 1956 الذى أقر فى مادته رقم 31 بأن المصريين لدى القانون متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، ولا يجوز التمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة. وكان من أبرز المشاركين فى المعركة الانتخابية سيزا نبراوى وزينات عابدين فى دائرة كرداسة وأمينة شكرى فى دائرة باب شرق بالإسكندرية وراوية عطية عن دائرة الدقي.
وواصلت المرأة تحررها وصعودها طوال العهد الناصري، فأصبحت وزيرة لها حضور فاعل فى المجتمع، واكتملت أحلام قاسم أمين بكتابة إحسان عبد القدوس روايته زأنا حرةس سنة 1959، ولطيفة الزيات بروايتها زالباب المفتوحس سنة 1960، واستمرت المسيرة المتحررة للفتاة المصرية إلى عام 1967 حين حدثت الهزيمة الفاجعة التى كانت هزيمة لمشروع الدولة الوطنية القومية التسلطية، الأمر الذى فتح الباب للمشروعات المضادة، وعلى رأسها مشروع الدولة الدينية. ولذلك بدأت صورة المرأة المصرية فى الارتداد إلى الخلف مع السبعينيات الساداتية بمحاولة التحالف مع الإسلام السياسى الذى كان من نتائجه تقزيم الدور المصري، وخضوعه للإخوان المسلمين أولا والسلفية الوهابية ثانيا، فانكفأت المرأة المصرية وعاد وعيها إلى الخلف، وانتشر فى الجامعة الحجاب أولا، ثم النقاب ثانيا. وكان تصاعد النقاب وتزايد عدد المنتقبات فى جامعة القاهرة التى هى الجامعة الأم، ليس تعبيرا عن صحوة دينية، بل عن ردة دينية حقيقية. وهاهى جامعة القاهرة بتاريخها التحررى العظيم، تنتشر فيها خيمات تخفى فتيات ونساء وقعن فريسة لأدلجة السلفية الوهابية لعقولهن. ولم يكن من السهل مقاومة ظاهرة النقاب التى لا أصل لها فى الشريعة الإسلامية فى عهد مبارك. وكان من الطبيعى أن تزداد انتشارا فى العام الكارثى لحكم الإخوان المسلمين الذين تحالفوا مع السلفية الوهابية، فتزايد عدد المنتقبات فى جامعة القاهرة ذات التاريخ العريق فى تحرير المرأة.
وللأسف بدأنا فى مشاهدة المنتقبات فى الجامعة التى تخرجت فيها سهير القلماوى ولطيفة الزيات وعائشة راتب وعشرات بل مئات غيرهن من رائدات تحرير المرأة وتحقيق حضور المرأة المصرية الجديدة. ولذلك كان لابد أن يتصدى جابر نصار رئيس جامعة القاهرة لهذه الظاهرة، ويمنع المنتقبات من التدريس، وذلك لأسباب عديدة: أمنية فما أسهل أن يتخفى الإرهابيون خلف النقاب، ودينية لأن النقاب لا أصل له فى الإسلام، ولذلك أصدرت وزارة الأوقاف فى عهد محمود زقزوق كتابا مفيدا بعنوان &"النقاب عادة وليس عبادة&" وتربوية ونفسية لأن النقاب يقطع خطوط الاتصال والتواصل بين المنتقبة وطلابها إذا كانت أستاذة، وبينها ومرضاها إذا كانت طبيبة. ولا يجب أن تكون النخبة الثقافية المصرية محايدة إزاء المعركة التى يخوضها جابر نصار ضد النقاب فى الجامعة، فهى معركة حضور المرأة المصرية الجديدة منذ أيام قاسم أمين. وإذا كانت الدولة وعلى رأسها رئيس الجمهورية يطالب بتثوير فهم الدين، وتجديد الخطاب الديني، فعلى هذه الدولة أن تساند جامعة القاهرة فى محاربتها للإرهاب الذى أصبح النقاب رمزا من رموزه الفكرية ودعوة إلى السلفية الوهابية التى هى أخطر من الإخوان المسلمين. فلينتبه هذا الوطن كله إلى خطورة المعانى الرمزية والعملية لاتساع دوائر المنقبات فى الجامعة وفى غيرها من الأماكن والمؤسسات التى استبدلت الذى هو أدنى بالذى هو خير.