جريدة الجرائد

الإرهاب والتراخى الدولى

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

& &أحمد سيد أحمد

&

كشفت الأحداث الإرهابية الأخيرة فى سريلانكا، والتى راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى نتيجة لهجوم على ثلاث كنائس وأربعة فنادق فى العاصمة كولومبو وتبناها تنظيم داعش الإرهابى، عن حجم الخطر الذى يتهدد العالم ويتفاقم يوما بعد الآخر.

&

فالإرهاب أصبح الآن يمثل المصدر الرئيسى لتهديد السلم والأمن الدوليين، نظرا لأن ساحته تشمل العالم كله ولا توجد منطقة أو دولة بمنأى عن خطر الإرهاب، كما أن الإرهاب يطور من أساليبه وأدواته خاصة توظيف الفضاء الإلكترونى ووسائل التواصل الاجتماعى فى اتصالاته وتجنيده لأعضاء جدد، وكذلك فى استخدام الأسلحة الحديثة وممارسته الأنشطة غير المشروعة مثل تجارة المخدرات وغسيل الأموال للحصول على التمويل، وكذلك اعتماده على الخلايا النائمة التى تقوم بالعمليات التفجيرية والانتحارية.

وفى ظل صعوبة المواجهة المباشرة مع الأجهزة الأمنية من الجيش والشرطة، باتت التنظيمات الإرهابية تركز بشكل أساسى على الأهداف الرخوة خاصة من المدنيين فى دور العبادة والأسواق والأماكن السياحية والتجمعات الجماهيرية لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وهو ما حدث فى الهجوم على مسجدين فى نيوزيلندا فى شهر مارس الماضى وراح ضحيته خمسون شخصا والهجمات الأخيرة فى سريلانكا وهو مايزيد من صعوبة مواجهة الإرهاب.

لكن الأخطر فى الظاهرة الإرهابية هو تزايد البعد الدينى للعمليات الإرهابية، فهجوم نيوزيلندا كان لأبعاد خاصة بتصاعد الإسلاموفوبيا فى الغرب، أى الخوف من الإسلام، وارتكب الجانى جريمته بدافع الكراهية للمسلمين، وفى المقابل ردد البعض أن تنظيم داعش قام بهجماته على الكنائس فى سريلانكا كرد على هجمات نيوزيلندا، وهو ما يعنى أن الإرهاب لم يعد فقط لأغراض سياسية أو عرقية، وإنما أصبحت تحركه وتغذيه الاعتبارات الدينية ورياح الكراهية التى تهب على العالم منذ سنوات مع صعود اليمين المتطرف فى الغرب والحركات الشعبوية، يقابلها التنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة وغيرهما، وهو ما يدق جرس الإنذار أمام العالم لاحتواء ومواجهة موجات الكراهية الدينية الحالية التى ستحرق الجميع إذا لم يكن هناك موقف دولى موحد إزاء الظاهرة الإرهابية.

والمفارقة أن هناك فجوة متزايدة بين موقف المجتمع الدولى وتصاعد الإرهاب، فرغم أن أحداث 11 سبتمبر التى وقعت فى عام 2001 كانت جرس إنذار للعالم للتحرك لمواجهة خطر الإرهاب، إلا أن الموقف الدولى كان أحد أبرز عوامل تصاعد هذا الخطر وذلك لعدة أمور:

أولها: أن هناك حزمة كبيرة من القوانين والقرارات الدولية لمواجهة الظاهرة الإرهابية بكل أبعادها، وأبرزها القرار 1373 لعام 2001 الذى يفرض قيام جميع الدول بمنع تمويل الأعمال الإرهابية، والامتناع عن تقديم أى شكل من أشكال الدعم الصريح أو الضمنى إلى الكيانات أو الأشخاص الضالعين فى أعمال إرهابية، كذلك قرار مجلس الأمن الدولى 2354 لعام 2017 بشأن مواجهة الخطاب الإرهابى، والقرار الأخير 2462 القاضى بمنع تمويل الإرهاب ومعاقبة الدول والتنظيمات التى ترعى أو تدعم الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، ورغم ذلك لم تطبق تلك القرارات على أرض الواقع نظرا لاعتبارات المصالح ولقيام بعض الدول بتوظيف الإرهاب والتنظيمات الإرهابية لخدمة مصالحها وأجنداتها، وكما أن هناك مضارين من الإرهاب، فهناك أيضا مستفيدون من استمرار الإرهاب، خاصة من جانب بعض الدول التى تستغل التنظيمات الإرهابية للتدخل فى شئون الدول الأخرى او تقويض الاستقرار فى بعض الدول عبر دعم الميليشيات المسلحة والتنظيمات الدينية المتطرفة، كما لم يتخذ المجتمع الدولى موقفا رادعا من بعض الدول التى تدعم وترعى الإرهاب مثل إيران وتركيا وقطر، وهو ما شجع تلك الدول على الاستمرار فى دعم التنظيمات الإرهابية. كذلك فإن الأمم المتحدة والمجتمع الدولى لم تتفق حتى الآن حول تعريف موحد ومحدد للإرهاب أو اتخاذ إجراءات صارمة ورادعة ضد التنظيمات الإرهابية والدول التى ترعى وتدعم وتمول الإرهاب.

وثانيها: الازدواجية الدولية فى التعامل مع الظاهرة الإرهابية والتى تمثلت فى مزاعم بعض الدول الكبرى فى التمييز بين ما تسميه بالتنظيمات المعتدلة والتنظيمات المتطرفة، بينما جميع هذه التنظيمات تتبنى خطاب العنف والإرهاب وإن تغير خطابها السياسى، كما أن الغرب ظل يتغافل عن خطر التنظيمات الإرهابية ويوفر لها المأوى، لكنه انقلب عليها عندما أصبحت الدول الغربية فى مرمى العمليات الإرهابية للتنظيمات الإرهابية مثلما حدث مع تنظيم داعش الذى استهدف بعض الدول الأوروبية وهو ما دفعها لتغير مواقفها ومواجهة التنظيم مما أسهم فى اندحاره فى سوريا والعراق. كما ركز المجتمع الدولى على المواجهة الأمنية والعسكرية فقط للإرهاب وتجاهل المواجهة الشاملة والتى دعت إليها مصر منذ سنوات عديدة، وتتمثل فى أهمية المواجهة الفكرية للخطاب المتطرف، والمواجهة التنموية لتجفيف بيئة الإرهاب والمواجهة الاستخباراتية.

كما أن المجتمع الدولى يدفع الآن ثمن تقويض أسس الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية مع تصاعد الفاعلين من غير الدول من التنظيمات والميليشيات الإرهابية والمتطرفة وقيام بعض الدول بدعمها وهو ما أسهم فى تغذية بيئة العنف والإرهاب. أحداث سريلانكا ونيوزيلندا الإرهابية وغيرها من عشرات الأحداث الإرهابية التى وقعت فى العالم تدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولى والأمم المتحدة، للتحرك وتوافر الإرادة الحقيقية لمواجهة تلك الظاهرة المتنامية، قبل أن تستفحل ويصعب مواجهتها أو القضاء عليها.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف