«الدواعش» وهدم التاريخ
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
عبدالحق عزوزي
احتفلت مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري السنة الماضية، في مراكش المغربية، بالشاعر العربي أبي تمام الطائي بحضور أكثر من 300 مفكر ومثقف وأديب عربي، وقد أقيمت ندوات نقدية وشعرية وعرض عدد من الدراسات والأبحاث والتحقيقات الجديدة عن تراث أبي تمام، وأتذكر أنني قد استحضرت للعديد من الإخوة حينها أن هذا الاحتفال في مراكش هو على بعد أكثر من 6500 كيلومتر عن مدينة الموصل العراقية التي دفن فيها أبو تمام، ليشكل ذلك جانباً من معاناة شاعر الحماسة الذي قال ذات يوم &"السيف أصدق إنباءً من الكتب.. في حده الحد بين الجد واللعب&" وقد ولد أَبو تمّام، حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، في حوران بسوريا، عام 188 هجرية (803 ميلادية)، وتوفي في الموصل عام 231 هجرية (845 ميلادية). وعرفته العرب بشاعر الحماسة.
وحتى منتصف العام الجاري، كان تمثال أبي تمام يقف شامخاً في سماء الموصل، التي سطّر فيها بعض ملاحمه الشعرية، وعمل رئيساً للبريد، وهو الآتي إليها من الشام، لكن سرطان الخراب والإرهاب، المعروف باسم &"داعش&"، أقدم في 26 يونيو 2014، بعد اجتياحه الموصل، على تدمير تمثال الشاعر أبي تمام مثلما دمّر عدداً آخر من شواهد التراث والتاريخ الإنساني، وتم تدمير تمثال هذا الشاعر العباسي الكبير في منطقة باب الطوب وسط المدينة، وكذلك تمثال عثمان الموصلي، وهو موسيقي وملحن عراقي من القرن التاسع عشر، في دورة المحطة جنوب الموصل.. وما زلنا نرى صوراً بشعة لأناس لا روح لهم ولا عقل يهدمون المآثر ليتبخر في ثوانٍ معدودة تاريخ الآلاف من السنين لحضارات متعاقبة، ويقترفون ذلك بفتاوى لا أصل لها ولا مرجع، وهذا جزء من موجة لامتناهية من الإرهاب تعرف أوجها في منطقتنا العربية، ليشوّه هذا الإرهاب صورة الدين الحنيف، ويضطرب كل من الفهم الديني والعمل السياسي معاً. وقد وصل بالإرهابيين الانحراف حداً جعل &"خليفتهم&" المزعوم معصوماً في فعله وقوله بحسب ما تصوره لهم أوهامهم السقيمة وأفهامهم العقيمة، وكأنه ليس هناك وحي ولا رسول أرسل بالحنيفية الوسطية السمحة، ليحسّنوا كل المساوئ ويزينوا كل الخطايا وليصدروا ضد أي خصم أو معارض بل وحتى مسالم فتاوى بأنه &"كافر&" و&"ملحد&" و&"مفسد&" في الأرض يحل دمه شرعًا، فما بالك بالأوابد والآثار.
&
لا يهدم &"الداعشيون&" تماثيل وهياكل وآثاراً تاريخية فقط، وإنما يهدمون ذاكرة البشرية، ويهدمون وجدان الأمة وروح التاريخ لأنهم يكرَهون التاريخ ويكرهون الحضارة كراهيتهم للبشر، إنهم كما كتب الروائي عبده وازن &"يمقتون الحياة نفسها، يمقتون النور والعقل والقلب، يمقتون إنسانية الإنسان وروحه وحقوقه التي منحه إياها خالقه. ليس هؤلاء بعميان، العميان يملكون بصيرة نافذة. إنهم ضالون ومضللون، لا رحمة في قلوبهم ولا تقوى ورؤوسهم خاوية، غرائزيون ومتوحشون، لا يعرفون حداً للكراهية والضغينة. لا يحقد هؤلاء على البشر والعصر فقط، هم يحقدون على تاريخ الأديان والأفكار والماورائيات. لا يهمهم أن يكون للإنسان تاريخ وللعالم ذاكرة. كل ما قبلهم يجب ألا يوجد، يجب أن يُدمّر ويُردم. كل ما قبلهم أوثان وطواطم وخرافات وأساطير وأوهام. كل ما قبلهم كفر بكفر. وفي حسبانهم أن الإنسان إما أن يكون داعشياً أو لا يكون. وإذا لم يهتدِ إلى أفكارهم فهو كافر ومرذول&"!
لقد كنت قبل أيام في نابولي الإيطالية لتوزيع الجائزة المتوسطية التي أنا عضو في لجنة تحكيمها، واستقبلنا من طرف عمدة المدينة ومسؤوليها بعد أن زرنا أهم المعالم التاريخية للمدينة، ورأيت كيف يقدسون التاريخ ويحافظون على أوابده ومآثره. وهذه المحافظة تدر عليهم المليارات سنوياً من مداخيل السياحة، وتجعل الأجيال المتعاقبة تتوقف عند إنجازات الحضارات القديمة لشحذ الهمم وتستلهم طرق بناء المستقبل.. وهؤلاء الغربيون ينفقون المال ويبذلون الغالي والنفيس للحفاظ على التراث الحضاري وحفظ الآثار وحتى الأساطير، فيما يقوم &"الداعشيون&" في الوطن العربي بهدم معالم التراث وقتل الذاكرة وسجن التاريخ في غيابات التكفير والتقتيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
&