الحنين للماضي بالفن
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&عبدالله بن بخيت
&بين حين وآخر أراجع الأعمال القديمة التي أحببتها، أراجع ذائقتي وحساسيتي تجاه الفن والشعر والدراما. ثمة أعمال لا تمحوها الذاكرة، من الصعب أن تحدد هل كانت جميلة بالفعل كما أحسست بها في اللقاء الأول أم أنها دخلت ثقافتك كما دخلت طبخات أمك، تشكل منها ذوقك بصرف النظر عن جودتها، فالناس تختلف باختلاف تعرضهم للفنون في سنوات التكوين، هذا ما يجعل الصيني يحب الموسيقى الصينية والفنلندي يحب الموسيقى الفنلندية، بيد أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك عندما يكون ميدان اهتمام المرء الفن نفسه، لن يقف عندما أتيح له في سنوات التكوين فقط،&سيضيف بوعي وشغف مزيداً من التجارب مع فنون لا تتصل بموروثه أو حصاد تجربته الصغيرة، خلال سنوات قليلة سوف يبتعد كثيراً عن مطبخ أمه.
في مخيلتي دوماً أربعة روائيين. غارسيا ماركيز وجورجي أمادو ودياستوفسكي وغوستاف فلوبير، لو استندت على ما سميته مطبخ أمي لأصبح الروائي المصري إحسان عبدالقدوس واحداً منهم، كانت مؤلفاته أولى الروايات التي قرأتها، قرأتها في العمر التي تترسخ فيه القيم العليا كالحب والجمال والحساسية النقدية.
تبدأ رحلة العودة إلى الفن كما خبرته في زمن مضى تحت وطأة الحنين لكن المشروع العاطفي المحض يتحول بالتدريج إلى طريق للمراجعة وإعادة النظر، ستكتشف أن كثيراً من الأعمال الأدبية والفنية التي امتعتك وأطربتك يوماً تسللت إلى وجدانك بضغط التيارات الثقافية التي انتسبت لها أو بحسب التوفر حينها، صعوبة الحصول على الكتاب أو انتظار سماع الأغنية في الإذاعة والتلفزيون يقلل من حضورها في خيالك وذاكرتك. الندرة في ذلك الزمن تعزز القيمة كما أن الإشباع في زمننا هذا يقتل الفن، كان الحنين للماضي في الزمن الماضي يبقى حنيناً، لا توفر التكنولوجيا فرصة مراجعته، تسمع أغاني مراهقتك بالصدفة وبشكل عارض، في الرادو في المطار في مطعم ربما مقطع صغير منها، هذه اللمسات الطارئة للفن القديم تصبح أجمل مما كانت عليه، التكنلوجيا الحديثة أفسدت هذا، أصبح الماضي بكامله معلباً بين يديك، تستطيع أن تعيده وتعيده حتى يتخلى عن قيمته العاطفية ويصبح مملاً بل وتنبت حوله ذكريات جديدة تطرد من ذاكرتك الذكريات التي رسخت هذا العمل الفني أو ذاك، سمعت تقاسيم فريد الأطرش أول همسة الشهيرة في أيامنا هذه أكثر مما سمعتها في زمانها،&عندما كان الحنين يدعونا لشيء من الماضي نشقى حتى نصل إليه الأمر الذي يضاعف من قيمته وجماله.
ما يخيفني من هذه المراجعات أن يأتي يوم فظيع أتجرد فيه من دواعي الحنين والذكريات وأصبح بلا ماضٍ.