سقوط شرط سقوط «الأسد»
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&عبدالله العوضي
أخيراً رضخت أميركا لاشتراط الأسد بقاءه في الحكم حتى يقرر الشعب في المرحلة الانتقالية غير ذلك، بعد أن لم يعد في سوريا شعب يدلي بأصواته لأي رئيس آخر، وليس فقط للأسد. فالقاعدة الانتخابية التي عليها اختيار حاكم سوريا المستقبل موزعة على الأرض المنقسمة على نحو يصعب لملمة شمله لسنوات، وهي بحاجة إلى قابلة ماهرة لاستقبال المولود الجديد.
أكثر من خمسة أعوام على تعويم الأزمة السورية، والعالم الأكبر كان يظن بأن العقدة تكمن في مغادرة الأسد للرئاسة، فبذلك فليفرح السوريون، وهو خير مما يجمعون عليه.
هذا التغيير الدراماتيكي الأميركي في المسار السوري الذي لازال مسماره يدق في &"جنيف 3&"، وقد رفضت المعارضة كل ما هو مطروح من قبل المندوب الأممي، خاصة وأن الإصرار على ذهاب الأسد بعيداً عن سوريا لم يعد يقلق العالم الذي أجمع على بقائه، ولو لحين موعد الانتخابات المزمع عقدها بعد نحو ثمانية عشر شهراً. مرور السنوات على الأزمة الماحقة هناك، لم يضع الحل أمام المعضلة السورية، بل العربة التي تقلب الحصان على ظهره، فيكسر على رأس السوريين الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت، وإن هاجروا فيها، أو وقفوا متسولين على حدود الدول التي ترفض استقبال المزيد منهم.
ظن البعض أن روسيا انسحبت نهائياً من سوريا حتى تتاح الفرصة لتدخل الآخرين، لكن واقع الأمر يقول بأن الروس، خلال 24 ساعة بعد الإعلان عن انسحابهم، قاموا بأربعين طلعة جوية لقصف الأهداف المبرمجة سابقاً.
لقد غدت السياسة وألاعيبها بعد زوال شرط ذهاب الأسد، عاملاً في مد عمر الأزمة إلى اللانهاية، حتى إذا وقع صوت الانتخابات على رأس الشعب السوري في التو، فالنتيجة غير مضمونة لصالح أي فصيل مقاتل أو متفرج من وراء الستار.
اليوم، ولأول مرة، يشيد الغرب بالأسد وقواته في استرداد &"تدمر&" من يد &"داعش&" والحفاظ عليها من التدمير، تلبية لنداء صوت التراث العالمي. ونسي ذات الغرب تضحيات أكثر من ربع مليون سوري وقعوا قتلى بيد النظام ذاته، وتهجير أكثر من ثلثي الشعب السوري، وبقاء أقل من الثُلث ينتظرون مصيرهم، بعد أن مات الضمير الحي، والغائب، والمستتر.
ولا ننسى بأن حال إعلان روسيا عن انسحابها من سوريا، قابل البديل الجاهز والحاضر في إيران بالتهليل والترحيب، لإرسال المزيد من الحرس الثوري وميليشيات &"حزب الله&" لأداء الدور الباقي في &"فرسنة&" سوريا، سيادة وإدارة، بختم من النظام الحاكم ورأسه.
الآن ما هو المطلوب من المعارضة في أروقة &"جنيف3&"؟ تتلقى الإملاءات المضادة تلو الأخرى، وهي مستمرة في ممارسة دور المعارضة من أجل المعارضة، بعد أن فقدت المحتوى والهدف من وجودها هناك، حيث تحاك خيوط الحل السوري من وراء ظهرها، وإن هي أدارت ظهرها، فإن ذلك لا يقيها طعنات الدول الكبرى وهي في عقر دارها.
وسط هذه الأوضاع السياسية المتغيرة، وبسرعة يصعب اللحاق بها أو تحليلها، لأن الغموض في كل ذلك هو سره الفاعل، نرى أنه رغم زوال فصل الشتاء وانقشاع أستاره، فإن ليل سوريا سيبقى طويلاً حتى لو حل الصيف عليها، لكي يزيد من شدة حرارة مأساتها، خاصة إذا سُمح للنظام الذي لم يُبق للسوريين بيتاً قائماً، ولا عموداً صلباً راسخاً، ولا نفساً متنفساً.. وكأن خمسة أعوام من الهموم الثقال التي تعجز عن حملها الجبال الراسيات، كانت حلماً يحرم على الجميع تمنيه أو توقعه.
وعلى الشعب السوري أن يدفع الثمن مرتين، الأولى من دمه، والثانية من خيانة ذمم العالم لمشروعه التغييري، فها هو &"الأسد&" يزمجر مجدداً، ويواصل انتصاراته على الأرض بعون العالم، رغم اختلافاته المزعومة حول الأزمة السورية، فطريق المعارضة أصبحت مسدودة، ونفقها مظلماً ومغلقاً، وحلمها خيالاً للمآتم، وليس درساً جديداً في تعلّم الديمقراطية والعدالة والحرية فحسب، بل تغييب كل ذلك تحت ركام السنوات العجاف الماضيات والآتيات.