جريدة الجرائد

التوت والقمح وحكاية الهياكل السياسية والاقتصادية للدول

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

  تيم هارفورد  

التوت هو فاكهة البرجوازية الصغيرة، في حين أن القمح مخصص للبروليتاريا، أو هذا ما يقوله المختص في العلوم السياسية، جيمس سكوت، في كتابه الصادر في عام 1998 بعنوان "أن ترى مثل الدولة". هذا يجعل الأمر يبدو وكأن سكوت يتأمل في مسائل الذوق. في الواقع كان يبرز الصلة بين ما ننتجه وبين الهياكل السياسية والاقتصادية التي يجعلها الإنتاج ممكنة. 


يقول سكوت إن القمح نبات خاص بالبروليتاريا لأنه ينجح بشكل جيد في المزارع الصناعية. يمكن لعملية الحصاد أن تكون آلية. لكن الأمر ليس بهذه السهولة مع التوت الذي يفضل أن يزرع في مزرعة صغيرة. من الصعب زراعة التوت وقطفه على نطاق صناعي. 
هذه الفروق كانت في الماضي مهمة إلى حد كبير. نحن نربط بين اختراع الزراعة وبين صعود الدول القديمة، لكن كما يشير سكوت في كتابه الذي سيصدر قريبا، بعنوان "ضد القمح"، هناك أمور كثيرة تعتمد على المحصول. القمح مناسب إلى حد كبير لدعم جيوش الدول ومفتشي الضرائب: يتم حصده في أوقات قابلة للتنبؤ، ويمكن تخزينه، أو مصادرته. أما نبات المنيهوت فهو يعمل بطريقة مختلفة. يمكن استخراجه من الأرض عندما تدعو الحاجة إليه. إذا أراد ملك بعيد أن يفرض ضريبة على محصول المنيهوت، يتعين على جيوشه أن تعثر عليه أولا ثم تستخرجه نبتة نبتة. الزراعة جعلت من الممكن ظهور دول قوية، لكنها كانت دائما زراعة تقوم على القمح. ويقول: "لم يسجل لنا التاريخ أية دولة قائمة على نبات المنيهوت". 
التكنولوجيات التي نستخدمها تؤثر دائما على كيفية الأشياء التي تؤخذ والأشخاص الذين يأخذونها، من اختراع المحراث إلى إنشاء يوتيوب. الاقتصاديون يعرفون ذلك، لكن أدواتنا التحليلية ليست مناسبة بشكل جيد لتمييز القمح من التوت أو المنيهوت. روعة الناتج المحلي الإجمالي هي الطريقة التي يتمكن بها من قياس جميع النشاط الاقتصادي بالمقياس نفسه – لكن هذه أيضا، بطبيعة الحال، نقطة ضعفه. 
مع ذلك، نحن نحاول. كثير من الباحثين درسوا ما إذا كانت البلدان التي تتمتع بكميات وافرة من الموارد المعدنية – مثل النفط والنحاس والألماس – يغلب عليها أن تكون أفضل أو أسوأ نتيجة لذلك. ميزان الرأي هو أن هناك شيئا اسمه "لعنة الموارد". لماذا؟ 
أحيانا تكون المشكلة واضحة – المواد الطبيعية جعلت من الممكن استمرار ربع قرن من الحرب الأهلية في أنجولا. فقد استطاعت الحكومة تمويل نفسها من النفط، في حين كان المتمردون يستخرجون الألماس ويبيعونه. أحيانا يكون الأمر أكثر دقة: البلد الذي يصدر سلعة ثمينة يجد أن سعر صرف عملته يصبح أقوى. وهذا يجعل من الصعب عليه استدامة أي نوع من الصناعة غير المرتبطة بالسلعة نفسها. 
مع ذلك، نحن نفتقر إلى الأدوات الإحصائية التي تعيننا على رسم صورة مقنعة تماما لهذه المواضيع، رغم ما تبدو عليه من أهمية. 
الآن يوجد بحث جديد من فريق في معهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا يحاول استكشاف الطريقة التي يمكن فيها لمزيج المنتجات التي ينتجها بلد معين أن يؤثر على ناتج اقتصادي مهم للغاية: تباين مستويات الدخل. الفريق يشتمل على سيزار هيدالجو، مؤلف كتاب "لماذا تنمو المعلومات"، الذي كان يحاول وضع صورة للتعقيد الاقتصادي، باستخدام أساليب إحصائية من الفيزياء بدلا من علم الاقتصاد. 
ليس من السهل قياس التعقيد – هل مبلغ مليون دولار من إعادة التأمين أكثر تعقيدا من مليون دولار من الغاز الطبيعي المسال، أو من مليون دولار من ألعاب الكمبيوتر؟ أسلوب هيدالجو ينظر إلى صادرات السلع. يغلب على الاقتصادات المتطورة أن تصدر منتجات مختلفة، بما في ذلك أكثر المنتجات تعقيدا. ويغلب على المنتجات المعقدة ألا تصدر إلا من عدد قليل من البلدان. 
في بحث سابق، برهن هيدالجو وزملاؤه على أن التعقيد الاقتصادي مرتبط بالثروة – ومع ذلك هناك اقتصادات معقدة بصورة مذهلة لكنها غنية بشكل متواضع فقط (مثل كوريا الجنوبية)، في حين أن بعض البلدان غنية إلى حد كبير لكنها ليست متطورة للغاية. هذا التحليل الجديد يتوصل إلى علاقة بين عدم المساواة والافتقار إلى التعقيد. عند تثبيت الأمور الأخرى، يغلب على أبسط الاقتصادات أن تكون أكثرها تباينا في مستويات الدخول، ويغلب على الاقتصادات المتطورة أن تكون أكثر مساواة. 
إذن، هي مسألة التوت والقمح مرة أخرى. أو، إذا شئت، الفرق بين شركة مثل شركة النفط (التي توظف عددا قليلا من الناس بأجور عالية) وشركة النسيج (التي تولد أعدادا كبيرة من الوظائف، لكن بأجور متدنية)، ومكونات الأجهزة الدقيقة (التي تتطلب عددا كبيرا من العمال المهرة من ذوي الأجور العالية). الاقتصاد القائم على النفط يغلب عليه أن يكون أكثر الاقتصادات تباينا، والاقتصاد القائم على الأعمال الهندسية الدقيقة يغلب عليه أن يكون أكثرها مساواة. 
هناك استثناءات: اقتصاد أستراليا بسيط بشكل مستغرب، بفضل اعتماده على الموارد الطبيعية، لكنه ليس متباينا بشكل خاص. المكسيك هي بلد خارج النطاق في الاتجاه الآخر، لديها اقتصاد متطور لكنه يفتقر إلى المساواة. 
هذا البحث يجيب على بعض الأسئلة ويثير أسئلة أخرى. هناك كتابات كبيرة وغير مرضية حول العلاقة بين عدم المساواة والنمو. هل المجتمعات غير المتساوية ديناميكية وتتسم بروح المشاريع، أم أنها دول مصابة بالاختلال الوظيفي وقائمة على المحسوبية؟ تشير دراسة معهد ماساتشيوستس إلى أن الأمر الغائب هو مقياس للتعقيد الاقتصادي. 
وماذا عن الخدمات المالية؟ يبدو أنها متطورة وتتسم بقدر كبير من التباين – فهل هي استثناء للقاعدة؟ بيانات هيدالجو صامتة بهذا الخصوص. لكن هيدالجو غير مقتنع أن الأعمال المصرفية معقدة بشكل خاص. 
فهو يقول لي: "معظم البلدان لديها خدمات مالية. لكن قلة من البلدان تعرف كيف تصمم أنواعا جديدة من الأدوية أو المعالجات الدقيقة". من هذا المقياس، ومقاييس أخرى، هو يعتقد أن الخدمات المالية فجة على نحو يفوق ما نظنه بها. ربما. إذا كان هذا صحيحا، فإن الحي المالي في لندن يشترك مع نفط بحر الشمال في أمور تفوق ما كنا نميل إلى الاعتراف به.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف