سعود الفيصل... السياسي الثري
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
علي القاسمي
ودّعت السياسة عرابها في نسخته العربية السعودية، ودّعت الثري بالثقافة والمعرفة والحكمة وحب الناس، كان لافتاً في مشهدها وحاضراً بما يجعل ملء مكانه في المستقبل القادم مهمة غاية في الصعوبة، أربعة عقود وتجربة شامخة برفقة خمسة ملوك هي الحصيلة الأدق في مشوار الأمير الراحل سعود الفيصل، وهي كفيلة بأن تضعه في صدارة العظماء من الساسة ومهندساً استثنائياً في المشهد الديبلوماسي العالمي، بل تصنفه واحداً من المؤثرين في خريطة السياسة على امتداد هذا العمر المصحوب بكفاح شاق في حمل حقيبة ثقيلة على طول الطريق بقضايا متنوعة متوزعة، ومنعطفات حاسمة لتقلبات كانت تستدعي الحد الأقصى من الحكمة والحنكة المتزامنتين والمتوازيتين.
&
يرى المهتمون بالحقل السياسي أن الفيصل &"سعود&" يندر أن يتكرر، هو حال استثناء في المشهد العام، وللحق فالسعوديون على وجه الخصوص يحملون له حباً كبيراً ملموساً وشعبية طاغية لكونهم مؤمنون بالثقل الذي كان يحمله وعمق تجربته في واحدة من أشرس الحقائب الوزارية &"الخارجية&"، فيما يتفق العرب عامة على أنه الوجه الأكثر جذباً ولفتاً وقدرة على التعاطي الهادئ المتزن مثار التناول والإعجاب.
&
إرث سعود الفيصل على امتداد 40 عاماً من الفعل السياسي المنهك والمتعب سيظل في أنحاء العالم، لأنه الشهير حقاً أينما حضر، الموسوعي عندما يتحدث، والفيصل بالجمل والعبارات حينما يحين الموعد المناسب لها، حزين بحق لأن هذا الرمز غادر من دون أن نقرأ ولو صفحات يسيرة من سيرته الذاتية مدونة بخط يده، ومؤمن بأن له سيرة ذاتية مدهشة مليئة بحجم هائل من الحقائق والتجارب المذهلة والصراعات الشرسة والمواقف الحادة في لعبة موازنات يصعب الدخول فيها دونما رصيد كافٍ من الخبرة والهدوء والقراءة المتقنة للملفات التي تولد فجأة بين اليدين أو تتضخم مع مرور الوقت.
&
ثقافته الواسعة كانت سر الجذب وكما قالت &"الحياة&" في عدد ما قبل الأمس: &"رحل أيقونة الدولة السعودية ولسانها الطليق&"، هو سيد الألقاب وأكثرهم حصولاً عليها، ثراؤه المعرفي وتجربته المخلصة كانا سر اللفت ومصدر الدهشة والتوقف الجبري أمام هذه القامة المختلفة، رحل داهية العرب، أمير الديبلوماسية، حكيم السياسة، وذاكرة الديبلوماسية، وغيرها من مواصفات الرحلة الطويلة، رحل تاركاً هذا الرصيد المغري من الحب والعمل والذاكرة الحية حتى وإن مات، لم يكن رجل دولة فقط، بل دولة في رجل، أعود لأؤكد أن السعوديين مجمعون على حبه، وكذلك العرب الأنقياء والمسلمون الحزينون على حاضر لا يسرّ، ومصرون على أنه استثناء في مرحلة فقيرة بالاستثنائيين، وفي رحيله تنتصب مئات الرسائل وربما نستعيد القول: إذا أردت أن تعرف قيمة أحد.. دعه يغيب &"فكيف بالسعوديين تحديداً وهم مأسورون بحبه ويعرفون حجمه جيداً فقد كفاهم لسنين طويلة عناء الخوض في صداع التفكير بالمشهد السياسي المتقلب والمزعج، كان يكفيهم عناء ذلك وهم مدركون أن العناء مرهق منهك متعب، وقد عبّر الراحل بصراحته النادرة الآسرة حين سئل عن صحته وقبل أشهر وفاته فقال: &"إن حاله الصحية أشبه بحال الأمة العربية&"، وهو السطر الذي يقود، ويقول بآن واحد في أنه اهتم حد المرض بقضايا أمته ووطنه لتعبث بأثمن ما يملك &"صحته&"، رحمه الله.. رحل لكنه أبقى منهجه وذكره الطيب الرطب.
&