باريس: من مدينة الجن والملائكة إلى مدينة الشياطين والخناجر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
كل ما في باريس يبهر، الآداب والعطور والحدائق العريقة والمتاحف العامرة والنساء الجميلات والمقاهي والنبيذ الممتاز. تتجلى في هذه المدينة الحياة كما يتخيلها الإنسان في أركان الدنيا جميعها وكما يرغب فيها. ولأن كل ما فيها يبهر فعيون أعداء الحياة الجميلة تترقّبها.
هي ليست رؤية إكزوتيكية أو حس إغرابي، هي ليست بطاقة بريدية سياحية عن باريس، إنها الحقيقة التاريخية والإنسانية والفنية، فعلى مدى قرون كانت باريس الجميلة، الهادئة، الصاخبة، المتناقضة، المثيرة تمثّل طاقة الحلم الإيجابي الذي يتقاسمه المثقفون والفنانون من كل أصقاع الدنيا.
الجميع كان يحلم، من المثقفين والمبدعين والفلاسفة على اختلاف لغاتهم ودياناتهم وميولهم الجمالية وتوجهاتهم السياسية، وعلى مدى قرنين كاملين (التاسع عشر والعشرين) وأزيد، أن يزور باريس، ويقف على بعض من سر سحرها.
المدن أساطير، وباريس كانت أسطورة قبل أن يقتحمها طاعون الإرهاب.
باريس "مدينة الجن والملائكة"، هكذا وصفها طه حسين حين وصل إليها عشية الحرب العالمية الأولى، كان ذلك عام 1914، ليغرف منها علماً ومنهجاً وأفكاراً وجرأة، ويتعرف فيها على امرأة مسيحية فرنسية ستكون عينه وعصاه وطريقه إلى المجد، وزوجته وأم أطفاله.
فقد ظل طه حسين مديناً لباريس بشكل خاص وفرنسا بشكل عام على كل ما منحته إياه من حس حضاري ومن رؤية جديدة للعالم، ومن منهج قراءة للآداب ومن طريقة سلوك في الحياة، بخاصة علاقته بالمرأة، زوجة وابنة وأماً ورفيقة، فباريس هي التي كانت وراء إنتاج طه حسين لواحد من أهم الكتب النقدية في القرن العشرين وأعني به كتابه "في الأدب الجاهلي"، الذي أثار حفيظة المحافظين وخلق له خصوماً على كل الجبهات الثقافية والدينية والجامعية.
وهي أيضاً المدينة التي زارها الكاتب توفيق الحكيم عام 1925، وهو أحد عمداء الكتابة المسرحية والروائية في الأدب العربي، ليتابع دراسة القانون.
لكن مدينة مثل باريس وبلداً مثل فرنسا، مهما كان بلد حقوق الإنسان، إلا أنه وقبل كل شيء فضاء غواية الآداب العالية والفنون الجميلة. من هنا فقد أنست باريس توفيق الحكيم "درس الحقوق" التي هاجر لتحضير أطروحة الدكتوراه فيها، ليعود بعد ثلاث سنوات أديباً كبيراً وكاتباً مسرحياً متميزاً، ويكتب واحداً من أجمل كتبه وهو "عصفور من الشرق"، الذي نشر عام 1938. يكتب بكثير من الوفاء ومن خلال علاقة البطل محسن، الذي ليس سوى توفيق الحكيم نفسه، بسوزي عاملة شباك التذاكر، علاقة الشرق بالغرب في مفترق الطرق، ليرسم أيضاً ملامح وجه باريس المسرح والليالي والفن والمغامرة.
وهي باريس المدهشة بلياليها التي جاءها أيضاً سهيل إدريس، فهام في العوالم الليلية لحي باريسي أسطوري لا يشبهه حي آخر، إنه "الحي اللاتيني" الذي كان محج كل الوافدين إلى المدينة، من زارها ولم يقصد الحي اللاتيني فكأنه لم يزر المدينة، فكتب إدريس واحداً من أهم نصوصه السردية على الإطلاق وأعطاه اسم هذا الحي، رواية "الحي اللاتيني" (1953)، التي صنّفت واحدة من أهم مئة رواية عربية حتى الآن.
وبعد 67 سنة على نشرها، لا تزال تقرأ بشكل متواصل جيلاً بعد جيل وبكثير من الدهشة والإعجاب. علاقة سهيل إدريس بباريس لم تتوقف عند كتابة هذه الرواية الجميلة، بل باتت ممرّاً حاسماً للفكر الوجودي إلى بيروت أي إلى الثقافة العربية بشكل عام، إذ ستتكفل دار الآداب التي أنشأها لاحقاً، بترجمة ونشر كثير من كتاب الوجودية لسارتر وألبير كامو وسيمون دو بوفوار وغيرهم...
وإذا كانت صورة باريس، تختلف بعض الشيء من الشرق إلى شمال أفريقيا، ومع أن المدينة ارتبطت في المخيال الجزائري والمغاربي بشكل عام بظاهرة الاستعمار، إلا أنها لم تفقد بعدها التحرري، فقد كانت مدينة الحرية الفكرية ومنفى المثقفين الجزائريين، فساعدت في صناعة أسماء أدبية جزائرية كبيرة في الآداب والفكر، أيام الاستعمار وسنوات حرب التحرير الجزائرية، ورافقتهم نحو النجاح والعالمية ومنهم كاتب ياسين ومحمد ديب وآسيا جبار ومولود فرعون ومولود معمري ومالك حداد ومالك واري وجان عمروش وغيرهم...
كانت دور النشر الفرنسية التقدمية كـ "مينوي" و"لوسوي" و"جوليار" و"غاليمار"، تأخذ النصوص الجزائرية المعادية للاستعمار وتنشرها وتروّج لها في معارضة صارخة للنظام السياسي الكولونيالي الفرنسي. وفي باريس، تشكّلت مجموعة 121 من المثقفين الثوريين الذين دعوا إلى استقلال الجزائر ونبذ الحرب والوقوف إلى جانب حق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال، كما تكوّنت أيضاً جماعة المناضل فرنسيس جونسون التي سمّيت بـ"حملة الحقائب" (Les porteurs de valises) والتي عملت على نقل المساعدات المالية إلى الثورة الجزائرية وتوزيع المناشير الخاصة بتنظيماتها السرية وتسهيل وثائق هويات مزوّرة لتنقل الثوار.
في الحرب كما في السلام، كانت باريس دائماً مدينة الغواية والمغامرة والحرية خلال القرنين الماضيين، لا أعتقد أن كاتباً أو فيلسوفاً أو مناضلاً سياسياً لم يدخل باريس أو لم تؤثر فيه بشكل مباشر أو غير مباشر.
حين كانت تضيق الدنيا بمثقفي العالم الثالث وبمثقفي العالم العربي وبلدان شمال أفريقيا تحديداً، كانت باريس تفتح لهم أبوابها، تحتضنهم من دون أن تكمّم أفواههم أو تساومهم في قناعاتهم.
باريس القنابل والإرهاب
اليوم، حين يغتال أستاذ للتاريخ في ضواحي باريس، وقبله بخمس سنوات الهجوم الإرهابي على مقر الجريدة الساخرة شارلي إيبدو واغتيال صحفييها والهجوم على باتاكلان ومحطة الميترو، وغيرها من الأعمال الإرهابية التي قامت بها الجماعات الإسلامية المتطرفة، حين يغتال أستاذ أمام ثانويته ويفصل رأسه عن جسده وكأننا في القرون الهمجية الظلماء، نتساءل ما الذي حدث لباريس؟ وأين هي مدينة الآداب الجميلة والحدائق العمومية العريقة والنبيذ المعتق والعطور التي لا تشبهها عطور والمسارح وقاعات السينما وضجيج نقاشات المقاهي الفلسفية والفنون التشكيلية؟
ماذا أصاب العالم؟ ماذا أصاب باريس؟ إننا ندخل عصراً من التوحش الفكري والسياسي والديني الذي يغتصب الجميل ويغتال المجتهد ويقتل المختلف ويصادر الرأي الحر.
أقيم أمس الأربعاء، في 21 أكتوبر (تشرين الأول)، في باحة السوربون حفل تكريمي وطني للأستاذ صموئيل باتي (Samuel Paty) الذي اغتاله الإرهاب الإسلامي. وفي هذا المكان المقدس، مكان العلم، درس طه حسين وتوفيق الحكيم وسهيل إدريس ومحمود المسعدي ومحمد أركون وغيرهم كثر ممن حملوا الفكر النقدي إلى الثقافة العربية المعاصرة. حين نتأمل هذا المشهد الصارخ في تناقضه بين جيل أتى إلى باريس ليحمل التنوير، وجيل يقيم في باريس ليفرض الظلامية، هنا يكمن الجواب عن أسباب تخلّفنا، وتوجّس العالم من ديننا ومن سلوكنا.
تظل باريس أكبر عامل مؤثر في أكبر الشخصيات الثقافية والفكرية والإبداعية العربية والمغاربية التي بدورها أثرت تأثيراً استثنائياً على مدى القرن العشرين.
نعم، اليوم، لم تعد باريس مدينة "الجن والملائكة" كما وصفها طه حسين، فبعد قرن من الزمن حوّلها فكر الداعية طارق رمضان وأتباعه إلى مدينة الشياطين والساطور والدم.
التعليقات
انه ليس فكر الداعية
ماجد المصري -صدقني ايها الكاتب فانا اعلم حيرتك و في الوقت نفسه خوفك من الحقيقة...الي متي سيكون الاتهام الي المسلمين و ليس الي الدعوات : "قاتلوا و اقتلوا".....منذ ايام أصدر الملك «سلمان بن عبدالعزيز» قراراً بإنشاء هيئة للتدقيق فى استخدامات الأحاديث النبوية، بهدف القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأى نصوص تتعارض مع تعاليم الإسلام وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب.. وقد تساءلت -آنذاك- لماذا لم يعترض شيخ الأزهر الدكتور «أحمد الطيب»، أو يتهم الرياض بالهجوم على تراث المسلمين، ولم يهدد ويتوعد من مراجعة السعودية للأحاديث النبوية، بينما تعمّد إرهاب الكتّاب والمفكرين والمجددين فى مصر وتونس.. أن الإمام الأكبر لا يقتنع بأن «الدستور المصري يحمى حرية الفكر والإبداع والتفكير».. وهى الحريات التى يصادرها الأزهر بمطاردة الكتّاب والمفكرين قضائيا...السعودية تتخلي عن التشدد و مصر تحتضنها.. احكم بالضمير الانساني...
سبب المشكلة
عراقي محايد -السبب الرئيس لللأرهاب في الغرب هو انتشار المسلمين المتطرفين في هذه القارة فهم يجلبون ثقافتهم معهم للعيش حياة كريمة هربا من القمع السياسي والديني وبنفس الوقت يحمل هؤلاء سلوك عنيف وغير منضبط ليس كل انسان قادر مع التعامل مع الحرية بشكل سليم ومنطقي وهمجية البعض منهم ظاهرة في هكذا افعال مخزية ومشينة وتشوه سمعة كل من ينتمي الى هكذا طائفة غاب عن المتطرفين فيها العقل والسلوك السليم والفعل الموزون...
وماذا أصابهم ؟
فول على طول -تحيه سيدى الكاتب على هذا المقال الرائع ولكن ينقصك سؤال واحد ..هو ماذا أصاب المسلمين ..؟ ولماذا ارهابهم يطال حتى من أحسن اليهم ومنحهم اللجوء وفتح لهم الأبواب واحترم انسانيتهم ؟ ولماذا ارهابهم ينتشر فى العالم كله ؟ وماذا ينتظرون من العالم ؟ أعتقد أنه سوف يقوم اليمينيين فى كل العالم بالحرب على المسلمين وخاصة فى الغرب الذى لم يعد يهنأ بالسلام فى بلادهم ,.سوف تكون دماء كثيره وسوف يتم دحر المتطرفين فى الغرب وهذا لابد منه ..طبعا ليست هذه أمنتيتى ولكن قراءه للواقع . ما الذى يجعل الغربى يسكت على خراب بلده ؟ وما الذى يجعله يصمت على الارهاب ضدهم وحتى هم فى بلادهم ؟
عميد الصحافة الإلكترونية
فادي عزاوي -شكراً إيلاف على هذه المساحة الحرة التي تتيحها للقراء، وتوسع من خلالها مجالات النقاش الحر الواعي، المتفلت من أي أحكام مسبقة. الشكر أيضاً موصول للأستاذ عثمان العمير، عميد الصحافة الإلكترونية.
ياعزاوي
كاميران محمود -أن المساحة مفتوحة لما يلائم فكر محرر أيلاف الداعشي والا فانه يحجب مالا يوافق فكره الفاشي الاسلامي وأن نشر التعليق فيخرج مقصقصا مشوها لكي لايخدش مشاعر جماعات و تنظيماتالذبح الحلال حيث أن لي تعليقا على هذا المقال منعه الداعشي الايلافي من النشر .
يا أستاذ أمين
كاميران محمود -شيء من التفصيل ضروري لتوضيح الحال وما أود الاشارة اليه أن هذه النماذج المنحطة وفكرها الاجرامي لم يصبحوا جزءا أساسيا في المجتمعات العربية الا بعد أن أصبح أشباه الاميين (الثقافيين) نجوما للمجتمع المصري و بعد عقدين من بدء تخريبه ولان المجتمعات العربية تقلد مصر. أي أن المهاجرين الجدد بدلا من التنوير الذي كان سائدا ايام هجرة طه حسين أتخذوا من شعوذة وأجرام أفكار النجوم الجدد أساسا لمعتقداتهم والتي ادت الى تكفير نصر ابو زيد واغتيال فرج فودة ومن الجدير بالذكر ان احد الممثلين المصريين ممن شاركوا في مسلسلة تلفزيونية حول الارهاب الاسلامي (العوضي) قد مجد اغتيال الشهيد فرج فودة حيث ان كل المسلسل كان يدور حول اي الاجرامين افضل اجرام الازاهرة ام اجرام الدواعش.
نائب لبناني
أبو زريق -غرّد النائب اللبناني السابق فارس سعيد على حسابه عبر "تويتر" كاتباً: حرق العلم الفرنسي في بيروت لا يليق بِنَا لا حلّ لأزمة ماكرون في التعاطي مع المجتمع الفرنسي المتنوع بالعنف الحلّ بالحوار وعلى بيروت تنظيم لقاءات حوار اسلامي مسيحي لفهم عمق المسألة بدلاً من الالتحاق بحلقة عنف لا تنتهي.