جريدة الجرائد

توقعات 2018 .. أين أصابت وأين جانبت الصواب؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&FINANCIAL TIMES

توقعات 2018 .. أين أصابت وأين جانبت الصواب؟

جديون راشمان&

عندما رأيت تعليقا أسفل آخر عمود كتبته، الذي يشير إلى "جديون، العراف"، شعرت بالإحباط وخيبة الأمل. فالملاحظات التي من هذا القبيل دائما ما تكون ساخرة تقريبا، لذلك نقرت على الرابط المرافق وأنا متوجس.
لكني شعرت بالارتياح حين قادني ذلك إلى عمود أقدم كتبته من قبل، الذي يبدو الآن وكأنه كان يستشرف المسقبل. بعد أن كتبته في عام 2010، اخترت له العنوان الرئيسي "لماذا سيحدث اشتباك بين أمريكا والصين". أشار المقال إلى أن فشل الصين في تطبيق الديمقراطية، والنزعة الحمائية المتزايدة في الولايات المتحدة هما "صيغة لرد فعل عنيف مناهض للصين" في أمريكا.


هذا الشعور الجميل بأني كنت مصيبا جعلني أفكر مليا في حياتي كعراف. إحدى المهام المنوطة بكاتب العمود هي تقديم التوقعات. حين تكتب على الأقل مقالا واحدا في الأسبوع، لسنوات عديدة، فلا بد من أن تكون قد فهمت بعض الأمور على الوجه السليم - بالطريقة نفسها التي لا بد فيها للقرد الذي يواصل رمي النبال على اللوح أن يصيب الهدف.


مع ذلك، يغلب على كاتب العمود - خلافا للقرد (ربما) - أن يقدم توقعات استنادا إلى عدد قليل من الأفكار الرئيسية والبدهيات. إذن، ما هي التوقعات التي قدمتها، وما الذي آلت إليه؟
أحد الأمور التي كانت توجه تفكيري هو الاحترام السليم لقوة النزعة القومية. أعتقد أن هذا مستمد إلى حد كبير من الفترة التي عشتها مراسلا في بروكسل بين عامي 2001 و2005، حين أصبحت مقتنعا بأن الفلسفة التي تتجاوز حدود البلدان الوطنية في الاتحاد الأوروبي تتعارض مع الولاءات الأكثر استنادا إلى الأمة لدى كثير من الأوروبيين العاديين.
إيماني بقوة النزعة القومية كان يعزز عددا من التوقعات التي قدمتها بوصفي كاتب عمود. من بين التوقعات التي تحققت، كان التنبؤ الذي قدمته في آذار (مارس) 2016، قبل ثلاثة أشهر على إجراء التصويت، بأن بريطانيا ستصوت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. أيضا كنت متشككا بثبات في أن ألمانيا ستوافق على تشكيل اتحاد "تحويلات" يتم فيه نشر أموال دافعي الضرائب الألمان بشكل أكثر سخاء في بقية بلدان أوروبا. (وخلافا لكثير من زملائي في "فاينانشيال تايمز"، اعتبرت عدم القبول الألماني أمرا معقولا تماما).
من ناحية أخرى، في بعض الأحيان بالغت في تقدير قوة النزعة القومية الألمانية. وتوقعي في نهاية عام 2015 كان يتمثل في أن أزمة اللاجئين ستنتهي إلى الإطاحة بأنجيلا ميركل في عام 2016. لم يحصل ذلك، على الرغم من أن عهد ميركل يشارف على الانتهاء الآن بصورة متأخرة، جزئيا بسبب ما ترتب على تدفق اللاجئين إلى ألمانيا.
ثمة فكرة أخرى كانت تهيمن علي أثناء الكتابة، وهي الاعتقاد بأن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 شكلت نقطة تحول في السياسة العالمية. في عام 2010، نشرت كتابا بعنوان "عالم محصلته صفر" جادلت فيه بأن النظام العالمي المستند إلى منطق "الجميع يفوز" في العولمة الاقتصادية من شأنه أن يفسح المجال أمام ظهور نظام يستند إلى منطق "المحصلة الصفرية" (طرف يكسب على حساب الطرف الآخر)، ما يؤدي إلى ظهور رد فعل عنيف ضد العولمة والعودة إلى المنافسة بين القوى العظمى.
لبعض الوقت، قادني ذلك إلى تقديم توقعات مفرطة في التشاؤم حول عودة النزعة الحمائية وحدوث ارتفاع عالمي في النزعة القومية. لكن على مدى العامين الماضيين، على وجه الخصوص، تحققت توقعاتي التشاؤمية. فالأحداث المميزة لذلك كانت تتمثل في انتخاب دونالد ترمب في الولايات المتحدة والتصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016. لكن صعود نجم النزعة القومية أصبح ظاهرة عالمية - فهي ملموسة في الهند التي يترأسها ناريندرا مودي، والصين في عهد تشي جينبينج، والبرازيل في ظل جاير بولسونارو، وروسيا في ظل فلاديمير بوتين.
إن كنت قد أخطأت، أعتقد أن أكبر أخطائي حدثت عندما تخلصت من نزعة التشاؤم التي تلازمني، وحاولت النظر إلى الجانب المشرق. في عمود ظهر في بداية هذا العام، أشرت إلى أن عام 2018 ربما يشهد تغيرا إيجابيا في إيران. كان ذلك خطأ فظيعا. توقعت أيضا، بعد أن أعماني شعور التفاؤل الذي تملكني، أن إنجلترا ستفوز بكأس العالم. وهنا أخطأت مرة أخرى. زيادة على ذلك، أخفقت في توقع الأعمال العدوانية التي شهدتها جورجيا على يد روسيا في عام 2008 وأوكرانيا في 2014، معتبرا أن الكرملين سيتصرف بشكل "منطقي" أكثر.


في المقابل، ثبت عادة أن تخيل حدوث الأسوأ استراتيجية جيدة للغاية. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، قبل عام من الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وقبل أن يفوز ترمب، كتبت عمودا أحث فيه القراء على أن يتعاملوا بجدية مع احتمال أن يتم انتخاب ترمب ومارين لوبن رئيسين للولايات المتحدة وفرنسا. بالطبع، لم تتمكن لوبن من الفوز. لكن ترمب تمكن في الواقع من تحقيق النصر والوصول إلى البيت الأبيض. (في حال أنكم لم تلحظوا حصول ذلك). وتحققت في النهاية أيضا توقعاتي المستمرة منذ زمن طويل بنشوب حرب تجارية.
في عام 2019، سأراقب بكل حرص مصير توقع آخر. على الرغم من أنني توقعت أن يصوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا لا يعني أن القرار سينفذ بالضرورة. في الواقع، بعد ثلاثة أيام من التصويت على قرار الخروج في حزيران (يونيو) 2016، كتبت عمودا بعنوان "لا أعتقد أن خروج بريطانيا سينفذ". كان هذا مستندا إلى تجربتي في بروكسل التي تشير إلى أن نتائج الاستفتاءات المحرجة تنقلب عادة في الاستفتاءات التي تجرى مرة أخرى.
يبدو الآن من الممكن بشكل متزايد أن تجري بريطانيا تصويتا ثانيا. من ناحية أخرى، الدروس الأوسع نطاقا التي تلقيتها أثناء عملي عرافا يبدو وكأنها ترجح أن تتحقق التوقعات التشاؤمية - المستندة إلى قوة النزعة القومية والنزعة الحمائية. إلى حد كبير لا أستطيع أن أحمل نفسي على أن أتوقع أن بريطانيا ستصوت على قرار الخروج للمرة الثانية. حتى العرافين لديهم مشاعر. لكن منطق التحليل الذي أقدمه يشير إلى أن هذا هو ما سيحصل في الواقع، إذا أجرت بريطانيا استفتاء ثانيا، أو حين تجري.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف