كيف نحكم على جودة تعليمنا؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
سُئِل وزير التعليم النيوزيلندي كيف تحكم على جودة تعليمكم؟ أجاب: من نظافة شوارعنا، وجودة الحياة لدينا، وقدرة شبابنا على التفكير والابتكار. نعرف جودته بمدى تمتع شبابنا بالصحة النفسية والبدنية، وقدرتهم على التعايش وقبول الآخر، بمدى قدرتهم على المنافسة في المحافل الدولية. التعليم سلاح ذو حدين فإما أن يفتّح العقول ويصقل الأجسام ويعزز القيم ويرسخ العادات الجميلة، أو يبقي على الجهل المركب ويجتر أمجاد الماضي، متناسياً متطلبات الحاضر والمستقبل، فيدجن العقول ويثبط الهمم ويقتل المواهب. كل تعليم لا تكون لديه القدرة والمرونة المطلوبة ليواكب المتغيرات المتسارعة في العالم فائدته قليلة، ويؤثر على بقية الأنشطة، ذلك أن رأس المال البشري هو المؤثر والصانع للأحداث والمسير لكل نواحي الحياة، مستوى مخرجات التعليم هو الذي سيحدد قوة الأمم في المستقبل.
تحدث الكثير من علماء المناهج عن خطورة حشو المعلومات في أدمغة الطلبة، في وقت أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع بلمسة زر من حاسب آلي، بينما تصبح القيم السامية والعادات التي تزيد الطالب قوة كالقراءة الحرة والرياضة ومهارات التواصل أشياء ثانوية، ومن أهم ما قيل في هذا المجال: "التعليم ليس ملء جردل، لكنه إيقاد شعلة" ويليام بتلر. ومقولة سدني هاريس المشهورة: "إن غاية التعليم النهائية هي تحويل المرايا إلى نوافذ"، فكل تعليم لا يشحذ همم الطلبة ويحفزهم، ويشعل الحماس لديهم للمزيد من التحصيل والبحث والإضافة فهو تعليم ناقص، وكل تعليم لا يفتح النوافذ لدخول المزيد من أنوار العلم، وأضواء الحياة يفوت الفرصة في سنّ هي الأفضل للتحفيز وإيقاد شعلة الرغبة في العلم والبحث والابتكار، العباقرة لا تصنعهم المناهج الجامدة والمملة، بل المناهج التي تحفز الطالب على التعلم وتزرع فيه شغف البحث عن المعلومة، وتدريبه وإشراكه في المناقشات والأنشطة.
ومن أهم وظائف التعليم زرع القيم والأخلاق التي لا تستقيم حياة الناس وتزدهر إلا بها، فالأخلاق هي ما يصنع مجد الأمم، وتنهار الأمم بانهيار أخلاق أبنائها، كما ذكر الفيلسوف والمؤرخ والطبيب الفرنسي غوستاف لوبون، ويضرب مثلاً بذلك من التاريخ بامبراطوريتي الفرس والروم، فيشير إلى أنها لم تنهار لنقص ذكاء أبنائها، ولكن لغياب الأخلاق وانتشار الفساد بين طبقات مجتمعاتها.
اليوم ومع إشراقة شمس جديدة على المملكة، وتجدد الأمل بالوصول إلى العالمية في كل الأنشطة، نحن بحاجة إلى تعليم مختلف من أهم أسسه:
أولاً: مهما تحدثنا عن التطوير وإدخال التقنية، فلا شيء يعوض جودة المعلم وحسن اختياره وإعداده ورفع روحه المعنوية، يجب أن ينزل المسؤولون وواضعو المناهج إلى الميدان ويسألوا المختصين عما يمنعهم من التفوق والعطاء، ما أسباب تدني روحهم المعنوية إن وجدت؟ ما مقترحاتهم لتطوير التعليم وتحسين البيئة المدرسية؟ يجب أن نصمم استبانات علمية يضعها مختصون في التربية والمناهج ومصممي الاستبانات، لمعرفة ما التحديات والعوائق التي تحد من الانطلاق لتبوء المراكز المتقدمة على مستوى العالم؟ وما الحلول المقترحة؟ أساس جودة التعليم وجود قائد مدرسة مهتم وملهم، ومعلم متمكن ومميز، ولو خيرت بين معلم مميز في خيمة، ومعلم آخر غير مهتم، يعطي الحد الأدنى وبروح معنوية متدنية، لكنه في أجمل فصل مع أفضل تقنية، لاخترت الأول من دون تردد، فأهم ثلاثة عناصر لتطوير التعليم هي: المعلم ثم المعلم ثم المعلم.
ثانياً: يجب أن نركز في مدارسنا على التربية، وخصوصاً في المراحل الأولى من التعليم، فالمخاطر كثيرة والمغريات أكثر، المدارس هي خط الدفاع الأول ضد التطرف والمخدرات والجريمة والفقر والأمراض والإعاقات الفكرية والبدنية، المدارس هي المكان المناسب لتحقيق التحصين المبكر، وزرع العادات التي تزيدنا قوة كالقراءة الحرة، والرياضة بأهدافها المتعددة، وقيم الصدق والأمانة واحترام الوقت وتنمية الذائقة الفنية، وكل ذلك لن يتحقق إلا بالتدريب والتكرار والمتابعة، وأن يطبق الطالب داخل المدرسة ما سيمارس خارجها.
ثالثاً: يجب أن يتوجه المعلمون والطلبة كل يوم إلى المدرسة وهم مشتاقون لها، لأنها توفر لهم الأجواء الصحية من حيث روح التعاون والمرح واللعب والأنشطة المختلفة، ومنها المسرح بأهدافه المتعددة، وأن تتحول الفصول إلى ورش عمل يمارس فيها النقد والتحليل والنقاش والمشاركة، ولا أزال أتذكر قول أحد المبتعثين إلى نيوزيلندا، قال لي: في المملكة كنا نجد صعوبة في إقناع ابننا في الذهاب إلى المدرسة، وفي نيوزيلندا إذا أردنا معاقبته نهدده بحرمانه من الذهاب إلى المدرسة.
تغييرات كثيرة وجهود مميزة وخطوات شجاعة تبذلها وزارة التعليم للنهوض بالتعليم بجميع مراحله، لكن المهمة صعبة ومتشعبة، والإرث ثقيل، وأفضل وسيلة لمعالجة الوضع الحالي هو التركيز على الأهم، وتطبيق قانون بريتو الذي يقول إن معالجة أهم 20 % من الأسباب تحقق 80 % من النتائج.